تتصاعد تداعيات إسقاط مقاتلة أميركية داخل الأراضي الإيرانية لتتحول من حادثة عسكرية ميدانية إلى عامل قد يحدد اتجاه الحرب. فمصير أحد الطيارين، الذي لا يزال مفقودا حتى الآن، يبرز كعنصر حاسم قد يدفع نحو التصعيد أو يفتح باب التهدئة.
في هذا السياق، نشرت صحيفة "التلغراف" البريطانية مقالا تحليليا تناول السيناريوهات المحتملة المرتبطة بمصير الطيار، وانعكاساتها على القرارات العسكرية والسياسية في واشنطن.
يشير المقال إلى أن عملية إنقاذ أحد الطيارين في عمق الأراضي الإيرانية جرت من دون تسجيل خسائر إضافية، ما يشكل مكسبا ميدانيا مهما.
ويضيف أن مشاهد تحليق مروحيات "بلاك هوك" وطائرات "سي-130" إلى جانب طائرات استطلاع مسيرة فوق إيران، من دون اعتراض يذكر، قد تعزز ثقة المخططين العسكريين بإمكانية توسيع العمليات، في وقت يدرس فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خيار تنفيذ غزو بري.
تطرح "التلغراف" احتمال وقوع الطيار الثاني في الأسر، وهو سيناريو قد يعيد إلى الأذهان أزمة الرهائن عام 1979، التي استمرت 444 يوما وأثرت بشكل كبير على الداخل الأميركي.
وفي حال عرضت إيران صورا للطيار، سيواجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطا فورية من الكونغرس والرأي العام وعائلات العسكريين، لوقف العمليات والتفاوض على إطلاق سراحه، ما قد يجعل استمرار الضربات الجوية خيارا صعبا من الناحية السياسية.
بحسب المقال، قد تتجنب طهران الإعلان الفوري عن أسر الطيار، وتستخدمه كورقة ضغط ضمن مفاوضات أوسع تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.
وتشمل المطالب المحتملة فرض سيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز وفرض رسوم على العبور، إلى جانب قيود على العمليات العسكرية الأميركية مستقبلا، وربما تخفيف العقوبات.
ويرى التقرير أن امتلاك إيران لطيار أميركي أسير يمنحها نفوذا تفاوضيا كبيرا، خصوصا في ظل تحركات داخلية لتكريس هذا النفوذ بشكل دائم.
يلفت المقال إلى أن هذا السيناريو قد يوفر مخرجا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ يمكنه تقديم اتفاق يشمل الإفراج عن الطيار على أنه إنجاز يحقق عدة أهداف في آن واحد.
فمن جهة، يستعيد عسكريا أميركيا، ومن جهة أخرى، يمكنه القول إنه أضعف القدرات العسكرية الإيرانية وتوصل إلى تسوية.
ويتم هذا المسار بهدوء نسبي، من دون استعراض إعلامي، مع الاكتفاء بإشارات حول احتجاز الطيار واستعداد طهران للتفاوض.
في المقابل، يحذر المقال من أن مقتل الطيار، سواء خلال الأسر أو نتيجة فشل عملية إنقاذ، قد يقلب المشهد بالكامل ويدفع نحو تصعيد كبير.
وفي حال ثبت تورط القوات الإيرانية في مقتله، أو سقط ضحايا من الجانب الأميركي خلال محاولة الإنقاذ، ستتصاعد الضغوط الداخلية على ترامب للرد بشكل أوسع يتجاوز الضربات الجوية.
وكان ترامب قد أشار إلى إمكانية توجيه ضربات "شديدة للغاية" لإيران خلال أسابيع، تشمل استهداف البنية التحتية الحيوية، غير أن الانتقال إلى عمليات برية يحتاج إلى مبررات إضافية.
توضح "التلغراف" أن إيران تبدو مهيأة نسبيا لمواجهة أي غزو بري، مستفيدة من طبيعتها الجغرافية الصعبة.
فجبال زاغروس، بممراتها الضيقة ومرتفعاتها الشاهقة، تشكل بيئة دفاعية معقدة يمكن أن تعيق تقدم القوات المهاجمة.
كما يبرز العامل البشري، حيث تشير التقارير إلى تقديم مكافآت مقابل استهداف الأميركيين، إلى جانب استجابة مجموعات قبلية تمتلك خبرة واسعة في القتال ومعرفة دقيقة بالتضاريس.
يقارن المقال الوضع بحادثة "بلاك هوك داون" عام 1993 في الصومال، حين تحولت مهمة محدودة إلى معركة طويلة أسفرت عن خسائر كبيرة.
وتستخدم الصحيفة هذه المقارنة للتحذير من أن العمليات العسكرية في بيئات معقدة قد تتطور بشكل غير متوقع.
يخلص المقال إلى أن مسار الحرب لم يعد مرتبطا فقط بالقرارات العسكرية والسياسية، بل بات مرتبطا بشكل مباشر بمصير الطيار المفقود.
فبين سيناريو الأسر أو التفاوض أو القتل، يتحدد الاتجاه المقبل للصراع، سواء نحو التهدئة أو نحو تصعيد أوسع قد يشمل تدخلا بريا.
المصدر:
يورو نيوز