في عمان ومدن أردنية أخرى، طالما شوهدت لافتات ولوحات ضخمة تحمل اسم جبهة العمل الإسلامي التي تأسست عام 1992، وسجلت حضورا قويا في مواسم انتخابية ومحطات مفصلية من تاريخ المملكة.
لكن الجبهة يتحتم عليها اليوم التخلي عن وصف عملها بأنه إسلامي، وفق قانون الأحزاب السياسية النافذ الذي يمنع تسمية الأحزاب على أسس دينية.
حزب جبهة العمل الإسلامي، الذي حصد في الانتخابات الأخيرة 31 مقعدا من أصل 138 في مجلس النواب، وجد نفسه أمام إخطار رسمي من الهيئة المستقلة للانتخاب بضرورة تصويب أوضاعه، استنادا إلى قانون الأحزاب.
وقد تباينت آراء الأردنيين التي رصدتها الجزيرة نت، حول تغيير الاسم، بين من رأى أن القضية تتجاوز الشكل إلى المضمون، ومن اعتبر الخطوة جزءا من التعاطي مع ظروف المرحلة.
المواطن الأردني أحمد صالح قال إن جبهة العمل الإسلامي فكرة ولا فكرة لا تموت، في إشارة إلى التقليل من أهمية التغيير الذي سيطرأ على الاسم.
وقد ربط المهندس أحمد رمضان موقفه بالدور الذي قدمه حزب جبهة العمل الإسلامي، معتبرا أن الدعم الشعبي جاء نتيجة مواقفه إلى جانب المواطنين، لا بسبب الاسم.
في المقابل، رأى محمد المبيضين في حديثه للجزيرة نت أن الخطوة تأتي في سياق الضغوط التي تمر بها البلاد، ووصفها بأنها توجه لتعزيز الجبهة الداخلية وتفادي أي تداعيات قد تؤثر في الاستقرار، في ظل ما تشهده المرحلة من تحديات.
وداخل الحزب، لم يكن القرار سهلا، إذ ارتبط الاسم بتاريخ سياسي وشعبي ممتد لعقود، غير أن مجلس الشورى حسم الجدل بالموافقة -السبت الماضي- على تغيير الاسم، وطلب من المؤتمر العام حذف كلمة "الإسلامي" من اسم الحزب، بعد مناقشات داخلية وتصويت بالأغلبية، مع تفويض الجهات التنظيمية بمتابعة اختيار البديل.
وفي توضيحها لقرار تغيير الاسم، أشارت النائبة في حزب جبهة العمل الإسلامي، ديمة طهبوب، إلى أن الخطوة لم تكن سهلة، لارتباط الاسم بهوية الحزب وامتداده السياسي والتاريخي والشعبي منذ تأسيسه، إذ بقي معتمدا في ترخيصه عبر مختلف مراحل قانون الأحزاب وتعديلاته منذ التسعينيات.
و تستعيد نقاشات سابقة جرت ضمن اللجنة الملكية عند بحث قانون الأحزاب، خصوصا ما يتعلق بحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني، حيث كان هناك تفسير واضح آنذاك بعدم انطباق ذلك على الحزب.
ولفتت ديمة طهبوب في حديثها للجزيرة نت، إلى أن طرح تغيير الاسم في هذه المرحلة جاء لاعتبارات محددة، انتهت بالالتزام بمتطلبات الهيئة المستقلة للانتخاب، بعد مروره عبر الأطر الشورية داخل الحزب، موضحة أن تغيير الاسم لن يغير من سياسات الحزب أو نهجه، التي تبقى كما هي في نظامه الأساسي وممارساته وبرامجه السياسية.
بدوره، أكد رئيس مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب، موسى المعايطة، أن الهيئة تُطبق القانون بعدالة على الجميع، مشددا على أن سيادة القانون مبدأ يساعد على تأكيد ممارسات النزاهة والحياد.
وحول تغيير اسم حزب جبهة العمل الإسلامي، أكد المعايطة للجزيرة نت، أن سجل الأحزاب في الهيئة المستقلة للانتخاب تعامل مع جملة من الملاحظات والمخالفات القانونية على النظام الأساسي للحزب المذكور ومنها متطلبات تغيير الاسم لتتطابق مع نصوص وأحكام قانون الأحزاب النافذ.
وقال المعايطة إن سجل الأحزاب في الهيئة المستقلة للانتخاب لم يتسلّم أي كتاب رسمي من حزب جبهة العمل الإسلامية حول تغيير الاسم، وأن السجل ينتظر الرد الرسمي من الحزب على جميع الملاحظات المطلوب تصويبها في النظام الأساسي للحزب لتتطابق مع أحكام قانون الأحزاب النافذ.
وعن ضرورة تغيير اسم الحزب المذكور، قال المعايطة إن نصوص وأحكام قانون الأحزاب فرضت عليها جميعا إسقاط أي دلالات اسمية مرتبطة بالدين أو الطائفة أو العرق والجنس، وإن تطبيق هذا الشرط القانوني يتيح تكريس مبدأ العدالة التنافسية بين الأحزاب السياسية دون احتكار تلك الصفات لحزب بعينه.
ورفض المعايطة محاولات البعض حرف مسار النقاش الدائر حول اسم حزب جبهة العمل الإسلامي، وتضليل الرأي العام باستخدام العاطفة، حيث اعتبر أن المؤسسات الدستورية تحكمها القوانين الناظمة، التي ضمنت حق الطعن في جميع إجراءات وقرارات الهيئة المستقلة للانتخاب وسجل الأحزاب لدى المحاكم الأردنية.
وشدد المعايطة على أن حق التقاضي والشفافية في جميع إجراءات الهيئة المستقلة للانتخاب وسجل الأحزاب كذلك هما من الممارسات الفضلى في تطبيق القانون ومن المعايير الدولية الضامنة للنزاهة والحياد.
وفي قراءته لموضوع تغيير الاسم، أوضح النائب في حزب جبهة العمل الإسلامي، ينال فريحات، أن الحزب لا يرى أن اسمه مخالف لنصوص قانون الأحزاب، مشيرا إلى أن الحظر الوارد في المادة 5 يتعلق بتأسيس الأحزاب على أساس ديني أو طائفي أو عرقي.
بينما الحزب -بحسب وصفه- لم يُنشأ على هذا الأساس، بل يحمل مرجعية دينية ضمن برنامجه السياسي، وهو أمر قائم منذ قانون الأحزاب لعام 1992 مرورا بتعديلاته المختلفة، وصولا إلى التعديلات الأخيرة التي أُجريت بعد لجنة التحديث السياسية.
وأشار فريحات في حديث للجزيرة نت إلى أن الحزب خاض الانتخابات وأعاد ترخيصه وفق القانون ذاته دون تسجيل مخالفات، لافتا إلى وجود أحزاب أخرى تحمل دلالات دينية في تسمياتها، سواء في الأردن أو في دول أوروبية، مثل الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، وأوضح أن الحزب لا يحصر عضويته في المسلمين، إذ يضم أيضا مسيحيين في صفوفه وكتلته النيابية.
وأكد أن عمل الحزب سيستمر كما هو من خلال فروعه المنتشرة في مختلف المحافظات وكتلته النيابية، في إطار مواصلة نشاطه السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال المرحلة الحالية.
وفي توضيحه للإطار القانوني المرتبط بقرار الهيئة المستقلة للانتخاب، بيّن أستاذ القانون الدستوري، ليث كمال نصراوين أن الهيئة أصبحت منذ 2022، صاحبة الولاية الدستورية العامة في متابعة شؤون الأحزاب السياسية، مما يمنحها صلاحيات تفسير وتطبيق قانون الأحزاب وفق قراءتها الخاصة.
ويستند هذا القانون، كما يقول نصراوين للجزيرة نت، إلى نصوص صريحة تمنع إنشاء الأحزاب أو تسميتها على أسس دينية أو عرقية، الأمر الذي دفع الهيئة إلى مطالبة عدد من الأحزاب، بينها حزب جبهة العمل الإسلامي، بتعديل مسمياتها لإزالة أي دلالات دينية.
وأضاف أن الفصل في هذه النزاعات يُحال إلى محكمة البداية، التي تنظر في مدى ثبوت المخالفة لأحكام القانون، وتتخذ القرار المناسب بناء عليه، بما في ذلك حل الحزب إذا ثبتت المخالفة. وختم مؤكدا أن ما قامت به الهيئة يأتي ضمن صلاحياتها القانونية، وضمن تفسيرها للنصوص التي تنظم الحياة الحزبية في الأردن، خصوصا ما يتعلق بحظر الأسس الدينية في إنشاء الأحزاب أو تسميتها.
وفي قراءته للجدل الدائر، رأى الوزير الأسبق المحامي محمود الخرابشة، أن مسألة تغيير الاسم لا تُعد قضية خلافية قانونيا، في ظل وضوح النصوص الدستورية والتشريعية، إذ ينص الدستور على أن الإسلام دين الدولة، في حين يحظر قانون الأحزاب قيامها على أسس دينية أو طائفية، مما يجعل الالتزام بهذه النصوص أمرا واجبا على الجميع.
وأشار إلى أن تغيير الاسم يندرج في إطار المرونة المطلوبة لتجنب الدخول في إشكال قانوني، ولتأكيد الالتزام بأحكام القانون، الذي يجب أن يُطبق على جميع الأطراف دون استثناء، معتبرا أن هذه الخطوة تنسجم مع مقتضيات المرحلة.
ولفت إلى أن قرارات محكمة التمييز، بصيغتها النهائية، تعكس واقعا قانونيا يستوجب الامتثال، خصوصا في ظل عدم تصويب الأوضاع ضمن المدد المحددة، مما يُعزز أهمية الالتزام بالإجراءات القانونية، مبينا أن الاستجابة لطلب الهيئة المستقلة للانتخاب تمثل خطوة إيجابية تُسجل للحزب، باعتبارها تعبيرا عن الالتزام بالقانون، لا استجابة لضغط سياسي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة