آخر الأخبار

التضخم والسيولة ومخاطر الركود.. حرب إيران تربك البنوك المركزية العالمية

شارك

انتقلت تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من نطاق الجغرافيا السياسية إلى قلب السياسات الاقتصادية، بعدما تحولت إلى صدمة متعددة الاتجاهات أعادت تشكيل أولويات البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى.

فبدلا من التركيز على توقيت خفض أسعار الفائدة دعما للنمو، باتت المؤسسات النقدية أمام معادلة أكثر تعقيدا تتعلق بكيفية احتواء التضخم الناتج عن صدمات العرض، دون التسبب في ركود أعمق أو اضطرابات مالية أوسع.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 خلاف أميركي أوروبي داخل السبع حول أمد تداعيات حرب إيران على الاقتصاد العالمي
* list 2 of 3 نمو منطقة اليورو يتعثر في مارس جراء الحرب
* list 3 of 3 الاحتياطي الفدرالي يثبت الفائدة ويتوقع خفضا واحدا في 2026 end of list

وأسفرت قفزة أسعار الطاقة وتعطل مسارات الإمداد وارتفاع كلفة النقل والتأمين عن إعادة تسعير المخاطر الاقتصادية، مما دفع صناع السياسات إلى تبني نهج أكثر حذرا. وفي هذا السياق، حذر نائب رئيسة البنك المركزي الأوروبي لويس دي جيندوس في 26 مارس/آذار من أن الانكشاف المباشر للبنوك الأوروبية على الحرب يظل محدودا، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمالات تولد ضغوط نظامية نتيجة ترابط أسواق الطاقة والائتمان والمال.

وبرزت هذه المعضلة بوضوح في الولايات المتحدة، حيث قال رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي جيروم باول في 30 مارس/آذار إن مستوى الفائدة الحالي، البالغ بين 3.50% و3.75%، لا يزال مناسبا في ظل حالة عدم اليقين، مشيرا إلى أن البنك المركزي يفضل التريث لتقييم أثر الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قبل اتخاذ أي خطوات جديدة.

صدمة نقدية

وتعكس الأوضاع الراهنة تحولا في طبيعة الضغوط التضخمية التي تواجهها البنوك المركزية، إذ لم يعد التضخم ناتجا عن زيادة الطلب فحسب، بل بات يرتبط بما يصفه أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة بـ"صدمة عرض".

ويشير عجاقة في حديث للجزيرة نت، إلى أن ارتفاع أسعار النفط أسهم في تغذية التضخم بشكل مباشر، وهو ما يستدعي نظريا تشديد السياسة النقدية عبر رفع أسعار الفائدة. غير أن هذه الاستجابة تنطوي على معضلة، إذ إن رفع الفائدة في الظروف الحالية قد يضغط على النمو الاقتصادي ويؤدي إلى سحب السيولة من الأسواق.

إعلان

فرفع أسعار الفائدة يسهم في احتواء التضخم، لكنه في المقابل يضغط على الاستثمار والائتمان والنشاط الاقتصادي، بينما يؤدي التريث أو خفض الفائدة إلى مخاطر ترسخ الضغوط السعرية وتآكل مصداقية البنوك المركزية.

وتبدو هذه المعادلة أكثر حساسية في أوروبا، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى ضغوط على عوائد السندات الحكومية، وسط مخاوف من اتساع الأعباء المالية في حال اضطرت الحكومات إلى توسيع برامج الدعم.

وفي 20 مارس/آذار، سجلت عوائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياتها منذ أزمة منطقة اليورو في 2011، في مؤشر على انتقال أثر الحرب إلى أسواق الدين والسيولة وكلفة التمويل، خاصة في الاقتصادات الأكثر اعتمادا على الطاقة المستوردة.

ويضيف عجاقة أن الواقع الحالي يضع البنوك المركزية أمام معضلة مزدوجة، إما كبح التضخم على حساب النمو، أو الحفاظ على النشاط الاقتصادي مع مخاطر ترسخ التضخم. ويوضح أن الاحتياطي الفدرالي قد يميل إلى التريث، خاصة أن أثر الفائدة يتأخر، بينما قد تكون صدمة النفط مؤقتة، في حين تواجه أوروبا وضعا أكثر هشاشة بسبب اعتمادها الأكبر على الطاقة المستوردة، مما يجعلها أقرب إلى سيناريو "الركود التضخمي".

تضخم مستورد

ولا يعني تريث الفدرالي تراجع الضغوط، بل يعكس انتقال السياسة النقدية من مسار التيسير المتوقع إلى وضع دفاعي أكثر تحفظا. فقد حذر صندوق النقد الدولي من أن الحرب أفرزت صدمة عالمية غير متكافئة تجمع بين ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو وتشديد الأوضاع المالية، مع تحمل الاقتصادات المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا العبء الأكبر.

وتتسق هذه التقديرات مع ترجيح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادر في تقريرها الصادر في مارس/آذار، تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.9% في عام 2026، مقابل ارتفاع التضخم في دول مجموعة العشرين إلى نحو 4%، مع توقع بلوغ التضخم في الولايات المتحدة 4.2% تحت ضغط صدمة الطاقة واستمرار حالة عدم اليقين.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي فراس شعبو أن الحرب نقلت الاقتصاد العالمي إلى مرحلة "تضخم مستورد" ناتج عن ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وليس عن اختلالات نقدية داخلية.

ويشير شعبو في حديث للجزيرة نت، إلى أن "رفع الفائدة في هذه الحالة لا يعالج أصل المشكلة، بل يضغط على النمو"، مضيفا أن البنوك المركزية باتت أمام وضع "لا تستطيع فيه خفض الفائدة بسهولة، ولا تستطيع رفعها دون تكلفة"، في ما يشبه الوقوع بين خيارين كلاهما مكلف.

ويوضح أن ارتفاع النفط ينعكس مباشرة على مؤشر الأسعار، مما يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة أو حتى التفكير في التشديد، لكن مع إدراك أن أثر هذه السياسات لن يكون فوريا، بل قد يظهر بعد أشهر، حين يكون الاقتصاد قد بدأ بالفعل في التباطؤ.

مصدر الصورة صندوق النقد الدولي يحذر من أن الحرب على إيران أفرزت صدمة عالمية غير متكافئة (الفرنسية)

انتقال العدوى

لكن التحول الأهم، وفق شعبو، هو أن ترتيب الأولويات داخل البنوك المركزية قد تغير. فبعد أن كان الهدف الأساسي هو خفض الفائدة ودعم النمو، أصبحت الأولوية الآن "للاستقرار المالي أولا، ثم احتواء التضخم، ثم تجنب الركود"،ويعكس ذلك إدراكا متزايدا بأن الخطر لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في انتقال العدوى إلى النظام المالي.

إعلان

ويشرح شعبو هذا المسار قائلا إن "الخطر ليس في الحدث نفسه بل في انتقال العدوى"، إذ يؤدي ارتفاع الطاقة إلى تضخم، ثم إلى ضغوط على الفائدة، مما ينعكس على السندات والقروض، ويؤدي إلى خسائر في ميزانيات البنوك وزيادة التعثر، ومن ثم تقلبات في الأسواق وهروب رؤوس الأموال.

وفي هذا الإطار، أعلنت مجموعة السبع في 30 مارس/آذار استعدادها لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان استقرار أسواق الطاقة والحد من التداعيات الاقتصادية، مع التأكيد على أن السياسات النقدية ستظل معتمدة على البيانات دون الالتزام المسبق بمسار محدد.

وعليه، تشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستتسم بمزيج من التثبيت الحذر للفائدة، وتوسيع أدوات السيولة عند الحاجة، مع احتمال قبول مستويات تضخم أعلى مؤقتا لتجنب ركود أعمق، في ظل بيئة اقتصادية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

سيولة طارئة

هذا التحول في سلوك البنوك المركزية ينعكس أيضا على الأسواق المالية، التي بدأت تتكيف جزئيا مع بيئة جديدة تتسم بارتفاع العوائد، وقوة الدولار، وزيادة التقلبات.

فارتفاع أسعار النفط بنحو 30 إلى 60 دولارا للبرميل منذ بداية الحرب لم يرفع التضخم فقط، بل ضغط على إنفاق المستهلكين، ورفع تكاليف الإنتاج، في وقت تشير فيه تقديرات غولدمان ساكس إلى احتمال ركود في الاقتصاد الأمريكي يقترب من 30% في 12 شهرا.

وفي هذا السياق، يوضح عجاقة أن السياسات النقدية باتت تتراوح بين ثلاثة سيناريوهات: التشدد عبر رفع الفائدة لكبح التضخم، أو التيسير الانتقائي عبر ضخ السيولة دون خفض كبير للفائدة، أو القبول بتضخم أعلى مؤقتا للحفاظ على النمو.

وفي موازاة ذلك، بدأت بعض البنوك المركزية في استخدام احتياطياتها من الذهب لتوفير السيولة أو دعم العملات المحلية، إذ تراجعت احتياطيات الذهب لدى البنك المركزي التركي بنحو 50 طنا في أسبوع واحد إلى 772 طنا، في أكبر انخفاض أسبوعي منذ عام 2018، وذلك بهدف دعم الاستقرار المالي.

وينظر إلى هذا التوجه بوصفه إجراء مؤقتا لإدارة السيولة، وليس تحولا إستراتيجيا في مكانة الذهب، إذ تعكس هذه الخطوات حاجة ملحة لتأمين العملات الصعبة وتمويل الواردات الأساسية والدفاع عن استقرار العملة.

ويرى عجاقة أن السبب الرئيسي لذلك هو الحاجة الملحة إلى السيولة، موضحا أن "بعض البنوك المركزية بدأت تبيع جزءا من ذهبها لتغطية ديونها أو للدفاع عن عملتها"، خاصة مع توجه المستثمرين نحو الدولار في أوقات الأزمات.

ويضيف أن الحكومات تحتاج أيضا إلى تمويل واردات الطاقة والغذاء والأدوية في ظل ارتفاع الأسعار، مما يدفعها إلى استخدام الذهب أداة للسيولة، وليس التخلي عنه بصفته خيارا إستراتيجيا.

من جانبه يوضح شعبو أن ما يحدث "ليس تخليا عن الذهب بقدر ما هو إعادة توظيف مؤقتة"، مشيرا إلى أن بعض الدول، مثل تركيا، لجأت إلى بيع جزء من احتياطياتها لدعم العملة وضبط الكتلة النقدية في مواجهة مخاطر التضخم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا