آخر الأخبار

سردية النصر.. كيف تناول الإعلام الإيراني أنباء الهدنة؟

شارك

طهران- إثر إعلان واشنطن و طهران، فجر اليوم الأربعاء، التوصل إلى اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، اختلفت زوايا التناول ودرجات التركيز في الصحافة الفارسية، بين خطاب يؤكد "ثبات الموقف وتحقيق الأهداف" وينظر إلى الهدنة على أنها "نتيجة لقوة الردع"، وآخر يتعامل مع التطور باعتباره "فخا يستدعي الحيطة والحذر" انطلاقا من الفرصة التي يوفرها للعدو من أجل "التقاط الأنفاس".

وبينما غاب موضوع اتفاق الهدنة عن افتتاحيات غالبية الصحافة الورقية الصادرة صباح هذا اليوم في طهران، لكون الإعلان الرسمي جاء في حدود الساعة الثالثة فجرا عقب سويعات من طباعة الصحف وتوزيعها، سارعت القنوات الرسمية إلى ترويج سردية النصر من خلال استضافة خبراء ونواب برلمانيين لتعداد "أبعاد الهزيمة التي لحقت ب التحالف الأميركي الإسرائيلي وما حققه الصمود الإيراني على مدى 40 يوما".

مصدر الصورة أعلام إيرانية وشعارات "لا ملك" المناهضة للرئيس دونالد ترمب فوق أنقاض جامعة شريف بطهران (غيتي)

"إخفاقات العدو"

من ناحيته، ركز النائب البارز في لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية علاء الدين بروجردي، على إخفاق الجانبين الأميركي والإسرائيلي في تحقيق أهدافهما من الحرب، موضحا أنهما وضعا تجزئة إيران، وتغيير نظامها السياسي والقضاء على قدراتها العسكرية والنووية على سلّم أولويات الحرب.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 صحيفة صينية: لهذا استخدمت بكين الفيتو بشأن مضيق هرمز
* list 2 of 2 تجميد مؤقت وصراع لم يحسم.. اتفاق هدنة حرب إيران كما تراه الصحف الغربية end of list

كما أنهما راهنا على أن الشعب الإيراني سينقلب على النظام "لكنهما فشلا في تحقيق كل هذه الأهداف بل جاءت النتائج عكسية تماما".

وفي حوار مع قناة "خبر" الناطقة بالفارسية، قال بروجردي إن هذه الإفصاحات العلنية عن نيات التقسيم والإطاحة التي نادرا ما يجرؤ الخصوم على البوح بها، تثبت أن الحرب كانت إستراتيجية وجودية ضد الدولة الإيرانية، وليس مجرد ردع أو تقويض، وأن فشلها المدوي يمثل هزيمة لمخططات كانت تطمح إلى إعادة رسم خرائط المنطقة.

إعلان

ويشير إلى ما يصفه بأنه "مفارقة كبرى"؛ حيث إن الولايات المتحدة التي تتباهى بقوتها، وتعتبر حاملات طائراتها رمزا لهيمنتها العسكرية، وجدت نفسها مضطرة لإبعادها من المنطقة إذ أضحت غير قادرة على تنفيذ عمليات قتالية بما يمثل تحولا في ميزان القوى.

واعتبر نتائج العملية الأمريكية في جنوب أصفهان فشلا ذريعا لا يقل أهمية عن عملية "مخلب النسر" في صحراء طبس الإيرانية عقب ثورة 1979، مشددا على أن "الطغاة يأتون بقوتهم الجوية الباهرة، فيُبادون بطريقة غير تقليدية"، لكن الفارق اليوم أن إيران لم تعد متفرجة على المعجزة، بل صانعة لها بأنظمة دفاعاتها الجوية وقدراتها الصاروخية.

وختم بروجردي بالقول إن الرئيس الأميركي قدم مبادرة من 15 نقطة لإنهاء الحرب، لكن إيران "لم تردّ عليها أصلا ووضعتها جانبا"، وفي المقابل، أعلنت طهران شروطها العشرة لوقف إطلاق النار، ورفضت مناقشة أي إطار آخر.

وأضاف أن هذا التجاهل المتعمد للخطة الأمريكية، والإصرار على الشروط الإيرانية، يعكس التحول الكامل في موازين التفاوض، وأن الحرب التي فرضت على إيران انتهت بفوزها، والخاسر الحقيقي هو من خسر أهدافه أولا، ثم خسر كرامته التفاوضية ثانيا.

معادلات القوة

أما الرواية الإيرانية الرسمية عن الحرب، فبدت حريصة على الترويج بأن تفوقها العسكري والإستراتيجي لم يكن وليد اللحظة، بل كان واضحا منذ الأسابيع الأولى من الحرب، فالميدان -وفق الباحث السياسي محمد قادري- حسم أمره باكرا لصالح الجمهورية الإسلامية، وأن ما تلا ذلك كان مجرد إدارة لتفوق ميداني تحول إلى أوراق ضغط سياسي.

وفي برنامج حواري على التلفزيون الرسمي، قال الباحث الإيراني إن واشنطن سعت حثيثا لوقف إطلاق النار بعد إدراكها أن معادلات القوة لا تصب في مصلحتها، على حد قوله.

وأضاف أن الجانبين الأميركي والإسرائيلي دخلا الحرب وهما يتصوران أنها "ضربة محدودة منخفضة التكلفة"، فخرجا منها مثقلين بفواتير إستراتيجية وبشرية واقتصادية فادحة حولت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى "موضع سخرية" داخل أمريكا وخارجها.

في إحصائية لافتة، يشير المحلل الإيراني إلى تقارير القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الإيرانية التي أكدت تدمير 95% من الأصول والممتلكات الأمريكية في المنطقة، بما يشمل القواعد العسكرية، وأنظمة الرصد والتتبع، والطائرات الحربية، والمسيّرات، والذخائر الهجومية.

وأضاف قادري أن شركات اقتصادية كبرى، تملكها الحكومة الأمريكية أو كبار المستثمرين الأمريكيين، تعرضت لضربات موجعة، لتنضم هذه الخسائر إلى ما وصفه بـ"الخراب الذي حلّ بالكيان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة".

ويخلص قادري إلى أن المفارقة الكبرى تكمن في أن واشنطن أنفقت مليارات الدولارات لكي تنتهي إلى قبول وقف إطلاق النار مقابل "فتح محدود ل مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية" وهو الذي كان مفتوحا أصلا قبل الحرب، معتبرا أن هذا المشهد "انتصار إيراني كامل" تُوّج بإفشال مخطط الحرب الخاطفة، وإجبار الخصم على القبول بشروط طهران.

مصدر الصورة إيرانيون يتجمعون في طهران بعد إعلان وقف إطلاق النار مدة أسبوعين (رويترز)

"فخ التفاوض"

في المقابل، هناك من لا يرى في وقف إطلاق النار حلا، بل "هدية متعددة الجوانب للعدو".

إعلان

وفي قراءة تحليلية صادمة للخطاب السائد، تعتبر شريحة من الإيرانيين الحديث عن الهدنة في المرحلة الراهنة "مجرد سذاجة سياسية" انطلاقا من أن المفاوضات والتهدئة تمنح الخصم فرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفه، قبل أن يعاود الهجوم مرة ثانية.

في هذا السياق، ترفض صحيفة "كيهان" المحافظة أي هدنة لا تأتي من موقع إملاء الشروط، وتعتبر أي تجميد للقتال قبل تفكيك قدرات الخصم خطأ إستراتيجيا قاتلا، موضحة أن السبيل الصحيح لا يمكن أن يكون إلا "ضغطا مستمرا، وضربات موجهة واستمرار المقاومة"، حتى يُستنزف العدو كليا.

وتحت عنوان "بدلا من الهدنة، اخنقوا هذا الكلب المسعور"، وصفت الصحيفة في افتتاحيتها أن العدو جريح لكنه خطير في الوقت ذاته ولا يعرف خطوطا حمراء، ولا يحترم المواثيق، بل اعتاد ضرب المدارس والمستشفيات والبنى الحيوية ومعيشة البشر ضمن سلوكه الطبيعي، وأن الحديث عن وقف إطلاق النار سيمنحه جرعة إضافية من الجرأة لمواصلة الإجرام.

ويستنتج التحليل نتيجة قاسية لكنها منطقية لدى هذه المدرسة الفكرية، مؤكدا أن التوقف الحقيقي للحرب لن يأتي أبدا من باب "التوسل" أو "الوساطات الشكلية"، بل لا بد أن "يُفرض من موقع القوة"، وهذا يعني أن المعركة لن تنتهي بإعلان دبلوماسي، بل باستنزاف مطلق للعدو حتى يفقد أي قدرة على العودة للهجوم.

ترفض صحيفة "كيهان" المحافظة أي هدنة لا تأتي من موقع إملاء الشروط، وتعتبر أي تجميد للقتال قبل تفكيك قدرات الخصم خطأ إستراتيجيا قاتلا

طريق طويل

وبينما يقرأ هذا الخطاب الهدنة على أنها مجرد "فخ" لاستدراج إيران إلى مناطق رملية تفاوضية، يطمئن الأكاديمي بيجن عبد الكريمي، بالقول إن طهران خرجت منتصرة من ساحة الحرب، إذ لا تزال السيادة والاستقلال وسلامة الأراضي صامدة، وإن "الأيدي القوية للقوات الدفاعية لا بد أن تظل على الزناد"، لأن الطريق طويل من طاولة المفاوضات إلى تحقيق المطالب على الأرض.

وفي مقال تحت عنوان "نصر أم وقوع في فخ التفاوض؟" نشره في قناته علی منصة التليغرام، يرى الأكاديمي أن الخطر الحقيقي لا يأتي فقط من العدو الخارجي، بل من "الإفراط والتفريط" داخل الصف الوطني، ويدعو جميع القوى الأصيلة إلى دعم قرارات الحرس الثوري والجيش والمجلس الأعلى للأمن القومي بكل قوة، والابتعاد عن "إظهار الضعف أو المطالب غير المنطقية".

وبينما يشكك في نيات واشنطن وتل أبيب، يصف إستراتيجيتهما بأنها "اللعب بعنصر الوقت" وتأخير تنفيذ المطالب، مشددا علی ضرورة يقظة الجهات المعنية و"جميع القوات الدفاعية" في بلاده، وعدم رفع الأيدي عن السلاح، فالتفاوض المطول هو جزء من حرب نفسية لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا