آخر الأخبار

الضمان الاجتماعي بالأردن.. وعود حكومية بإصلاحه ومخاوف مجتمعية من أعبائه

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عمّان- في صباح اعتيادي، فوجئ المواطن الأردني محمد نصار بأن سنوات عمله الـ10 تحوّلت إلى مصدر قلق، بعدما كشفت التعديلات الحكومية على الضمان الاجتماعي معادلة أربكت حساباته، ودفعته إلى سحب اشتراكاته خوفا من عدم الحصول على راتب تقاعدي عند سن الـ60.

ودخلت تعديلات قانون الضمان الاجتماعي لعام 2026 في الأردن مرحلة حساسة من النقاش العام، وسط جدل واسع يتقاطع فيه الاقتصادي بالاجتماعي والسياسي بالمعيشي. وبينما تؤكد الحكومة أن هدفها تعزيز الاستدامة المالية للنظام، يرى منتقدون أن المشروع يمس مدخرات المواطنين ويحمّلهم أعباء إضافية.

في كواليس مجلس النواب، أشارت مصادر رسمية للجزيرة نت إلى أن لجنة العمل النيابية تميل إلى تثبيت سن التقاعد عند 62 عاما، خلافا لما ورد في مشروع الحكومة، الذي طالب بأن يكون 65 عاما. كما كشفت عن وجود تحفظات لدى بعض النواب، خصوصا من حزب جبهة العمل الإسلامي، مما أسهم في تأخير إقرار التعديلات وإحالتها للنقاش الموسع داخل المجلس.

مصدر الصورة لجنة العمل النيابية بمجلس النواب الأردني تميل إلى تثبيت سن التقاعد عند 62 عاما (الجزيرة)

بنود خلافية

تتركز أبرز التعديلات الخلافية حول تشديد شروط التقاعد المبكر، عبر رفع الحد الأدنى للاشتراكات إلى 360 اشتراكا فعليا، مع فرض اقتطاع بنسبة 4% عن كل سنة تقل عن سن 65 عاما.

كما تتضمن رفعا تدريجيا لسن تقاعد الشيخوخة، ليصل إلى 65 عاما للذكور و60 عاما للإناث، بعد أن كان سابقا 60 عاما للذكور و57 عاما للإناث، إلى جانب تغييرات أخرى طالت تأمين التعطل والمهن الخطرة، وتشديد الغرامات على المنشآت.

وأكد رئيس لجنة العمل النيابية، أندريه حواري، للجزيرة نت أن النقاش لا يزال مفتوحا، موضحا أن التعديلات تتضمن إعادة تعريف الأجر وصاحب العمل، وتوسيع الشمول ليشمل المنصات الإلكترونية، وإدراج المكافآت ضمن الضمان.

إعلان

وأضاف أن الهدف هو "تحقيق عدالة أكبر، خصوصا للفئات ذات الدخل المحدود، من خلال ربط التقاعد المبكر بعدد الاشتراكات وليس العمر فقط".

في المقابل، لم تخفِ الكتل النيابية المعارضة قلقها. فقد طالبت كتلة جبهة العمل الإسلامي بسحب المشروع، معتبرة أنه يمس الأمن الاجتماعي ويحمّل المواطنين كلفة الاختلالات المالية من دون تقديم حلول جذرية لأزمة الضمان.

وأبدت ديمة طهبوب النائب عن حزب الجبهة مخاوفها من المضي في إقرار التعديلات في هذا التوقيت، لافتة إلى أن كتلتها سعت منذ القراءة الأولى إلى دفع الحكومة لسحب مشروع القانون، وواصلت متابعته من خلال مشاركتها في لجنة العمل وفي جلسات الحوار الوطني التي عُقدت حوله.

وبيّنت للجزيرة نت أن أسباب الرفض، التي عرضتها الكتلة سابقا، تستند إلى اعتبار الظرف الحالي غير مناسب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، داعية إلى تأجيل النظر في المشروع إلى حين صدور الدراسة الاكتوارية (تحليل مالي إحصائي دقيق) المرتقبة في غضون 6 أشهر، مع توسيع دائرة الحوار والاستمرار فيه.

مصدر الصورة الحكومة الأردنية اعتبرت أن التعديلات خطوة ضرورية (الجزيرة)

رؤية الحكومة

أما الحكومة، فتدافع عن التعديلات وتعتبرها "خطوة ضرورية". وأعلن رئيس الوزراء جعفر حسان عن إدخال تعديلات "جوهرية"، أبرزها تأجيل رفع سن التقاعد إلى عام 2030 بشكل تدريجي وصولا إلى التطبيق الكامل في 2040. كما أكد أن أثر التعديلات لن يظهر قبل سنوات طويلة، "في محاولة لطمأنة الشارع".

لكن الأرقام تظل حاضرة في قلب النقاش، فموجودات صندوق استثمار أموال الضمان بلغت نحو 18.6 مليار دينار (1 دينار أردني= 1.41 دولارا) حتى نهاية 2025، مع ارتفاع ملحوظ في العوائد. ورغم ذلك تشير دراسات اكتوارية إلى تحديات مستقبلية في قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الإشكالية لا تكمن فقط في تعديل الشروط، بل في طبيعة النظام نفسه، الذي لا يزال -وفقا له- يعتمد على نماذج تقليدية في سوق عمل تشهد تحولات عميقة بفعل التكنولوجيا. ويطرح فكرة نموذج تمويلي ثلاثي، يشمل مساهمة حكومية مباشرة والاشتراكات والعوائد الاستثمارية، لضمان استدامة حقيقية.

وقال للجزيرة نت إن التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي تعكس محاولة لتحقيق الاستدامة المالية، لكنها لا تعالج جوهر المشكلة المرتبطة بتغير طبيعة سوق العمل، مشيرا إلى أن الاعتماد على الاشتراكات والعوائد الاستثمارية فقط قد لا يكون كافيا مستقبلا، مما يستدعي البحث عن نموذج تمويلي أوسع يضمن استمرارية النظام وقدرته على خدمة الأجيال القادمة.

كما يرى خبير التأمينات والحماية الاجتماعية موسى الصبيحي، في حديث للجزيرة نت، أن مؤشرات الدراسة الاكتوارية الأخيرة لم تكن مفاجئة، بل هي نتيجة طبيعية لسياسات دفعت باتجاه اقتراب نقطة التعادل بين الإيرادات التأمينية والنفقات، مؤكدا أن الوضع المالي لمؤسسة الضمان لا يزال مستقرا لكنه يستدعي إصلاحات جوهرية تتجاوز مجرد تعديل القانون، لتشمل السياسات والإجراءات الكفيلة بالحفاظ على ديمومة النظام وتعزيز الحماية والعدالة الاجتماعية.

إعلان

ويكمن الخلل الأساسي- حسب الصبيحي- في النمو المتسارع لأعداد المتقاعدين مقارنة بالمشتركين، مما أدى إلى تراجع معدل الإعالة التأمينية إلى مستويات غير مقبولة، محذرا من أن استمرار هذا الاتجاه، إلى جانب التوسع في التقاعد المبكر والإنفاقات السابقة، قد يؤدي إلى تآكل الفوائض التأمينية في السنوات المقبلة، مما يفرض الحاجة إلى معالجة عاجلة وشاملة للنظام بأكمله.

موقف مؤسسة الضمان

وفي الأيام الأخيرة، ومع انتشار التفاصيل الأولية للتعديلات، بدأ كثير من الأردنيين يتخذون قرارات سريعة بدافع القلق، كان أبرزها التوجه لسحب أرصدتهم الادخارية من الضمان، في ظل شعور متزايد بعدم جدوى الاستمرار في الاشتراك وفق الصيغة المقترحة.

لكن في المقابل، تحاول المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي تهدئة هذه المخاوف. إذ أكد مصدر رسمي، رفض الكشف عن هويته، فيها للجزيرة نت أن الحوار حول التعديلات لا يزال مفتوحا ومستمرا في مختلف مراحله الدستورية، سواء في الوقت الحالي أو بعد إحالة المشروع إلى مجلس الأمة، مشددا على أن مشروع القانون ليس بصيغته النهائية بعد ولا يزال في عهدة الحكومة وديوان التشريع والرأي، مع استعداد المؤسسة لإعادة دراسته بناء على أي توجيهات رسمية.

وأضاف المصدر نفسه أن المؤسسة تتابع يوميا ملاحظات المواطنين وتفاعلهم مع المشروع وتعمل على تضمينها في تقارير تُرفع للإدارة العليا، إلى جانب إطلاق استبيانات عامة للحصول على آراء مختلف الفئات. كما أكد أنها درست أكثر من 53 سيناريوها مختلفا للوصول إلى أفضل صيغة ممكنة، مع الإبقاء على أبواب الحوار مفتوحة أمام الجميع.

وعلى صعيد الوضع المالي، أكدت المؤسسة أن أوضاعها لا تزال "آمنة ومستقرة"، وأن التعديلات المقترحة تأتي في إطار تخطيط إستراتيجي طويل الأمد يمتد لما بعد 25 عاما، بهدف ضمان استدامة أموال المشتركين وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.

وفي ما يتعلق بظاهرة سحب الاشتراكات، أوضح المصدر ذاته أن القانون لا يجيز ذلك دون مبرر قانوني واضح حفاظا على الهدف التأميني للنظام، إذ تقتصر هذه الحالات على ظروف محددة، مثل العجز الكامل أو مغادرة المشترك الأجنبي البلاد نهائيا، إضافة إلى حالات أخرى نص عليها القانون بشكل صريح.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا