بين من يعتقد أن الولايات المتحدة ستنسحب من الحرب على إيران، ومن يرجّح أن تتجه نحو مزيد من التصعيد، تتكاثر التساؤلات حول أسباب عدم حسم الرئيس دونالد ترامب للمعركة رغم التفوق العسكري الأميركي الواضح.
في تحليل نشرته شبكة “سي إن إن”، يقدّم كبير مراسلي البيت الأبيض ستيفن كولينسون قراءة معمقة للأسباب التي يرى أنها تحول دون إنهاء ترامب للحرب على إيران في الوقت الراهن، رغم امتلاك واشنطن "أقوى جيش واقتصاد في العالم".
ووفق كولينسون، فإن التفوق الأميركي في موازين القوى، إلى جانب الجيش الإسرائيلي وأجهزته الاستخباراتية المتقدمة، يجعل المواجهة مع إيران تبدو غير متكافئة ظاهريًا، وقابلة للحسم بسهولة.
لكن طهران، بحسب المحلل، نجحت في تحويل مجالات تفوقها المحدودة إلى نقاط ضغط مؤلمة على الولايات المتحدة، ما مكّنها ليس فقط من الثبات، بل من انتزاع زمام المبادرة الاستراتيجية، وفق تقديرات بعض المحللين.
وسرعان ما تحولت الحرب في الشرق الأوسط إلى صراع نفوذ، حيث بات تحقيق نصر واضح يتطلب من ترامب تحمل قدر من الضرر السياسي والاقتصادي يبدو مترددًا في قبوله.
وتتمثل الورقة الرابحة الإيرانية، وفق كولينسون، في إغلاق مضيق هرمز ، الممر الرئيسي لتصدير الطاقة، ما جعل الاقتصاد العالمي رهينة ورفع الكلفة السياسية على واشنطن.
ويشير إلى أن نقطة الضعف الاستراتيجية التي تقوّض التفوق العسكري الأميركي تجلّت داخل البيت الأبيض نفسه، حيث رحبت المتحدثة كارولين ليفيت باستعداد إيران للسماح لـ20 ناقلة إضافية بالمرور عبر المضيق، معتبرة ذلك انتصارًا لـ”دبلوماسية الرئيس”. لكن هذا الطرح، بحسب كولينسون، يبدو لافتًا، إذ لا يُفترض بالدولة الأقوى أن تكون في موقع التفاوض للحصول على تنازلات.
ويضيف أن هذا الأسطول المكون من 20 ناقلة لا يُقارن بالمتوسط اليومي الذي كان يتجاوز 100 ناقلة قبل الحرب، وفق بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، مشيرًا إلى أن المضيق كان مفتوحًا لولا الحرب.
وبالتالي، فإن “الانتصار” الدبلوماسي الأول لترامب، وفق هذا الطرح، لا يعدو كونه استعادة جزئية للأضرار التي تسببت بها العمليات العسكرية.
ويرى المحلل أن ترامب محصور في خيارات ضيقة، فرغم قدرة البحرية الأميركية على فتح المضيق بالقوة، فإن إرسالها عبره قد يمنح إيران انتصارًا دعائيًا في حال استهداف سفينة أميركية.
كما أن أي توسع للعمليات قد يستدعي نشر قوات برية لدفع القوات الإيرانية، ما يرفع خطر سقوط قتلى أميركيين ويهدد موقعه السياسي الداخلي.
وفي حال قرر الاستيلاء على مركز صادرات النفط الإيراني في جزيرة خرج ، فقد يخنق الاقتصاد الإيراني، لكن لا ضمان أن يدفع ذلك النظام إلى الاستسلام بدلًا من الرد بقوة وتشديد قبضته على المضيق.
وكان ترامب قد حذّر سابقًا من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق، فسيوظف التفوق العسكري الأميركي لـ”تدمير كامل لمحطات توليد الكهرباء، وحقول النفط، وجزيرة خرج”، بل أشار إلى استهداف محطات تحلية المياه.
ويشير كولينسون إلى أن الجيش الأميركي قادر على تنفيذ ذلك، لكن ردود إيران الانتقامية ستكون حتمية عبر استهداف منشآت مماثلة في أراضي حلفاء واشنطن بالخليج، ما سيؤدي إلى اضطراب شديد في الأسواق العالمية ويزيد احتمالات الركود.
مع ذلك، يرى المحلل أن واشنطن تمتلك ورقة مهمة لم تُستخدم بعد، وهي قدرتها على زيادة العقوبات عن صادرات النفط الإيراني وقطاعات اقتصادية متعددة، إذ تضررت الجمهورية الإسلامية بشدة بسبب عجزها عن البيع عبر القنوات الطبيعية.
لكن تشديد الخناق على صادرات النفط قد يضر ترامب بقدر ما يضر إيران، وهو ما تجلّى في خطوة غير متوقعة للإدارة برفع العقوبات عن سفن إيرانية في البحر بسبب القلق من ارتفاع أسعار النفط.
وبخلاف ذلك، لا تقدم إدارة البيت الأبيض لإيران حوافز كبيرة لدفع الدبلوماسية، إذ تضمنت قائمة مطالبها المؤلفة من 15 بندًا لاتفاق سلام شروطًا تراها طهران غير مقبولة، من بينها قيود صارمة على برنامجها الصاروخي وتخفيف غير مشروط لقبضتها على المضيق.
من جهة أخرى، يوضح كولينسون أن إيران تملك ورقة استراتيجية صغيرة لكنها مؤثرة، حيث منحها إغلاق مضيق هرمز نفوذًا غير متناسب، وبدأت هذه الخطوة بإحداث أزمات اقتصادية ووقود في مناطق بعيدة مثل أفريقيا وآسيا.
واستمرار تعطيل الملاحة البحرية لأسابيع إضافية قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية، ما يفرض كلفة سياسية داخلية كبيرة على ترامب. كما أن إطالة أمد الحرب تنعكس سلبًا على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج ، الذين يسعون لتحويل اقتصاداتهم المعتمدة على الكربون إلى مراكز عالمية للسياحة والترانزيت والرياضة.
ويرى المحلل أن نفوذ إيران يزداد مع الوقت، فكلما طال أمد الحرب، ارتفعت الكلفة على الرئيس، ما قد يدفعه إلى قبول اتفاق يجعله يبدو بمظهر الطرف المتنازل. ومع ذلك، فإن بقاء النظام الإيراني على المدى الطويل يتطلب رفع العقوبات، وهو ما يضع الطرفين أمام معادلة متشابكة.
ويشير كولينسون إلى أن الوقت يضغط على قدرة ترامب على التحمل، فإذا لم تتحقق الدبلوماسية تقدمًا قريبًا، قد يجد نفسه منجذبًا نحو تصعيد يجعل التراجع والقبول بتسوية أمرًا صعبًا، مهما كانت الكلفة.
من جانبه، قال تريتا بارسي، من معهد كوينسي لشؤون الدولة المسؤولة: “بمجرد أن يفقد هذا الخيار، ستتغير حوافز الرئيس نحو التهدئة مقارنة بحوافز التصعيد في الاتجاه المعاكس”. وأضاف: “لذا على الإيرانيين أن يدركوا أن الوقت ليس بالكامل في صالحهم، رغم أنهم قد يملكون منه أكثر مما يملكه ترامب”.
المصدر:
يورو نيوز