بغدادـ التحقيقات في قضايا الفساد قد تنتهي بملاحقة من يكشفها لا من يرتكبها، بهذه الكلمات يلخص الصحفي والمصور عيسى العطواني واقعا معقدا يعيشه الصحفيون في العراق، حيث لا تقف المخاطر عند حدود القانون، بل تمتد إلى ضغوط اجتماعية وأعراف قد تكون أكثر قسوة.
ويستحضر العطواني حادثة كشف فيها تلاعبا في ملف استيراد القمح، انتهت رغم كسبه القضية قانونيا بمطالبات عشائرية بدفع تعويضات للشركة المعنية، في مشهد يعكس هشاشة الحماية التي يفترض أن يتمتع بها الصحفي.
هذا التداخل بين القانون والأعراف غير الرسمية يجعل المهنة، كما يصفها العطواني، "خطيرة؛ إن لم يسكتك القانون، قد تسكتك العشيرة"، في إشارة إلى واقع تتقاطع فيه السلطات الرسمية مع نفوذ اجتماعي مواز. ويؤكد في حديث للجزيرة نت أن ما يعيشه الصحفيون لا يعكس حرية حقيقية، بل شكلية.
وتأتي هذه التصريحات في ظل تزايد التحديات التي تواجه الصحفيين والمصورين في العراق، وسط واقع ميداني يتناقض مع القرارات الرسمية التي تؤكد رفع القيود عن العمل الإعلامي.
فعلى الرغم من إعلان وزارة الداخلية، للمرة الثانية خلال شهرين، والمرة الثالثة عشرة خلال 11 عاما، إلغاء العمل بما يعرف بـ"كتاب عمليات بغداد"، لا تزال القوات الأمنية بحسب شهادات ميدانية تطالب الصحفيين بالتصريح ذاته، ما يعكس فجوة مستمرة بين القرارات الحكومية وتطبيقها على الأرض.
في أجواء كهذه، تبدو حرية الصحافة قائمة على الورق أكثر منها في الواقع في نظر بعض الصحفيين. فبينما يقرها الإطار القانوني، يواجه الصحفيون عند الاقتراب من ملفات الفساد المرتبطة بأحزاب السلطة مزيجا من الضغوط القانونية والعشائرية، وأحيانا تهديدات مباشرة بالقتل، ما يجعل العمل الميداني محفوفا بالمخاطر.
ولا يقتصر الأمر على الصحفيين الاستقصائيين. فمصور ميداني في بغداد، طلب عدم الكشف عن هويته خوفا من الملاحقة، يقول إن جهات حزبية مسلحة "تعمل خارج الإطار الأمني الرسمي" تتدخل بشكل متكرر في عملهم، عبر منع التصوير أو مصادرة المعدات.
ويشير إلى حادثة تعرض فيها أحد زملائه للضرب وصودرت كاميرته أثناء تغطيته قرب موقع أمني.
الحوادث الأخيرة في البصرة تعكس هذا النمط المتكرر من الانتهاكات. فخلال إعداد هذا التقرير، تعرض مراسلان لقناتين محليتين لاعتداءات أثناء تغطيتهما أحداثا ميدانية منفصلة.
وتقول نور التميمي، مراسلة قناة الشرقية، إن مجموعة يعتقد ارتباطها بفصيل مسلح اعتدت عليها وصادرت معداتها وهاتفها الشخصي، قبل أن يستعاد لاحقا بتدخل قائد شرطة البصرة، غير أن الحادثة أعقبها تحريض على مواقع التواصل الاجتماعي وصل إلى الدعوة لقتلها.
أما مصطفى الشمري، مراسل قناة التغيير، فكان عند تواصله مع الجزيرة نت داخل مركز الشرطة، حيث كان يستكمل إجراءات شكواه ضد المعتدين، بعد تعرضه للضرب على أيدي محتجين اقتحموا القنصلية الكويتية.
وأدانت نقابة الصحفيين فرع البصرة هذه الاعتداءات، داعية إلى محاسبة المتورطين وضمان حماية الصحفيين أثناء أداء عملهم.
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية إلغاء قيود إجرائية كانت مفروضة على عمل الصحفيين، مكتفية بالهوية الصحفية كتصريح رسمي. غير أن هذه التسهيلات، حسب مراسلين، لا تنعكس دائما على أرض الواقع، حيث تستمر حالات المنع، خصوصا في المناطق ذات الحساسية الأمنية.
ويبرز ذلك في حادثة تعرض لها مراسل قناة الفلوجة علي عبد الكريم، الذي منع من التصوير في منطقة الرضوانية غربي بغداد أثناء إعداد تقرير، ما دفعه للمطالبة بآليات واضحة لتنظيم العمل الإعلامي.
ورغم القرارات الرسمية، تشير الشهادات الميدانية إلى أن القيود لم ترفع فعليا، خاصة في التغطيات المرتبطة بالملف الأمني. ويؤكد مصور في بغداد أن الإعلانات المتكررة عن تسهيل العمل لا تغير كثيرا من الواقع، قائلا: "في كل مرة يعلن فيها إلغاء القيود، نتوقع أن يتغير شيء، لكننا نصطدم بالإجراءات ذاتها".
ويضيف أن التغطيات المرتبطة بالتوترات الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدا، حيث تفرض قيود إضافية تحت مبرر الحفاظ على الأمن، مشيرا إلى أن أي حدث له صلة بالصراع الإقليمي يقابل بحساسية مفرطة، إذ تعامل الكاميرا أحيانا كتهديد، ما يؤدي إلى غياب التغطية البصرية ويفتح المجال أمام انتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة.
وتعزز الأرقام هذا الاتجاه، إذ رصدت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في تقريرها لعام 2025 ما لا يقل عن 182 انتهاكا بحق الصحفيين، توزعت بين الاعتقال والاحتجاز والمنع والدعاوى القضائية، إضافة إلى الاعتداءات الجسدية والتقييد الإداري.
في المقابل، امتنع رئيس جمعية المصورين العراقيين عن التعليق، مكتفيا بالقول: "نحن مع إجراءات الدولة وقرارات الداخلية، وندعمها".
ويقر مرصد الحريات الصحفية في العراق بوجود تحديات ميدانية مستمرة، رغم الجهود المبذولة لتحسين بيئة العمل الإعلامي.
ويقول رئيس المرصد وعضو مجلس نقابة الصحفيين العراقيين هادي جلو مرعي للجزيرة نت إن إلغاء القيود لم ينعكس بشكل فعلي على أرض الواقع، مشيرا إلى أن ضعف التطبيق يرتبط أحيانا بمزاجية بعض الجهات الأمنية، ما يعكس خللا مؤسساتيا.
ويضيف أن تزايد الدعاوى القضائية ضد الصحفيين، خاصة في قضايا الفساد أو انتقاد شخصيات سياسية، يشكل أحد أبرز التحديات التي تضغط على حرية العمل الصحفي.
ورغم وجود إطار قانوني ينظم عمل الصحفيين، لا تزال الانتهاكات مستمرة، ما يثير تساؤلات حول فاعلية التطبيق. وفي هذا السياق، يقول الخبير القانوني أمير الدعمي إن قانون حقوق الصحفيين لعام 2011 يضمن من حيث المبدأ حق الحصول على المعلومات والتغطية، لكنه يتضمن عبارات فضفاضة مثل "ضمن حدود القانون"، تتيح تقييد العمل الإعلامي.
ويخلص الدعمي، في حديث للجزيرة نت، إلى أن هذه الثغرات، إلى جانب ضعف التنفيذ، تؤدي عمليا إلى الحد من حرية الصحافة وتقييد قدرة الصحفيين على نقل الوقائع من الميدان.
في معادلة الحماية داخل العراق، يبقى المراسل والمصور الحلقة الأضعف، إذ يعملان في الخطوط الأمامية وعلى تماس مباشر مع الأحداث، حيث تتقاطع القيود الأمنية مع قرارات غير واضحة، ليجد الصحفي نفسه أمام خيارين إما الامتثال لإجراءات مبهمة أو المخاطرة بالمنع والملاحقة وربما التعرض للاعتداء.
ومع استمرار التحديات الأمنية، خاصة في ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة، يبقى تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحرية العمل الصحفي مهمة معقدة، لكن الواقع حتى الآن يشير إلى أن حرية الصحافة في العراق لا تزال تعلن في البيانات الرسمية، وتقيد في الميدان، وفق شهادة العديد من الصحفيين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة