دمشقـ جاءت استقالة المسؤول الإعلامي في الشركة السورية للبترول عدنان الإمام لتسلط الضوء من جديد على ملف توظيف "فلول النظام السابق" داخل مؤسسات الدولة، في ظل تزايد التسريبات خلال الأشهر الماضية بشأن إسناد مناصب عامة لشخصيات ارتبطت سابقا بنظام بشار الأسد.
وحظيت استقالة الإمام باهتمام إعلامي وشعبي واسع، بعدما أعلنها عبر بيان رسمي أرجع فيه قراره إلى تعيين شخص يدعى طلال الحلاق مديرا للعلاقات الدولية والاتصال في الشركة.
واتهم الإمام الحلاق بارتباطه في السابق بأفرع المخابرات التابعة للنظام السابق، مرفقا اتهاماته بوثائق قال إنها تظهر اتصالات بين الحلاق وجهات أمنية.
وأثارت هذه القضية مؤشرات جديدة على ما يراه البعض مسارا حكوميا يهدف إلى احتواء شريحة من الموالين السابقين، مع تجاوز ماضيهم الوظيفي، رغم إعلان وزير الطاقة السوري محمد بشير لاحقا إصدار توجيهات بفتح تحقيق للتدقيق في خلفيات الحلاق.
ولا تبدو هذه الحادثة معزولة، إذ تداولت وسائل إعلام سورية وثائق تتهم خالد العليج، مدير مديرية المشاريع المشتركة في الشركة ذاتها، بالتورط في تسهيل سيطرة إيران على حقول نفطية خلال فترة حكم النظام السابق.
وتأتي هذه التطورات في سياق سلسلة وقائع أثارت جدلا مشابها، من بينها إعلان رجل الأعمال محمد حمشو، أحد أبرز الوجوه الاقتصادية للنظام السابق، توصله إلى "اتفاق شامل" مع الحكومة الجديدة لتسوية وضعه القانوني، فضلا عن الجدل الذي رافق ظهور فادي صقر، أحد قادة المليشيات الموالية للنظام السابق، إلى جانب محافظ دمشق ماهر الإدلبي.
ودفع ذلك أعضاء في لجنة السلم الأهلي إلى تبرير هذه الخطوات بوجود تعاون مع بعض الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق في ملفات أمنية، في حين لم تستبعد قيادات سابقة في المعارضة السورية، شاركت في مفاوضات برعاية أممية قبل سقوط النظام، أن يكون هذا المسار جزءا من مقاربة أوسع.
وفي هذا الإطار، رجح قيادي سابق في المعارضة -فضل عدم الكشف عن اسمه- أن تسعى الحكومة السورية إلى إقناع الأمم المتحدة بأنها تمضي في تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالمرحلة الانتقالية، والتي تنص على إشراك مختلف الأطراف السورية.
في المقابل، نفى الباحث في السياسات العامة وائل ميرزا أن يكون وجود عناصر من النظام السابق داخل مؤسسات الدولة سياسة ممنهجة على نطاق واسع، مشيرا إلى أن الأعداد المتداولة تبقى محدودة مقارنة بحجم الجهاز الإداري في البلاد.
وأوضح ميرزا، في حديثه للجزيرة نت، أن الحديث عن انتشار واسع لتوظيف "الفلول" يفتقر إلى الدقة، مرجحا ألا يتجاوز عددهم في الوظائف العامة بضع عشرات أو نحو 100 شخص في أقصى تقدير، معتبرا أن ذلك يعود جزئيا إلى أخطاء فردية أو ثغرات إدارية، وربما إلى مقاربات حكومية غير واضحة للرأي العام، دون أن يعكس توجها بنيويا عاما.
من جهته، ربط رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني استمرار بعض كوادر النظام السابق في مؤسسات الدولة بجملة من العوامل، في مقدمتها الحاجة الوظيفية.
وأشار عبد الغني، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن الدولة السورية ورثت مئات آلاف الموظفين الذين أداروا قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والبنية التحتية لعقود، في ظل غياب بدائل جاهزة، وهو ما يجعل إعادة دمج جزء منهم ضرورة في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.
كما لفت إلى وجود اعتبارات سياسية تتمثل في تجنب تعميق شعور التهميش لدى بعض المكونات الاجتماعية، لا سيما إذا شمل الإقصاء كوادر تنتمي إلى طيف علوي، مما يدفع الحكومة إلى التعامل بحذر مع هذا الملف، وإعادة دمج من لا يواجهون اتهامات جنائية واضحة، بهدف الحد من الاحتقان الاجتماعي.
وفي المقابل، تبدو الحكومة أكثر تشددا حيال إعادة دمج عناصر النظام السابق في المؤسستين العسكرية والأمنية، إذ فتحت المجال لعودة الضباط المنشقين بين عامي 2011 و2020 إلى وزارة الداخلية، مع فرض قيود على عودة من استمروا في مواقعهم حتى سقوط النظام، خاصة في حال الاشتباه بتورطهم في انتهاكات.
وتتجدد مع كل جدل حول هذا الملف التساؤلات بشأن مسار العدالة الانتقالية، ومدى جدية الحكومة في المضي فيه.
وفي هذا السياق، يرى عبد الغني أن هناك مؤشرات رسمية على وجود نية لتطبيق العدالة الانتقالية، لكنها لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظل غياب آليات مؤسسية واضحة وشفافة لفرز الموظفين ومنع بقاء المتورطين في انتهاكات داخل مؤسسات الدولة.
وحذر من أن استمرار هذا الغموض قد ينعكس سلبا على ثقة الضحايا بالمؤسسات الجديدة، مشيرا إلى أن البلاد تواجه اختبارا حاسما بين بناء منظومة موثوقة للفرز والمحاسبة، أو الانزلاق نحو تجارب سابقة أفضت إلى عدم الاستقرار، كما حدث في العراق بعد عام 2003.
وصدرت مؤخرا تحذيرات من نشطاء من احتمالية تصاعد الاحتقان بين الشرائح التي شاركت في الثورة السورية والإدارة الحالية، على وقع التسريبات المتكررة عن تعيينات لمنتسبين للنظام السابق ضمن مؤسسات الدولة، ومنها تكليف هلا حسن بمهام مديرة مكتب وزير السياحة السوري، على الرغم من ارتباطها السابق بحزب البعث الذي احتكر الحياة السياسية في عهد نظام الأسد بحقبتي الأب والابن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة