في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- في دير مار بطرس وبولس في بلدة قطين بلبنان، يجلس محمد مؤنس مستندا إلى جدار الحجر البارد، مستعيدا رحلة نزوحه التي لم تترك له لحظة للنسيان.
محمد لجأ إلى الدير بعد تقطعت به السبل بحثا عن مكان آمن. ففي لبنان، لم تعد المساجد والكنائس مجرد أماكن للعبادة، بل تحوّلت إلى ملاذات مفتوحة للنازحين الهاربين من جحيم القصف.، هناك، تختلط أصوات الأذان بأجراس الكنائس، لكن ما يجمع الجميع هو الحاجة والأمان.
فالعائلات التي فقدت بيوتها تجد سقفا يحتضنها، ووجوها غريبة تتحول بسرعة إلى أهل. في هذه المساحات البسيطة، يعاد اكتشاف معنى التضامن والعيش المشترك، حيث تتراجع الفوارق أمام إنسانية واحدة تقاوم قسوة الحرب بما تبقى من تضامن وتعاون.
يتذكر محمد، في حديثه للجزيرة نت، ليلة لم تكن عادية، بكاء الأطفال سبق كل شيء، صوت الانفجارات مزّق الظلام، خرجوا من بيوتهم كما هم، بملابسهم فقط، تاركين خلفهم ذكريات لا تحمل سوى ما علق في القلوب. على الطريق، لم يكونوا وحدهم، بل ثمة وجوه كثيرة تشبههم، وقلق واحد يسكن الجميع.
ويضيف محمد أن الطريق إلى صيدا كانت أكثر من مجرد مسافة، كانت زمنا ثقيلا، ساعات امتدت من فجر ذلك اليوم حتى بعد الظهر، بين انتظار مرهق وخطى بطيئة وسط زحام يشبه الهروب الجماعي، كل خطوة تختزل صمت الخوف، وكل لحظة تضاعف التعب.
وعندما وصلوا أخيرا، لم يشعروا أنهم وصلوا فعليا، لا وجهة واضحة، لا مكان يرحب بهم، فقط تعب عميق وأسئلة بلا إجابات.
ثم فجأة، تغير كل شيء. فُتح باب دون سؤال عن الهوية، دون طلب أي شيء سوى الدخول. كلمات بسيطة، لكنها حملت شعورا نادرا بالأمان: "أنتم في بيت الله" عندها شعر محمد بأن ثقل الطريق بدأ يزول، وكأن قلبه وجد مكانا لا يخاف فيه.
مع مرور الأيام، تبدأ الحياة تدريجيا بإيقاعها البسيط فمائدة واحدة تجمعهم، ووجبات تحضر بأيد متعددة. الطعام مشترك، والقلق، والانتظار، والقصص تتقاسمها الأيدي والقلوب.
أما نبيل لمع، فقد كانت حياته موزعة بين أكثر من مكان، من عتشيت إلى عمله في النبطية، وصولا إلى بيته في كفر رمان، 3 محطات كانت تشكل يومه العادي قبل أن تتحول فجأة إلى مسافات بعيدة لا يمكن الوصول إليها.
فبمحض الصدفة وصلهم رقم الدير، رفعوا السماعة والجواب كان حاسما: "تفضلوا لعنا"، لم يعرفوا ما ينتظرهم، لكن ما وجدوه هناك كان مختلفا عما توقعوه، الاستقبال وحده كاف لسحق أي فكرة مسبقة عن الاختلاف بين الناس.
مر نحو شهر على إقامتهم، يقول نبيل إن ما عاشوه لن ينسى، تركوا خلفهم كل شيء، لكن التضامن خفف وطأة التجربة. أكثر ما بقي عالقا في ذهنه: لم يسألوا يوما من يكونون أو من أين أتوا، مع اختلافهم الديني، عاشوا تفاصيل حياتهم اليومية بشكل طبيعي، وصلوا رمضان، وأكملوا صيامهم وصلواتهم دون إحساس بالغربة أو الحرج. هنا، كما يقول، كانت الإنسانية وحدها تكفي.
وفي جامع سيدنا إبراهيم، عليه السلام، في بلدة القرية – قضاء صيدا، يكتمل مشهد الاحتواء والأمان، تقول أم علي: "الحمد لله نحن مرتاحون، وكل أمور الإقامة مرتبة تماما"، وعن سبب اختيارهم الجامع بدلا من مركز إيواء، أوضحت: "العلاقة مع الشيخ قديمة منذ استشهاد ابني، وقد وقف إلى جانبنا وكرمنا وجلبنا إلى هنا".
في الجامع وفي الدير، التكافل أصبح عادة، والمبادرة الإنسانية تتخطى الدين والطائفة. يحضر الطعام بأيد متعددة، وتقسم الهموم والفرح كما تقسم الصلوات جنبا إلى جنب.
فمنذ اللحظة الأولى للحرب، أدرك الأب بطرس عاقوري، خادم دير مار بطرس وبولس في جزين، أن اللبنانيين بحاجة إلى ملاذ آمن، ففتح أبواب الدير على مصراعيها لكل محتاج، بلا سؤال عن دين أو طائفة.
وفي حديثه للجزيرة نت، يقول الأب بطرس: "النبع الذي يشرب منه الإنسان لا يسأله عن طائفته أو جنسه، يجب أن تبقى الكنائس والجوامع والحسينيات مفتوحة، ليجد كل إنسان مأوى ودفئا، ويدرك أن الإنسانية وحدها تكفي".
في مسجد سيدنا إبراهيم، يستشهد الشيخ صهيب حبلي بكلمات لجلال الدين الرومي، قائلا: "الشريعة التي لا تمنح الإنسان الرحمة ليست شريعة حقيقية"، مشددا على أن كل الشرائع جاءت لتكون مصدر رحمة وهداية للبشر.
وختم الشيخ صهيب حديثه، للجزيرة نت، بالتأكيد على أن أهل الجنوب هم إخوانهم، ليسوا نازحين، بل جزءا من العائلة، وأن واجبهم لا يقتصر على الكلمة الطيبة، بل يمتد إلى المشاركة في الألم وتخفيفه، وفتح الأبواب لكل محتاج، ليُكتب للأفراد الأجر على كل لحظة عطاء ومحبة قدموها في بيت الله.
وبينما تتقاطع الحروب مع تفاصيل الحياة اليومية، تجلت قدرة اللبنانيين على الوقوف جنبا إلى جنب، متجاوزين الانتماءات الدينية والطائفية، ليشكلوا شبكة حية من العطاء والتضامن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة