في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كل شيء يبدو مختلفا هذه المرة في ضاحية بيروت الجنوبية، فليس الأمر كالمرات السابقة: الحداد أقتم، والنحيب أعمق، والحيرة أكبر. بين الفينة والأخرى، تظهر سيارات متزاحمة ورايات صفراء، ثم تنطلق أغان لا تلبث أن تختفي، بينما يشعر الجميع أنهم يسيرون نحو المجهول، بعد أن قرر حزب الله الدخول في الحرب الدائرة حاليا ضد إسرائيل، رغم كل شيء.
لم تعد روح حسن نصر الله الواثقة تسري في الضاحية، فقد تغيَّر الحال بعدما تمكنت أطنان القنابل الإسرائيلية من الوصول إلى "السيد"، الأمين العام السابق لحزب الله، ووجدت القيادة الجديدة نفسها مطالبة بالإجابة على الكثير من الأسئلة، بداية بإعادة بناء الحزب الذي تلقى ضربات موجعة، وانتهاء باستعادة ثقة الجماهير في مشروع المقاومة، بعد أن بدأت تتعالى أصوات خصوم حزب الله السياسيين في لبنان، مُنتهزة فرصة ضعفه كي تنقض على سلاحه.
اليوم، لم تعد شعارات الحزب المذكرة بالانتصارات هي الحاضرة في الأجواء، بل اختفت لصالح أخرى تحاول دفعه للنهوض من الضربات المتعددة التي تلقاها في الحرب الأخيرة، خصوصا أن الجميع في الحزب وخارجه، يعلمون أن إسرائيل لن تضيع أبدا فرصة الإجهاز عليه. وكيف لا، وهي تريد الإجهاز على إيران نفسها، الجمهورية الإسلامية، المصدر الأهم للتسليح والدعم السياسي للحزب اللبناني منذ الثمانينات.
في يوم الأربعاء 13 أغسطس/آب 2025، استقبل الأمين العام لحزب الله "نعيم قاسم" أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "علي لاريجاني" -الذي اغتالته إسرائيل مؤخرا- وذلك بحضور مجتبى أماني، سفير طهران لدى بيروت. أتت الزيارة بعد أيام قليلة من إبداء طهران رفضها الكامل لأي مسعى لنزع سلاح حزب الله، بعد أن أكدت الحكومة اللبنانية حصر السلاح بيد الدولة. وفي لقاء سابق له مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، سمع لاريجاني بأذنيه كلام الأخير حينما قال إن بلاده "لا تقبل التدخل في شؤونها الداخلية"، وإن علاقتها مع إيران يجب أن تقوم على أسس السيادة والصداقة.
كانت الرسالة من زيارة لاريجاني إلى بيروت واضحة، فإيران لا تنوي التخلي عن الحزب، وأنها تسعى لترميم صفوفه وقدراته في إطار الاستعداد لجولات قادمة مع إسرائيل، وكان ذلك قبل أن تطلق تل أبيب نيرانها مجددا، صوب إيران والحزب كليهما. وبعد الحرب، استمرت طهران في توجيه الرسائل الداعمة لحليفها اللبناني، وآخرها على لسان المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي الذي أكد أن الجمهورية الإسلامية "ستواصل دعم المقاومة ضد العدو".
"أدركت طهران أنه من الضروري أن يستعيد حزب الله بعض قوته ليلعب دوره كقوة ردع في التوازن الإقليمي".
لقد أدركت طهران أنه من الضروري أن يستعيد حزب الله بعض قوته ليلعب دوره كقوة ردع في التوازن الإقليمي. ولكن كما توقع كثيرون، لم تمهل إسرائيل إيران الوقت لإعادة ترميم صفوفها، وأقدمت رفقة الولايات المتحدة على قصف إيران وقتل آية الله علي خامنئي، مرشد الثورة الإسلامية وقائد البلاد، وحدث ذلك في وقت كانت المفاوضات فيه بين واشنطن وطهران تسير نحو اتفاق جديد.
منذ اندلاع الحرب مجددا، تطلَّع الجميع نحو ضاحية بيروت الجنوبية، مُنتظِرا تحرُّك حزب الله، خصوصا أن الحزب صبر كثيرا على وقف إطلاق النار مع إسرائيل الذي كان من طرف واحد تقريبا. ولذلك كان السيناريو الأكيد هو أنه ثمَّة جولة جديدة قادمة لا محالة. ولم تتأخَّر الجولة كثيرا، ففي فجر الأربعاء 4 مارس/آذار الماضي، أعلن الحزب عن تنفيذ 15 هجوما بمسيرات وصواريخ استهدفت مواقع وقواعد عسكرية في شمال ووسط الأراضي المحتلة، كما اشتبكت قوات حزب الله مع قوة إسرائيلية كانت تحاول التقدم نحو مدينة الخيام جنوبي لبنان.
ثم أعلن الحزب عن استهداف تجمع لقوات إسرائيلية في مستوطنة كريات شمونة شمالي إسرائيل بالصواريخ، وقال إنه حقق إصابات مباشرة استدعت تدخل مروحيات لإجلاء المصابين. وأعلن الحزب أيضا إنه استهدف قاعدة "تل هشومير"، مقر قيادة الأركان جنوب شرق تل أبيب، واستهداف رادارات منظومة "القبة الحديدية" في كريات إيلعيزر شمالي الأراضي المحتلة بسرب من المسيرات.
"لم يتغير خطاب حزب الله، فقد ذكَّر نعيم قاسم بأن إسرائيل تشكل خطرا وجوديا على الجميع، في لبنان وغيرها".
في نهاية اليوم، خرج نعيم قاسم في كلمة مصورة مؤكدا أن صبر الحزب له حدود، وأن العدو الإسرائيلي تمادى كثيرا. وبحسب ما وثق حزب الله، قتل الجيش الإسرائيلي 500 مواطن وارتكب أكثر من 10 آلاف من الخروقات منذ تفعيل اتفاق وقف إطلاق النار (في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024) وحتى ذلك الحين، ولذلك، فإن المقاومة حق مشروع ما دام الاحتلال الإسرائيلي قائما ومستمرا.
لم يتغيَّر إذن خطاب حزب الله، فقد ذكَّر نعيم قاسم الجميع بأن إسرائيل تشكل خطرا وجوديا على الجميع، في لبنان وغيرها، وانتقد قاسم الحكومة اللبنانية معتبرا أنها تتبنى سياسات تتماهى مع المطالب الإسرائيلية كونها تريد تجريد الحزب من سلاحه. كما خرج مُتحدِّثا بصراحة عن أن الحزب لن يترك سلاحه إلا بالقضاء على نفس آخر مقاتل من رجاله، في موقف سياسي جذري أتى متأخرا. ومنذ ذلك الحين، يخوض حزب الله حربا مفتوحة ضد إسرائيل على الجبهة اللبنانية، أظهر خلالها أداء عسكريا لافتا بالنظر للضربات الكبرى التي تلقاها خلال العامين الأخيرين.
بعد السابع من أكتوبر، كان الجميع ينتظر خطاب حسن نصر الله، وموقف حزب الله، وبلغ الحماس مستويات كبيرة. لكن الخطاب لم يحمل جديدا حينها، وأتى باهتا، وإن كان الحزب قد أوقد بعدها جبهة شمالية لتشتيت إسرائيل نسبيا عن غزة وتكبد لأجل ذلك ثمنا باهظا. كان حزب الله من الأطراف الذين أثر عليهم الطوفان، فقد تمكنت الضربات القوية لإسرائيل من تحويله إلى ما يشبه حركة مقاومة محلية، بعد أن كان قد تحوَّل إلى قوة قتال إقليمية.
منذ عام 2006، كانت إسرائيل تستعد للحرب ضد الحزب، وتنتظر اللحظة المناسبة بعدما أعدت الأهداف على مدار سنوات، في وقت كان الحزب فيه مشتتا ومشغولا بدوره الإقليمي، خاصة في دعم نظام الأسد وقمع الانتفاضة في سوريا. ولم يقرأ الحزب المشهد جيدا بعد السابع من أكتوبر، ولم يفهم لوهلة أنها انعطافة إقليمية وتاريخية غير مسبوقة. وقد أظهرت تحرُّكات الاحتلال نقلة واضحة في استهداف خصومه والرغبة في استئصالهم ظهرت بجلاء مع هجمات البيجر واغتيال نصر الله.
"تفطن حزب الله ومن خلفه إيران أنه لا مناص من وقوف الحزب على قدميه والقتال حتى آخر نفس في معركة من أجل البقاء".
بعد تلك الجولة وجد حزب الله نفسه أمام هيكل متضرر، ومجتمع ممزق وبنية تحتية متهاكلة. لم يكن الحال مثل ما حدث بعد حرب عام 2006، حين تولت طهران مسؤولية ترميم القدرات العسكرية للحزب، فيما تولَّت دول الخليج إعادة بناء المدن والبلدات المدمرة. هذه المرة لم تملك طهران الموارد الكافية لمساعدة الحزب على استعادة قوته، في الوقت الذي تعاني فيه حضانته الشعبية في الضاحية التي تستهدفها إسرائيل كل يوم.
لكن ذلك لا يعني الاستسلام، فقد تفطن حزب الله ومن خلفه إيران أنه لا مناص من وقوف الحزب على قدميه والقتال حتى آخر نفس في معركة من أجل البقاء، لذلك أشرفت طهران عبر قيادات في الحرس الثوري على تدريب واختيار جيل جديد من قادة حزب الله، يقود الآن المعارك الضارية ضد إسرائيل في جنوب لبنان.
سرعان ما ظهرت آثار هذا الجهد خلال الحرب الحالية. ففي 5 مارس/آذار الماضي، نشرت وكالة رويترز نقلا عن ست مصادر مطلعة أن حزب الله أمضى شهورا في تجديد ترسانته من الصواريخ والمسيرات بدعم إيراني، وأيضا بفضل مصانع السلاح التابعة له استعدادا للجولة الجديدة في الحرب مع إسرائيل.
أحد المصادر الستة، وهو مصدر لبناني مطلع على الشؤون المالية والأنشطة العسكرية للحزب، قال إن الأخير استعان بميزانية شهرية قدرها 50 مليون دولار، معظمها من إيران ومخصصة لرواتب المقاتلين، في حين قالت مصادر أخرى ضمت مسؤولين أجانب ومسؤول عسكري إسرائيلي إن حزب الله عمل على تجديد مخزونه من المسيرات والصواريخ عبر التصنيع المحلي، ومن ثمَّ وصل عدد الصواريخ إلى حوالي 25 ألف صاروخ وقذيفة، معظمها قصيرة ومتوسطة المدي.
التقرير قال إن حزب الله كان يعلم جليا أن الجولة الثانية قادمة لا محالة، وأنها لن تكون سهلة، بل ستشكل تهديدا وجوديا له. وقد علَّق يوسف الزين، رئيس المكتب الإعلامي لحزب الله، بالقول إن الحزب لن يعلق على عملياته العسكرية، لكنه سيقاتل حتى الرمق الأخير. وفي دراسة له، يقول مركز معلومات الاستخبارات ومكافحة الإرهاب الإسرائيلي إن حزب الله أظهر قدرة ملحوظة على التكيف وإعادة بناء نفسه من خلال اللامركزية التنظيمية لتعزيز قدرة القيادة على البقاء مع الاعتماد على استمرار الدعم الإيراني والعمل على أساليب بديلة لتهريب السلاح والأموال.
وتقول الدراسة إن كبار مسؤولي حزب الله غيروا خطابهم خلال العام الماضي. ففي البداية أعلنت القيادات عن إلتزامها بوقف إطلاق النار وألقت بالمسؤولية على مؤسسات الدولة للتعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية. بيد أن استمرار الهجمات وعمليات الاغتيال، إلى جانب تصاعد الضغوط على الحكومة لنزع سلاح حزب الله وبدء مفاوضات مع إسرائيل، دفع الحزب إلى تشديد النبرة المتحدية للدولة وزيادة تهديداته بالرد على إسرائيل وأي جهة تحاول الإضرار بأمن لبنان.
في الحقيقة لقد أسدت المواجهة الحالية هدية للحزب على صعيد رأب خلافاته الداخلية التي بد بعضها في الظهور خلال الفترة الأخيرة. وقبل المواجهة الحالية، كانت هناك 3 آراء متباينة نسبيا داخل الحزب بشأن التعامل مع إسرائيل وفقا لمركز معلومات الاستخبارات الإسرائيلي. رأي "معتدل" بقيادة قاسم، والذي أعلن التزامه بوقف إطلاق النار واستمرار دور الحزب ضمن الحكومة، ولكنه يرفض في الوقت نفسه التخلي عن السلاح.
والرأي الثاني يتبناه "تيار الصقور" بقيادة رئيس وحدة الارتباط والتنسيق وفيق صفا، ونائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي، اللذين هدَّدا الحكومة اللبنانية مباشرة في حال استمرت في تبني التوجهات الأمريكية. أما "تيار الحمائم" الذي يقوده حسن فضل الله، فقد ربط نزع سلاح حزب الله وسائر التنظيمات المسلحة بانسحاب إسرائيل من 5 نقاط في جنوب لبنان، وإعادة المحتجزين اللبنانيين في إسرائيل، وإعادة إعمار الجنوب.
" كانت هناك 3 آراء متباينة نسبيا داخل الحزب بشأن التعامل مع إسرائيل وفقا لمركز معلومات الاستخبارات الإسرائيلي".
ظهرت الخلافات، حسب الرواية الإسرائيلية، بين المجلس العسكري والمجلس التنفيذي في الحزب بشأن خليفة هيثم الطبطبائي (رئيس أركان الحزب) بعد اغتياله في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، في ظل وجود 5 مرشحين محتملين، أبرزهم طلال حمية، وهو قيادي قديم في الحزب وأحد المطلوبين للولايات المتحدة. كما ضمَّت القائمة أيضا محمد حيدر وخضر يوسف نادر (عز الدين) الذي يرأس الوحدة 900 الأمنية، بجانب أمين فضل وعلي عمار، القياديين من الصف الثاني في قوة الرضوان.
دبَّ الخلاف حول هذا الموضوع "الفرعي" نوعا ما بسبب "الصراع" بين قيادات عليا في حزب الله مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وبين قيادات صف ثاني وصف ثالث ترغب في زيادة تمثيلها في القيادة العسكرية للحزب، على الأقل من خلال تعيين نائب رئيس أركان بالإنابة. وفي ظل هذه التحديات في إعادة الهيكلة، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يدمن انتهاك اتفاقات إطلاق النار. وبحسب البيانات المتوفرة، قتلت إسرائيل أكثر من 370 مقاتل، غالبيتهم من حزب الله، كما أقدم الصهاينة على إجراء أكثر من 1200 عملية ميدانية لتدمير البنية التحتية للحزب وإلحاق الضرر بقدرات حزب الله العسكرية.
حتى قبل بداية الحرب الحالية، كان حزب الله يدرك بأن إسرائيل تنظر إليه على أنه معضلة عسكرية يجب أن تنتهي بالكلية. ولذا، في خضم إعادة هيكلته العسكرية، بدأ الحزب في استخدام وسائل التواصل البدائية من أجل وضع استراتيجية تسمح له بالصمود بأفضل طريقة ممكنة أمام التطور الاستخباري والتكنولوجي والإلكتروني الإسرائيلي، فبدأ استعمال المراسلين والإشارات والهواتف الأرضية والعودة إلى القتال عبر الخلايا الصغيرة والتخفي واستغلال التضاريس والجغرافيا، تماما كما كان حال الحزب في بداياته ثمانينيات القرن الماضي. وتقول مصادر داخل الحزب بأنه بات يمتلك هيكلا عسكريا سريا جديدا يخضع لقيادة شابة وأكثر دينامية مع فصل بين الأجنحة العسكرية والسياسية، ومع سلاسل قيادة أقصر من المعتاد خلال الفترة السابقة.
مرَّت حافلة سوداء، مع الكثير من الرجال الملثمين، ومع عبارة "إنا على العهد"، وأطل من فوقها صندوقان، أولهما لهاشم صفي الدين، وثانيهما لحسن نصر الله، أهم رجال الضاحية الجنوبية في تاريخ لبنان. بمجرد أن أطل النعشان من داخل ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، هتف صوت في المكبرات "يا أشرف الناس"، في مقطع مسجل اشتهر به نصر الله بعد عدوان يوليو/تموز 2006، والذي كان يخاطب فيه "جمهور المقاومة" الذي كان حينها قد بدأ بالعودة إلى القرى الجنوبية محملا بفخر الانتصار على إسرائيل.
ارتفعت الأصوات بالمبايعة الأبدية "لبيك يا نصر الله"، واختلط حماس الـ 90 ألف من الحضور بالنحيب، لا أحد يمكنه أن ينكر أن المشهد كان مهيبا، فقد كان حزب الله يودع "الأب الروحي" للضاحية، ويستعد لمواجهة مستقبل "ما بعد السيد" بكثير من الحيرة والتردد والتخوف.
طيلة سنوات عديدة لم تكن إسرائيل تتورع عن قتل جميع من يجاهرها العداء، فقد قتلت خيرة قادة المقاومة الاسلامية حماس، لكن رغم ارتقاء السنوار والضيف وهنية، وقبلهم الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي، فإن حماس ظلت صلبة مستعصية وقادرة على تجديد كوادرها بسرعة وكفاءة. بيد أن اغتيال نصر الله في لبنان ترك فراغا لم يسد، فقد كان الأمين العام للحزب يلعب دورا سياسيا وعسكريا وفكريا واجتماعيا مركبا جعل استبداله مهمة عصية.
خشيت إسرائيل نصر الله وهو حي، لكن العجيب أنها أظهرت بعض الخشية منه وهو ميت أيضا. فبمجرد أن أُعلِن موعد تشييعه، بدأت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في ممارسة ضغوط على الدولة اللبنانية بهدف تحجيم التشييع الذي كان من المرتقب أن يكون ضخما وحاشدا. ولذلك، شرعت الحكومة اللبنانية بالتحرك للتضييق، ومنعت الطيران الإيراني من الهبوط ببيروت مخافة أن يقصف الإسرائيليون المطار، ووجد المئات من اللبنانيين أنفسهم محتجزين في مطار طهران بعد إلغاء رحلاتهم، وحتى وأولئك الذين تمكنوا من العودة إلى لبنان عبر العراق لاقوا استقبالا حازما، حيث طلب منهم عدم رفع أي صور لحسن نصر الله.
أما شيعة العراق الذين كانوا يرغبون في إلقاء تحية الوداع على نعش نصر الله، فقد وجدوا أنفسهم أمام تضييق لبناني على منحهم تأشيرات لدخول البلاد. ولكن رغم ذلك، وعشية التشييع، استقبل مطار بيروت حوالي 50 طائرة قادمة من مناطق عديدة حول العالم.
"خلال مراسم تشييع نصر الله، حل المشيعون باكرا بالضاحية، وحجز الكل مكانه في الملعب أو ضواحيه لإثبات أن الدم ينتصر على السيف".
في لبنان، بدأ الزحف قبل يومين من الجنوب والبقاع، فحل المشيعون باكرا بالضاحية حتى لا يمنعهم مانع طارئ من حضور هذه المناسبة المهمة، وحجز الكل مكانه في الملعب أو ضواحيه لإثبات أن "الدم ينتصر على السيف". ولم يهدأ الإسرائيليون في ذلك اليوم، فقاموا بـ 14 غارة على كامل لبنان، كما حلَّق طيران الاحتلال على علو منخفض فوق مكان التشييع في الوقت الذي كان نعيم قاسم يخطب من خلف الشاشة.
يجد "شعب المقاومة" اليوم صعوبة كبيرة في إيجاد مأوى بسبب الخلاف الكبير لباقي الطوائف مع حزب الله، كما يخاف مستقبلو النازحين من أن يكون من بينهم قيادات للحزب تترصدهم إسرائيل وتقصفهم ومعهم العديد من المدنيين، كما سبق وأن حصل مرات عديدة في الحرب الماضية.
وتدرك إسرائيل أن إثارة النعرات الطائفية في لبنان كان ولازال خيارا إستراتيجيا، لذلك لم تتردد في القيام بكل ما يلزم من أجل إحياء الفتن بين الشيعة والسنة والمسيحيين. ولعل استهداف مناطق هذه الطوائف قد يقابل بردة فعل غاضبة، لا على إسرائيل البعيدة فحسب، بل وعلى أنصار حزب الله النازحين.
"من المتوقع أن يتعرض الحزب لضربات قوية لكنه يعلم أنها كلفة سيدفعها على كل حال سواء أراد المواجهة أم لا".
عسكريا، يبدو قرار المشاركة في الحرب انتحارا بالنسبة للحزب، لكنه يخرجه من الموقف السلبي الذي كان يعيش فيه طيلة الأشهر الماضية. لقد كان حزب الله خلال هذه الفترة يُستنزَف على أي حلال من طرف إسرائيل، دون أن يُقدِم على أي ردود فعل، ولذلك كان من العبث بالنسبة لقيادات الحزب خسارة قيادات أخرى دون ردة فعل، على الأقل لرد الاعتبار المعنوي والسياسي.
من المتوقع أن يتعرض الحزب لضربات قوية قد تطيح بقيادات جديدة، لكنه يعلم أنها كلفة سيدفعها على أي حال سواء أراد هو المواجهة أم لا. ولكن حتمية المواجهة لا تعني أنها ستمر دون أضرار. فلا شك أن جمهور الحزب يرى في في المقاومة خط الدفاع الأخير عن الجنوب اللبناني، الذي لا تخفي إسرائيل رغبتها في احتلاله، لكن المشكلة الداخلية الأخطر التي تواجه حزب الله اليوم هي الحكومة اللبنانية نفسها.
في 5 أغسطس/آب 2025 الماضي، عقد مجلس الوزراء اللبناني جلسة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون، كان على جدول أعمالها ملف "حصر السلاح"، في إشارة إلى "نزع سلاح حزب الله". شهدت الجلسة التي امتدت لخمس ساعات انسحاب الوزيرين الشيعيَّيْن المنتميين لـ"حزب الله" و"حركة أمل". ورغم ذلك أصر المجلس على إصدار قرار رسمي يقضي بـ"حصر السلاح" بيد الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية، مع تحديد جدول زمني واضح لتنفيذه.
كانت الحكومة اللبنانية قد حددت نهاية العام 2025 موعدا نهائيا لإنهاء هذا المسار، على أن يتولى الجيش الإشراف على إعداد خطة تُرفَع إلى الحكومة في نهاية أغسطس/آب الحالي لدراستها وإقرارها، رغم اعتبار الثنائي الشيعي هذا القرار غير ملزم. وبعد يومين، أقرت الحكومة في جلسة ثانية أهداف الورقة الأمريكية المقترحة لضمان "ديمومة وقف الأعمال العدائية" لكن دون مناقشة آليات تنفيذها. وتهدف ورقة المبعوث الأمريكي توم باراك إلى ضمان استمرارية اتفاق وقف الأعمال "العدائية" بين لبنان وإسرائيل، الذي دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 (الذي لم تلتزم به إسرائيل بأي شكل).
يأتي هذا القرار بالتوازي مع رغبة مجلس الوزراء اللبناني في حصر السلاح بيد الدولة. وقد أفادت "رويترز" في تقريرها الصادر في 29 يوليو/تموز الماضي أن واشنطن اشترطت على الدولة اللبنانية صدور قرار رسمي من مجلس الوزراء اللبناني يتعهَّد بنزع سلاح حزب الله، ولذلك سرعان ما بدأت الحكومة في التحرك لتنفيذ هذا الطلب تفاديا للعزلة السياسية والدبلوماسية.
قوبل قرار الحكومة اللبنانية برفض واضح من حزب الله شعبيا وسياسيا، ففي الفترة نفسها التي شهدت فيها بيروت الجلسة الأولى للحكومة، كان نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، يلقي خطابا أثناء فعالية إحياء ذكرى اللواء محمد سعيد إزدي (الحاج رمضان)، المسؤول عن ملف فلسطين في قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، وقال فيها إن "المقاومة جزء من دستور الطائف"، معتبرا أن مسألة السلاح "لا تُناقش بالتصويت". وبعد صدور القرار، اعتبر الحزب ما تم خطه غير موجود، لكنه أكد في الوقت نفسه على انفتاحه على الحوار، رغبة منه في إبقاء هامش للتفاوض وتفادي المواجهة المباشرة مع الدولة.
يرفض الحزب مناقشة الورقة الأميركية، إذ يعتبرها اعتداء على اتفاق وقف إطلاق النار الموقع عام 2006. يدرك الحزب يدرك أن دائرة الحرب تدور وتتجدَّد، وأن تسليم السلاح فعليا يعني نهاية قدرة لبنان على ردع إسرائيل. ولذا، فهو يتحرك على الأرض وفق مبدأ أنه "لا ضامن لعدم احتلال إسرائيل جنوب لبنان سوى المقاومة".
لكن بعد عامين على السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمكنت إسرائيل من تحويل سلاح حزب الله في نظر القوى السياسية اللبنانية من مصدر فخر إلى عبء، بل إن حتى حلفاء حزب الله السابقين مثل التيار الوطني الحر باتوا يدعمون نزع السلاح.
قبل اندلاع الحرب، كان الحزب يرى أنه إذا ما اضطر إلى تسليم سلاحه، فإن ذلك ينحصر في السلاح الثقيل والهجومي، مثل الصواريخ الدقيقة والمُسيَّرات النوعية، مع الاحتفاظ بقدرة ردع محدودة كي يبقى قوة عسكرية يمكن استدعاؤها إذا ما تغيرت الظروف. ولكن الآن، يبدو الحزب في حاجة كبرى لسلاحه، في ظل حالة الجنون التي تعيشها إسرائيل، والتي ترى أن الفرصة الحالية لن تتكرر للقضاء على الجميع دون استثناء.
اليوم يقاتل الحزب، ليس من أجل الانتصار، بل من أجل البقاء، كما تقاتل إيران لذات السبب، في وقت بدأت فيه واشنطن تفكر في حلول أخرى، مثل ترحيل مقاتلي الحزب من جنوب لبنان، في سيناريو شبيه بما يريده ترامب في غزة، أو ما كان يريده بنزع سلاح حماس وإخراج المقاتلين وتفريقهم مقابل تمدُّد إسرائيل المستمر.
"مثلما يتكيف النظام الإيراني مع الحرب، ويتغيَّر تحت وقع الصمود، فإن حزب الله هو الآخر يشهد ما يُمكن اعتباره تأسيسا ثانيا، تحت وطأة معركة يُظهر فيها صمودًا واضحًا".
بيد أن نيران الحرب الإقليمية، والصمود الذي أظهره النظام الإيراني، واستمرار حالة المقاومة في جنوب لبنان، تقول بأن أهداف واشنطن وتل أبيب ليست سهلة المنال، بل وقد تنقلب على أصحابها وتهز تحالفاتهم الراسخة في المنطقة.
ومثلما أخذ النظام الإيراني يتكيَّف مع الحرب، ويتغيَّر تحت وقع الصمود، ويتبنَّى عقيدة الفسيفساء التي أطالت عُمر النظام وجعلته أكثر مرونة وعصيًا على الإسقاط بالضربات الجوية، فإن حزب الله هو الآخر يشهد ما يُمكن اعتباره تأسيسه الثاني، في معركة يُظهر فيها صمودًا واضحًا كما تشي الأخبار القادمة من جنوب لبنان طيلة الأسابيع الماضية، والدبابات الإسرائيلية المحترقة التي ذكَّرت الجميع بحرب يوليو/تموز 2006، التي تحوم في الأفق ذكراها العشرين، مخبرة الجميع كيف تغير وجه هذه المنطقة، وكيف تبدل كل شيء منذ ذلك الحين، وحتى اليوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة