في مقال نشره المجلس الروسي للشؤون الدولية، يرى الكاتب الروسي فيودور لوكيانوف أن الحرب الجارية في الشرق الأوسط تجاوزت اللحظة التي كان يمكن للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يعلن فيها "نصرا عظيما" وينهي العملية سريعا، معتبرا أن تطورات الميدان، ولا سيما إغلاق مضيق هرمز، دفعت الصراع إلى مسار أكثر تعقيدا وكلفة.
ويقول لوكيانوف إن استمرار الحرب من دون مؤشرات واضحة لانحسارها يكشف أن الجهات التي أطلقتها أساءت تقدير قدرة إيران على الرد وإلحاق أضرار انتقامية.
ويرى أن طهران ما كانت لتُقدم، في الظروف العادية، على تنفيذ تهديداتها بإغلاق مضيق هرمز، إدراكا منها لما قد يترتب على ذلك من أضرار واسعة قد تستعدي أطرافا كثيرة في العالم ضدها، لكنه يعتبر أن الهجوم عليها غيّر طبيعة الحسابات وفرض عليها خيارات كانت تتحاشاها سابقا.
وبحسب الكاتب، فإن تصوير إيران على أنها طرف متهور لا ينسجم مع سلوكها خلال العقود الماضية، إذ يرى أن الجمهورية الإسلامية بَنت، على مدى عقود، نظاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا يهدف إلى الصمود في مواجهة طويلة مع الولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، يعتقد لوكيانوف أن طهران تنظر إلى المعركة الراهنة بوصفها معركة بقاء، ما يجعلها أكثر استعدادا لاستخدام أدوات ضغط قصوى، من بينها حصار هرمز.
ويضيف الكاتب أن إغلاق المضيق وضع الطرف المهاجم أمام معضلة صعبة، إذ بات من العسير الحديث عن نصر من دون استعادة حرية الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويرى أن إيران قد تكون وجدت، للمرة الأولى، موقعا يمنحها قدرة مباشرة على التأثير في حسابات الدول الساعية إلى المرور عبر المضيق، بما يجعلها طرفا ممسكا بإيقاع الأزمة لا مجرد متلق لتداعياتها.
ويشير لوكيانوف إلى أن ترمب حاول التخفيف من وطأة هذا المأزق بالقول إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى مضيق هرمز لتأمين احتياجاتها من الطاقة، وإن من يحتاجه هو من ينبغي أن يتحرك لإعادة فتحه. إلا أن الكاتب يعد هذا الطرح غير مقنع، لأن الأزمة الحالية، في نظره، نتاج مباشر لقرارات وإجراءات اتخذتها واشنطن نفسها.
ومن هنا، يرجح لوكيانوف أن فرص تجنب تدخل أوسع أو حتى إنزال بري تبدو محدودة، مع صعوبة كبيرة في تقدير مآلات أي عملية من هذا النوع.
كما يرى أن ما يجري يكشف بداية مرحلة جديدة في السياسة الدولية، تتقدم فيها عوامل القوة والإرادة والصمود على الثروة والتفوق التكنولوجي وحدهما، فيما يبقى العامل الحاسم هو القدرة على الحفاظ على الاستقرار الداخلي وإدارة الجبهة السياسية والاجتماعية في زمن الحرب.
وفي هذا السياق، يقول الكاتب إن أحد رهانات المهاجمين الأساسية كان يقوم على أن ضربة قاسية قد تدفع النظام الإيراني إلى الانهيار من الداخل، في ظل تراكم عوامل التذمر طوال السنوات الماضية.
ما يجري، في قراءة المقال، يكشف مرحلة تتقدم فيها الإرادة والصمود على التفوق المادي وحده.
لكنّ هذا الرهان، بحسب لوكيانوف، لم يتحقق، بل إن إطالة أمد الحملة قد تفتح بدورها أسئلة بشأن قدرة الدول المعتدية نفسها على تحمل تبعات الحرب والحفاظ على تماسك جبهاتها الداخلية.
ويخلص لوكيانوف إلى أن القيادة الإسرائيلية قد تجد ما تستند إليه في تبرير استمرار الحرب تحت وطأة تهديدات مباشرة، لكنّ الإدارة الأمريكية قد تواجه صعوبة أكبر في إقناع الداخل بجدوى مواصلة القتال.
ويختم بالقول إن الحروب لا تسير كما يُخطَّط لها، بل غالبا ما تسرّع اتجاهات كانت تتشكل في زمن السلم، ثم تجعل التراجع عنها أكثر صعوبة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة