آخر الأخبار

3 مراسلين ينقلون كيف غيرت الحرب وجه لبنان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بيروت- مشهد الحياة بكل أبعاده الجميلة والهادئة في بلدتها دير قانون النهر بمحافظة صور في الجنوب اللبناني لا يغيب عن بال دارينة زيدان، وبدت وهي تتحدث عن قريتها وكأنها تستعيد جزءا من ذاتها، لا مجرّد مكان.

ومثل غيرها من آلاف اللبنانيين نزحت دارينة عن منزلها، في حال من المعاناة تشابه فيها كثيرون، في التنقل على الطرقات والمبيت بمراكز الإيواء المخصصة -إن وجدت- وحتى بأبسط الاحتياجات التي لم يعتادوا فقدها من قبل.

وبصوت مثقل بالحنين، تقول دارينة للجزيرة نت: "أشتاق كثيرا، لبيتي، ولحياتي، ولغرفتي، ولكلّ شيء كان لي، حتى لعملي". وتواصل قبل أن تتوقّف برهة "ثمّة أشياء لا يمكن أن تعود، ولا يمكن تعويضها".

مصدر الصورة أزمة النزوح مستمرة والحالة الإنسانية للنازحين تتدهور يوما عن آخر (الجزيرة)

الخوف والمجهول

في مكان نزوحها، تبدو الحياة مستقرّة ظاهريا. وتقول "نحن مرتاحون هنا كأنّنا في بيتنا"، لكن هذا الاستقرار لا يخفي حقيقة الفقد. "حياتي وبيتي، كلّ شيء تغيّر"، تكرّرها، كأنّها تحاول استيعاب التحوّل.

وقبل النزوح، كانت حياتها أكثر اتزانا؛ عمل تحبّه وبيت يمنحها الطمأنينة، "كنت سعيدة ومرتاحة"، تستذكر، ثم تعود إلى حاضره، مضيفة "مهما خرجنا، نشعر بالغربة".

ولا يفارقها القلق من أن يطول أمد الحرب، وتتابع الأخبار كمن يبحث عن يقين مفقود، وترصد أحداث اليوم والغد وما بعده، في انتظار مستمر يرهقها نفسيا، تختصره بعبارة واحدة "الإنسان يتعب".

وبين واقع يُوفر الحد الأدنى من الاستقرار، وذاكرة معلّقة على بيت بعيد، تعيش دارينة على إيقاع الفقد، حيث يصبح الحنين وطنا مؤقتا.

ورغم أن الحرب في لبنان كادت أن تدخل شهرها الثاني، فإن الزمن هناك لا يُقاس بالأيام، بل بعدد الخطوات المرتبكة نحو المجهول، وبالبيوت التي أُغلقت على عجل ولم يُعرف متى تُفتح من جديد.

على الطرقات الممتدة من الجنوب إلى بيروت والبقاع، تتكرر المشاهد ذاتها: عائلات تحمل ما خفّ من متاعها وما ثقل من ذاكرتها، وأطفال ينامون على مقاعد السيارات أو في مراكز إيواء مكتظة، حيث يضيق المكان وتتسع الحكايات.

مصدر الصورة رغم استمرار تقديم المساعدات للنازحين فإن النقص ما زال شديدا مع استمرار ارتفاع أعدادهم (الجزيرة)

معطيات رسمية

وفي موازاة هذا المشهد الإنساني، تتوالى الأرقام، فقد أفادت وزارة الصحة العامة، في تقريرها اليومي الصادر عن مركز عمليات طوارئ الصحة، بارتفاع عدد الشهداء منذ الثاني من مارس/آذار الماضي، حتى 31 منه إلى 1268، في حين بلغ عدد الجرحى 3750.

إعلان

أما النزوح، فيتسع بوتيرة متسارعة، إذ أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية، في أحدث تقديراتها (مارس/آذار 2026)، أن عدد النازحين تجاوز المليون شخص، يقيم نحو 130 إلى 140 ألفا منهم في أكثر من 600 مركز إيواء رسمي، بينما ينتشر الباقون خارج هذه المراكز في ظروف إنسانية قاسية.

ويتركز النزوح بشكل أساسي من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت نحو مناطق تُعدّ أكثر أمانا في الداخل، مما يفرض ضغطا متزايدا على المدن والبنى التحتية والخدمات الأساسية. ووفق هذه المعطيات، فإن عدد النازحين يمثّل نحو 13% من سكان لبنان، في مؤشر واضح على اتساع رقعة الأزمة خلال فترة وجيزة.

وفي هذا المشهد، لا تبدو الحرب أرقاما فحسب، بل قصصا يومية تتشظى في تفاصيل صغيرة، ما بين أمّ تبحث عن دواء لطفلها، ورجل يراجع خسائره بصمت، وشباب يحاولون التأقلم مع حياة مؤقتة مفتوحة على كل الاحتمالات.

وبعد شهر، تتبلور ملامح أزمة إنسانية تتعمق يوما بعد يوم، حيث لا يعود النزوح مجرد انتقال جغرافي، بل اقتلاعا قاسيا من إيقاع الحياة ومعناها.

شتاتُ وحنين

ومن الجنوب إلى مدينة صيدا، وداخل صف مدرسي في مركز إيواء، تجلس أم نعيم على مقعد خشبي، تحضُّر طعامها بصمت ثقيل، في حين تستعيد في ذهنها صورة طاولة كانت تجمعها بأبنائها. هنا، لا شيء مكتمل؛ العائلة متفرّقة، والوجوه غائبة.

تصمت أم نعيم بعد أن قلَّبت صفحات الماضي الجميل، وبشيء من الحزن وهي تروي للجزيرة نت: "نحن الآن متفرّقون، فابني في مكان، وابنتي بمكان آخر، ونحن في ثالث مختلف"، ثم تواصل بصوت يفيض بالحنين والشوق "اشتقتُ لكلّ الحنان لأهلي، ولأخواتي، ولكلّ تفاصيل بيتي".

وتحاول استعادة صباحاتها القديمة كمن يمسك بذاكرة تتلاشى، قائلة "كنت أستيقظ وأولادي حولي، وكانوا يملؤون علي الدنيا"، ثم تنخفض نبرتها حدة "اليوم أعمل وأتعب، لكن لا أجد تلك الراحة"، والفراغ هنا لا يُقاس بما فُقد من أشياء، بل بما غاب من وجوه "تعبنا، فعلا تعبنا"، تضيف، قبل أن تستجمع ثباتها "لكن الحمد لله، ما زلنا صامدين حتى نحقق النصر".

وتسرد تجربتها مع الحروب كأنها تعد عمرا آخر "منذ عام 1972 وحتى اليوم، لم نعرف الاستقرار، عشنا الحرب أكثر مما عشنا في بيوتنا"، تبدو كلماتها ليست شكوى بقدر ما هي اعتراف بثقل ما مضى.

ومن صيدا إلى أقصى الجنوب، في حاصبيا، حيث لا تفصل النازحين عن قراهم سوى كيلومترات قليلة، تتحول المسافة إلى حاجز ثقيل، من الشرفات، يراقبون قراهم، الخيام ودبين وبلاط، دون قدرة على الوصول إليها.

ويقول جهاد خريس، وهو من الخيام، إن الحنين إلى البلدة لا يفارقهم، وإن هذا البعد يخلق حالة دائمة من القلق، و"بمجرد انتهاء الحرب، سنعود فورا، مهما كان حجم الدمار"، يؤكد على كلامه، كأنّ العودة قرار لا رجعة فيه.

وتعبّر سوزان كلاكش من بلاط عن الغصّة ذاتها، مشيرة إلى أنّ مراكز النزوح، مهما توفّر فيها، لا يمكن أن تعوّض شعور البيت والانتماء. أما علي خريس، فيصف المفارقة القاسية "نحن نرى الخيام أمامنا، ولكن لا نستطيع الوصول. أن تكون في بيتك وعلى أرضك، أمر مختلف تماما"، قبل أن يختتم بأمل حذر "لعلّ الأوضاع تهدأ قريبا".

مصدر الصورة استمرار أزمة النزوح وتفاقم الوضع المعيشي للنازحين الذين يقضون جزءا من حياتهم في الشوارع (الجزيرة)

محاولة للصمود

ومن الجنوب إلى البقاع، يتبدّل وجه المعاناة، لكن ثقلها يبقى واحدا. وفي زاوية دكان متواضع، يجلس السبعيني حسين حسن الرمح، يراقب رفوف متجره التي تكافح لتبقى ممتلئة. لم تعد الأزمة هنا أمنية فقط، بل معيشية أيضا. يقول بحسرة "نحاول تأمين أبسط الأغراض رغم الغلاء، ونبيع بأسعار منخفضة لنقف إلى جانب الناس".

إعلان

ولا تتوقف معاناته عند حدود الرزق، إذ يضيف قائلا: "لدينا أمراض تتطلب علاجا لا نستطيع تأمينه، ونشعر أنّنا متروكون لمصيرنا".

وبعد شهر على الحرب، يجد الرمحي نفسه أمام خيار قاس بين النزوح والبقاء، لكن البقاء بالنسبة إليه ليس خيارا بقدر ما هو عجز "لا أستطيع النزوح وأفضّل الموت في بيتي بكرامتي".

وفي بلدة بدنايل، يروي الموظف في مؤسسة كهرباء لبنان، شوقي الرمح، تفاصيل يوم مثقل بالأعباء "الغلاء طال كلّ شيء، من الخبز إلى المحروقات.. صرنا نقطع المسافات مشيا لنوفّر كلفة النقل".

وبالنسبة له، لم يعد الهدف تحسين الحياة، بل مجرّد الاستمرار. ويضيف "نحاول التأقلم، رغم كلّ التحديات"، ويشير إلى أنّ النزوح ليس خيارا ممكنا "هنا عملي وعائلتي، ولديّ والدٌ مريض يحتاج إلى رعاية، كيف أتركه؟".

وهكذا، بين الجنوب والبقاع، تتبدل الجغرافيا وتبقى الحكاية واحدة؛ نزوح يُبدّل الأمكنة، وفقد يعيد تشكيل الحياة.

وبعد شهر على الحرب، لم تعد المعاناة محصورة في القصف وحده، بل امتدّت إلى تفاصيل يومية ثقيلة، من رغيف الخبز إلى حبة الدواء، في بلد يختبر أهله قدرتهم على الصمود، مرّةً بعد مرّة.

مصدر الصورة المساعدات تصل إلى النازحين غير أن حجمها يظل ضئيلا ولا يلبي احتياجاتهم (الجزيرة)
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا