آخر الأخبار

100 غارة على لبنان.. الجزيرة نت ترصد مآسي الضحايا من تحت الركام

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بيروت- لم يكن صباح لبنان عاديا، في مجمَّع الزهراء في صيدا، حيث احتمى نازحون هربا من القصف الإسرائيلي، انقلبت لحظة سكون إلى فاجعة مكتملة الأركان. المكان الذي ضج قبل ساعات بأصوات العائلات الهاربة من الموت، تحوَّل فجأة إلى مساحة صامتة تتناثر فيها الحكايات المبتورة.

لم يبقَ من الحياة سوى آثارها، بطانيات على الأرض، وحقائب مفتوحة، وأوراق ثبوتية، وأشياء صغيرة نجت من الدمار لتحكي ما لم يعد ممكنا قوله.

بين الأنقاض يقف حيدر شعيب، لا يبحث عن شيء محدَّد، بل عن أي أثر يُبقي أبناءه قريبين منه، ولو بذكرى. يحرك الركام بيدين مرتجفتين، كأنه يحاول إعادة ترتيب اللحظة التي سبقت الغارة. فقد اثنين من أبنائه، رحمي وريان، اللذين نزحا من بلدة كفرصير إلى صيدا ظنا أن النزوح سيمنحهما فرصة للنجاة، لكن ما حدث بدد هذا الاعتقاد، وترك الأب في مواجهة فقد لا يمكن تفسيره.

مصدر الصورة فرق الدفاع المدني تواصل عمليات رفع الأنقاض (الجزيرة)

توقف الزمن

بصوت خافت يستعيد حيدر تفاصيل اللحظة، كانا داخل المجمَّع يؤديان الصلاة، لم يكن هناك إنذار ولا مؤشرات على ما سيحدث. ضربة واحدة، كما قال للجزيرة نت، أنهت كل شيء. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الزمن يتحرك بالنسبة له كما كان، يكتفي بترديد أنه راضٍ عنهما، وأنهما "مستشهدان"، كأن الكلمات تحاول أن تحتوي ما لا يُحتوى.

لم يجد من بين الركام سوى جواز سفر ابنته وورقة نقدية كانت بداخله. أشياء قليلة لكنها تحولت إلى ذاكرة كاملة. في غياب الجثامين أحيانا، تصبح التفاصيل الصغيرة بديلا عن الوداع، ودليلا أخيرا على أن من رحلوا كانوا يوما هنا.

على مسافة قريبة تتقاطع حكاية أخرى، سماح علوشي التي صمدت طويلا في جنوب لبنان منذ اندلاع الحرب ورفضت مغادرة منزلها رغم القصف المتكرر، كانت ترى في البقاء نوعا من التمسك بالحياة، إلى أن دفعتها التطورات الأخيرة إلى اتخاذ قرار النزوح. كتبت على صفحتها في فيسبوك أنها غادرت "مؤقتا" وستعود قريبا، كما لو أنها تطمئن نفسها قبل الآخرين.

وصلت إلى صيدا، تجولت في شوارعها، وقبل ساعات من مقتلها اشترت كتبا للأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، وجلست تقرأ القرآن في "روضة السيدة فاطمة الزهراء"، حاولت أن تستعيد شيئا من الطمأنينة التي فقدتها، وأن تؤجل الخوف إلى وقت لاحق. لكن الغارة لم تمهلها، ففي اليوم نفسه الذي وصلت فيه، كانت النهاية.

إعلان

لم تكمل سماح عودتها التي خططت لها، ولم تُتَح لها فرصة تحويل النزوح إلى محطة عابرة. قصتها -كغيرها- تكشف هشاشة المسافة بين النجاة والموت، حين يصبح الانتقال ذاته مخاطرة والبقاء احتمالا مفتوحا على الخطر.

مصدر الصورة سلسلة من الغارات الإسرائيلية استهدفت مناطق متفرقة في لبنان (الجزيرة)

أمان قصير

في مجمَّع الزهراء، تتشابه النهايات رغم اختلاف البدايات، نزوح لم يحمِ أصحابه، وهدنة لم تصل، وأمان تبيَّن أنه أقصر من التعويل عليه. هنا، لا تُقاس الخسارة بالأرقام، بل بآباء يبحثون في الركام، وبفتيات كتبن سطور العودة قبل أن تُمحى أسماؤهن من الحياة.

خارج صيدا، يمتد المشهد نفسه من العاصمة بيروت إلى البقاع، تتواصل الغارات بوتيرة غير مسبوقة، إذ تجاوز عددها 100 خلال دقائق، مستهدفة مناطق سكنية ومنشآت مدنية من دون إنذارات سابقة.

في أحياء مكتظة، تحولت المباني إلى كتل من الركام، في حين تعمل الآليات الثقيلة بلا توقف، في سباق مع الوقت لرفع الأنقاض وانتشال الضحايا.

مصدر الصورة آثار الدمار في كورنيش المزرعة في بيروت (الجزيرة)

في منطقة كورنيش المزرعة في بيروت، طالت إحدى الغارات مستودعا للحديد، لكنَّ أضرارها امتدت إلى المباني المحيطة. الحي الذي اعتاد حركة دائمة، بدا فجأة مثقلا بالصمت والغبار. يصف أبو علي -وهو من سكان المنطقة- اللحظة بأنها سلسلة من الضربات المتلاحقة، صواريخ تتساقط تباعا، وأرض تهتز تحت الأقدام، في حين يركض الناس بلا اتجاه واضح، مدفوعين بغريزة النجاة.

في أحياء أخرى، من مار إلياس إلى البسطة التحتا، مرورا بعين المريسة ومصيطبة والشويفات وعرمون وبشامون، يتكرر المشهد ذاته، دمار واسع، وحرائق، وسكان يحاولون العودة إلى منازلهم لانتشال ما يمكن إنقاذه من مقتنياتهم. بعضهم يدخل بيوتا متصدعة مدفوعا برغبة الاحتفاظ بما تبقى من ذاكرة، حتى لو كان ذلك محفوفا بالخطر.

مصدر الصورة أكبر موجة غارات إسرائيلية على العاصمة بيروت منذ سنوات (الجزيرة)

تصعيد غير مسبوق

داخل المستشفيات يتكدس الجرحى، في حين تتصاعد نداءات التبرع بالدم. الفرق الطبية تعمل تحت ضغط هائل، مع تدفق مستمر للمصابين خلال ساعات قليلة. صفارات الإسعاف لا تهدأ، وقد تحولت إلى الصوت الأكثر حضورا في المدينة، في مشهد يعكس حجم الكارثة وتداعياتها المتسارعة.

هذا التصعيد غير المسبوق، الذي طال العاصمة ومناطق واسعة من البلاد، يفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة بشأن ما هو آتٍ. في الشوارع، لا ينتظر الناس إجابات سياسية بقدر ما يبحثون عن لحظة أمان، أو خبر يطمئنهم أن ما عاشوه لن يتكرر في اليوم التالي.

مصدر الصورة الغارات الإسرائيلية خلَّفت دمارا هائلا ومئات الضحايا (الجزيرة)

لكنْ في بلد تحولت مدنه إلى محطات نزوح مفتوحة، يبدو أن الانتظار نفسه صار عبئا إضافيا. بين من فقدوا أبناءهم، ومن يفرون بحثا عن ملاذ، تتشكل صورة واحدة: حياة معلَّقة بين ضربة وأخرى، ونجاة مؤقتة لا تلبث أن تُختبر من جديد.

حتى الآن، لا تزال الحصيلة غير نهائية، مع تسجيل عشرات الشهداء ومئات الجرحى خلال ساعات من الغارات، وفق وزارة الصحة اللبنانية. لكنَّ الأرقام مهما ارتفعت تبقى عاجزة عن نقل ما يختزنه الركام من حكايات، وما تتركه الفاجعة من فراغ لا يُملأ، في بلد باتت فيه النجاة حدثا مؤقتا لا وعدا دائما بالحياة.

الفرق الطبية تعمل تحت ضغط هائل مع تدفق مستمر للمصابين خلال ساعات قليلة (الجزيرة)

الغارات الإسرائيلية فاجأت اللبنانيين الذين كانوا يتوقعون هدنة (الجزيرة)

تزايدت نداءات التبرع بالدم مع ارتفاع أعداد المصابين (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا