في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الوقت الذي تتباهى فيه الجامعات البريطانية بتصنيفاتها العالمية، يختبئ خلف الأبواب العاجية واقع مظلم لآلاف الطلاب الدوليين الذين تحولوا، بعلم أو دون علم، إلى "شريان حياة مالي" لمؤسسات تعليمية تواجه شبح الإفلاس.
وأماط تحقيق استقصائي نشرته صحيفة غارديان اللثام عن الوجه الخفي لصناعة استقطاب الطلاب الدوليين إلى المملكة المتحدة، كاشفا الدور المحوري لوكلاء التعليم، والتحديات الاقتصادية التي تدفع الجامعات للاعتماد عليهم، والنتائج القاسية التي يواجهها أولئك الطلاب.
تبدأ القصة -كما ترويها الصحفية الاستقصائية سميرة شاكل في التحقيق الذي أجرته- مع الشاب الهندي "سام" البالغ من العمر 24 عاما، الذي كان يعمل في وظيفة متواضعة ويطمح إلى تحسين مستقبله عبر دراسة الماجستير في بريطانيا.
وما إن انتهى من ملء بعض الاستمارات على مواقع الدراسة في الخارج حتى انهالت عليه الاتصالات من أرقام مجهولة، جميعها لوكلاء تعليم يعرضون خدماتهم مجانا.
يقول سام معلقا على تلك اللحظة: "كنت متشككا، وقلت في نفسي: لماذا يقدمون كل هذه الخدمات دون مقابل؟"، قبل أن يكتشف لاحقا أن الجامعات هي من تدفع عمولات هؤلاء الوكلاء مقابل كل طالب يتم تسجيله.
وتقول سميرة في تحقيقها إن نحو 400 ألف طالب أجنبي يمنحون سنويا تأشيرات دخول إلى بريطانيا للدراسة، مشيرة إلى استقطاب الطلاب الأجانب بهذه الطريقة أصبحت ركيزة أساسية في نظام التعليم العالي البريطاني.
وتوضح أن الجامعات أنفقت نحو 500 مليون جنيه إسترليني (حوالي 663 مليون دولار أمريكي) على وكلاء التعليم في عام 2023، في ظل غياب رقابة فعالة على طريقة عملهم. ويعني ذلك أن جزءا كبيرا من عملية قبول الطلاب يتم عبر وسطاء ودافعهم في ذلك المال.
هذا الرقم الضخم يعكس حجم "السباق المحموم" لجذب الطلاب الدوليين، الذين يمثلون الآن ربع إجمالي دخل الجامعات في بريطانيا، وفقا لسميرة شاكل التي تعمل صحفية مستقلة ومؤلفة ومحررة متخصصة في التحقيقات السردية الطويلة، وتقيم في لندن.
الرقم الضخم يعكس حجم "السباق المحموم" لجذب الطلاب الدوليين الذين يمثلون الآن ربع إجمالي دخل الجامعات في بريطانيا
من أكثر الأجزاء إثارة في التحقيق هي شهادة بريا كابور (اسم مستعار)، التي عملت في وكالة استشارات تعليمية كبرى في الهند.
تصف كابور عملها بأنه كان جزءا من "خط إنتاج" يكون فيه الطلاب هم المنتَج النهائي، حيث يتحولون إلى سلع معلبة وجاهزة للبيع للجامعات البريطانية.
وتوضح أن اختيار الجامعات التي يُنصح الطلاب بالتحاقها لا يعتمد دائما على الجودة الأكاديمية، بل على حجم العمولة التي تدفعها المؤسسة. وتقول: "أي كلية تدفع أكثر، تحصل على عدد أكبر من الطلاب".
كانت وظيفة كابور هي "محررة خطاب الغرض من الدراسة"، وهي وثيقة أساسية للقبول. لكن دورها لم يكن تحرير الخطابات، بل "اختلاق" روايات من وحي الخيال.
تقول كابور للصحيفة: "كنت أجري مقابلات مع الطلاب، ثم أكتب قصصا خيالية نيابة عنهم لأجعلهم يبدون مرشحين مثاليين.
اختيار الجامعات التي يُنصح الطلاب بالتحاقها لا يعتمد دائما على الجودة الأكاديمية بل على حجم العمولة التي تدفعها المؤسسة
وتضيف "لم يكن لدى هؤلاء الطلاب أي فكرة عن تعقيدات التأشيرات أو فرص العمل، وكان الوكلاء يتجنبون إخبارهم بالحقيقة لضمان إتمام المعاملة والحصول على العمولة".
وتصف كابور تجربتها الشخصية بمرارة قائلة: "كنت أستيقظ لأكذب، وأنام وأنا أكذب.. كنت أعلم يقينا أنه من بين كل 100 طلب أعمل عليه، هناك 98 طالبا لن يحققوا شيئا في حياتهم، وسيواجهون فشلا ذريعا في بريطانيا لأن لغتهم وقدراتهم لا تؤهلهم لما يطمحون إليه. لكن الإدارة كانت تطالبنا بتحقيق الأرقام المستهدفة فقط".
وحسب الصحيفة، كانت طلبات الالتحاق تُنجز أحيانا في غضون 15 دقيقة فقط، خاصة ما يتعلق منها بالجامعات الأقل تصنيفا. وتقول: "بعض هذه الجامعات لم تكن الأفضل، لكن لم يكن أحد يهتم، لأننا كنا نعلم أنهم سيُقبلون".
هذا التساهل في القبول، إلى جانب ضعف إلمام الطلاب بمتطلبات الدراسة أو العمل، يخلق فجوة كبيرة بين التوقعات والواقع.
ويضع التحقيق هذه الممارسات في سياق أوسع، يتمثل في الأزمة المالية التي تواجه الجامعات البريطانية.
فمنذ عام 2012، ومع خفض التمويل الحكومي وفرض سقف على الرسوم الدراسية للطلاب المحليين، أصبحت الجامعات تعتمد بشكل متزايد على الطلاب الدوليين، الذين يدفعون رسوما أعلى بكثير، قد تصل إلى 3 أضعاف ما يدفعه نظراؤهم البريطانيون.
ويمثل هؤلاء الطلاب الآن نحو ربع دخل الجامعات، ما يجعل استقطابهم ضرورة مالية، وليس مجرد خيار. لكن هذا الاعتماد يخلق تناقضا، إذ تسعى الحكومات المتعاقبة في الوقت نفسه إلى تقليل الهجرة، ما يؤدي إلى سياسات متضاربة تؤثر بشكل مباشر على الطلاب.
وتنقل غارديان عن براين بيل، الرئيس السابق للجنة الاستشارية للهجرة، القول: "إنها سياسات غير مترابطة تماما"، مضيفا أن الحل الحقيقي يكمن في زيادة تمويل التعليم محليا، وهو خيار غير مرغوب فيه سياسيا.
على مستوى التجربة الفردية، يواجه الطلاب صدمات متعددة عند وصولهم إلى بريطانيا. فالصورة الذهنية عن بلد غني مليء بالفرص تصطدم بواقع أزمة سكن خانقة وسوق عمل شديد التنافس
على مستوى التجربة الفردية، يواجه الطلاب صدمات متعددة عند وصولهم إلى بريطانيا. فالصورة الذهنية عن بلد غني مليء بالفرص تصطدم بواقع أزمة سكن خانقة وسوق عمل شديد التنافس.
ويستعرض التحقيق الاستقصائي حالة الطالب أجيث الذي اقترض مالا بضمان بعد أن باع الأرض الزراعية التي تملكها عائلته في ولاية تاميل نادو بالهند ، للسفر إلى أكسفورد للدراسة، ليكتشف أن الوعود التي تلقاها من وكيله لم تكن صحيحة.
يقول أجيث: "أخبروني أن العثور على عمل وسكن سهل"، لكن الواقع كان مختلفا تماما. فقد اضطر للتنقل بين مساكن مؤقتة، قبل أن يجد وظيفة بدوام جزئي في متجر، حيث كان راتبه بالكاد يغطي الإيجار. ويضيف: "كنت أعمل فقط لأدفع الإيجار… كنت أعمل من أجل البقاء على قيد الحياة".
وتتكرر هذه التجربة مع كثير من الطلاب الذين يعملون في وظائف منخفضة الأجر، أحيانا في ظروف صعبة، لتغطية تكاليف المعيشة المرتفعة. وتشير البيانات إلى أن أكثر من ثلثي الطلاب في بريطانيا يعملون أثناء الدراسة، لكن الضغط يكون أكبر على الطلاب الدوليين.
كما يواجه هؤلاء تحديات إضافية في سوق العمل بعد التخرج، حيث يتعين عليهم العثور على وظائف برعاية تأشيرة، وبحد أدنى للراتب يصل إلى 41700 جنيه إسترليني (ما يعادل أكثر من 55300 دولار أمريكي)، وهو رقم يتجاوز بكثير متوسط رواتب الخريجين.
ونتيجة لذلك، يجد كثير منهم أنفسهم مضطرين للعودة إلى بلدانهم دون تحقيق الأهداف التي سافروا من أجلها.
وتنقل سميرة شاكل عن خريجة قولها: "90% من دفعتي اضطروا للعودة لأنه لا توجد وظائف"، في شهادة تعكس حجم الأزمة. كما تشير الصحيفة في تحقيقها إلى أن بعض الطلاب يقبلون وظائف منخفضة المهارة، مثل العمل في المخازن أو المصانع، في محاولة للبقاء.
ويذهب بعض العاملين في القطاع إلى وصف الوضع بعبارات حادة، إذ يقول أحدهم: "أراه نوعا من الاتجار بالطلاب"، في إشارة إلى استغلال طموحاتهم عبر وعود غير واقعية. ويعزز هذا الرأي انتشار وكلاء فرعيين غير مؤهلين، يعملون ضمن شبكات واسعة دون رقابة فعالة.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت هذه الصناعة تخضع لتدقيق أكبر. ففي عام 2024، حذّرت لجنة استشارية حكومية من أن "وكلاء التوظيف المخادعين يشكلون تهديدا لنزاهة نظام الهجرة".
وفي عام 2025، اتخذت الحكومة البريطانية إجراءات لتنظيم عملهم، من خلال إلزامهم بالإفصاح عن تضارب المصالح وتجنب الادعاءات المضللة.
لكن خبراء يشككون في فعالية هذه الإجراءات، نظرا لطبيعة القطاع المعقدة، التي تعتمد على طبقات متعددة من الوسطاء ونظام عمولات يشجع على تضخيم الأعداد. ويرى البعض أن المسؤولية لا تقع على الوكلاء فقط، بل تشمل الجامعات نفسها، التي تستفيد من هذا النظام.
وتقول سميرة شاكل إن السؤال الحقيقي يجب أن يكون: ما الأخلاقيات التي تحكم طريقة استقطاب الطلاب؟ وليس فقط سلوك الوكلاء. فالمشكلة، في جوهرها، ترتبط بنموذج تمويلي كامل يعتمد على تدفق مستمر من الطلاب الدوليين.
في نهاية المطاف، تعود القصة إلى الطالب سام، الذي أنهى دراسته وعاد إلى الهند مثقلا بالديون، بعد أن فشل في العثور على وظيفة مناسبة في بريطانيا. ورغم محاولته التكيف مع الواقع، يعترف قائلا: "كنت أعيش في وهم أن العثور على عمل سيكون سهلا".
اليوم، يعمل سام في تدريب غير مدفوع الأجر، بينما تستمر عائلته في سداد ديونه، التي قد تستغرق سنوات طويلة. ويختتم تجربته بنبرة واقعية: "لا يوجد صواب أو خطأ… لكن لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لما فعلت ما فعلت".
وتخلص الصحفية الاستقصائية، في تحقيقها، إلى أن تجربة الطلاب الدوليين في بريطانيا لم تعد مجرد رحلة تعليمية، بل أصبحت، بالنسبة لكثيرين، اختبارا قاسيا بين الطموح والواقع، في نظام تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع السياسات المتناقضة، على حساب أحلام الأفراد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة