آخر الأخبار

سوريا: نبع الفيجة يفيض بالمياه.. فهل ينهي موسم أمطار 2026 كابوس الجفاف المستوطن في دمشق؟

شارك

بين مديرالمؤسسة العامة لمياه دمشق وريفها أحمد درويش أن الهطول على حوض دمشق بلغ 110% من المعدل السنوي، وحذر من أن العجز المائي لم ينتهِ، مشيراً إلى أن نسبة الفاقد بالشبكات تبلغ 40%، وأن الأمطار وحدها لا تكفي لتعويض غياب الثلوج.

بعد صيف 2025 الذي بلغ خلاله الشح المائي في دمشق وريفها مستويات قياسية، حيث تراجعت تدفقات نهر بردى إلى أدنى مستوياتها وعجزت الينابيع عن تلبية الاحتياجات، جاءت أمطار عام 2026 لتروي عطش الأرض الذي طال أمده.

فقد هطلت على سوريا عموماً والعاصمة خصوصاً أمطار غزيرة بشكل استثنائي رفعت منسوب الأنهار وأعادت الحياة لنبع الفيجة بشكل فاجأ المواطنين؛ فبينما اعتادوا في الأشهر الماضية على مشاهدة صور قاع النبع الجاف ومجاري المياه الخاوية، وجدوا أنفسهم أمام مياه تتدفق بغزارة تتجاوز المستويات التي عرفوها في سنوات سابقة.

هذا التحول البصري الخاطف خلق لدى الكثيرين انطباعاً بأن "أزمة المياه قد ولّت"، وأن الصيف القادم سيكون مختلفاً جذرياً عن كابوس التقنين والجفاف الذي عاشته الأسر الدمشقية. لكن وراء هذا "الارتواء" الظاهري، تكمن حقائق هيدرولوجية وتقنية قد لا تراها العين المجرّدة، وتؤكد أن العجز المائي الهيكلي لا يزال قائماً، وأن التعافي الكامل يحتاج لأكثر من موسم ماطر واحد.

شتاء ماطر.. وثلوج غائبة

في محاولة لفك شفرة هذا الواقع المتناقض بين فيضانات الشتاء وجفاف الصيف المرتقب، أوضح المهندس أحمد درويش، المدير العام للمؤسسة العامة لمياه الشرب في دمشق وريفها لـ"يورونيوز"، أن الموسم المائي الحالي يُصنّف كـ "جيد جداً" مقارنة بعام 2025.

وكشف درويش عن أرقام دقيقة مفادها أن معدل الهطول على حوض دمشق تجاوز 110% من المعدل السنوي، بينما سجل حوض نبع الفيجة نسبة 92%. ومع ذلك، حذر المدير العام من أن هذه الأمطار على كثرتها الأمطار لم تردم هوّة العجز المائي المتراكم، وعزا ذلك إلى طبيعة التغذية في حوض الفيجة الذي يعتمد بشكل جوهري على مخزون الثلوج وليس على الأمطار فقط.

مصدر الصورة صور مقدمة من المؤسسة العامة لمياه الشرب في دمشق وريفها تظهر ارتفاع منسوب نبع الفيجة 2026 يورونيوز

وشدد درويش على أن "الذوبان البطيء للثلوج يؤمّن تغذية مستدامة لحوض النبع أكثر من الأمطار"، مشيراً إلى أن كميات الثلج هذا الموسم كانت أقل من المطلوب، مما يعني أن الأحواض الجوفية التي استُنزفت خلال سنوات الجفاف تحتاج لسنوات مطيرة متتالية حتى تتعافى بالكامل.

وبالأرقام، بيّن درويش أن الغزارة الحالية للنبع تبلغ نحو 13 متراً مكعّباً في الثانية، وهو رقم جيّد لكنه يبقى أقلّ من الطبيعي إذا ما قورن بسنوات الذروة التي وصلت فيها التدفقات -بحسب قوله- لأكثر من 22 متراً مكعباً في الثانية.

شبكات مهترئة تؤدي إلى إهدار 40% من المياه

إلى جانب عامل المناخ، تواجه دمشق تحدياً داخلياً ضخماً يتمثل في بنية تحتية منهكة. فرغم عودة المياه للجريان، فإن المدير العام كشف أن 40% من هذه الثروة تضيع هدراً قبل وصولها إلى الصنابير.

وقال درويش إن نسبة المياه المهدرة في شبكات دمشق وريفها تبلغ نحو 40%، واصفاً إياها بأنها "نسبة كبيرة مرتبطة بإعادة تأهيل الشبكات القديمة والمتضرّرة".

هذا الواقع يكشف مفارقة لافتة: فزيادة الموارد لا تعني بالضرورة زيادة في ساعات توزيع المياه على المنازل. إذ يوضح درويش أن حصة المواطن خاصة في المناطق المرتفعة، تبقى رهينة ثلاثة تحديات وهي: تقنين الكهرباء وكفاءة المضخات والأعطال الميكانيكية الطارئة.

مصدر الصورة صورة مقدمة من المؤسسة العامة لمياه الشرب في دمشق وريفها تظهر ارتفاع منسوب نبع الفيجة 2026 يورونيوز

تاريخ من التحديات

هذه التحديات لست وليدة الساعة إذ لها تاريخ طويل من الضغوط التي تعرّض لها نظام توزيع المياه في دمشق. فوفقاً للبيانات الرسمية، كان نبع عين الفيجة يوفر تاريخياً 700 ألف متر مكعب يومياً، إضافة إلى 120 ألف متر مكعب تستخرج من 200 بئر منتشرة في المدينة ومحيطها، ليغطي في المواسم الماطرة نحو 90% من احتياجات العاصمة السورية.

إلا أن نظام التوزيع شهد اضطرابات كبيرة خلال السنوات الماضية، مع تراكم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وتوقف أعمال الصيانة المنتظمة لفترات طويلة، مما أضعف قدرته على الاستجابة للتقلبات المناخية والطلب المتزايد.

من خطة الطوارئ إلى التغذية الصنعية

لمواجهة هذا الواقع المعقد، استعرض درويش خطة الطوارئ التي اعتمدتها المؤسسة خلال فترة الشح الصيفي الماضي، والتي شملت إعادة تأهيل أكبر عدد ممكن من الآبار والمصادر المائية، وصيانة شبكات النقل والتوزيع، وإعادة توزيع أدوار التزويد مع تطبيق التقنين، بالإضافة إلى تفعيل عمل الضابطة المائية لإزالة التعديات.

أما اليوم، ومع وجود فائض مائي، أفاد درويش بأن استراتيجية المؤسسة تتجه نحو "التغذية الصنعية". وأوضح أن كميات المياه الإضافية الواردة من نبعي الفيجة وبردى يتم تحويل جزء منها لتغذية الآبار الاحتياطية، وجزء آخر يتم تحويله نحو مجرى نهر بردى للاستفادة منها في تغذية الحوض الجوفي لمدينة دمشق.

كما أعلن المدير العام عن خطط مستقبلية لاستكمال تأهيل وتجهيز مراكز ضخّ حيوية هي الآن معطّلة، ومحدداً إياها بمراكز "العقدة الأولى والرابعة، وآبار شارع الـ30، ومركز التقدم، وآبار الربوة"، لتكون داعمة لعملية الضخ والتزويد.

جودة المياه تحت المراقبة

وفيما يخص جودة المياه، حاول درويش طمأنة المواطنين مؤكداً أن الأمطار الغزيرة لا تؤثر على جودة المياه ، وقد تسبب فقط تغيرا مؤقتا وطبيعيا في لونها وشدد أن ذلك لا يؤثر إطلاقا على سلامة تلك المياه.

وأوضح أن المؤسسة تقوم بشكل دوري بسحب عيّنات لفحصها في المخبر المركزي للتأكد من مطابقتها للمواصفة القياسية السورية.

أما بالنسبة للبنية التحتية، فأضاف درويش أنها قادرة نظرياً على استيعاب تدفقات أكبر بكثير، إذ صُمّمت لتحمل ثلاثة أضعاف الكميات الحالية كما حدث في عام 2003، رغم أن الضغط الزائد قد يتسبّب بأعطال طارئة تعمل الورشات على معالجتها فوراً.

رسالة تحذير: العطش لم ينتهِ بعد

في ختام تقييمه للوضع، وجه المهندس درويش عبر "يورونيوز" رسالة واضحة للمواطنين الذين قد يغريهم مشهد المياه الجاري اليوم بالتوسّع في الاستهلاك، محذراً: "في ظل وفرة المياه الحالية، قد يظن البعض أن أزمة المياه قد ولّت بلا عودة، ولكن الحقيقة العلمية والواقع يؤكدان أن توفر المياه الآن لا يعني بالضرورة استمرارها بنفس الوتيرة مستقبلاً، خاصة مع وجود التغيرات المناخية وزيادة الطلب على المياه".

وشدد على أن استدامة الأمن المائي لدمشق مرتبطة بشكل مصيري بالهطولات الثلجية، إذ أن الذوبان البطيء للثلوج هو الضامن الحقيقي للتغذية المستدامة لحوض النبع.

وأضاف أن التغيرات المناخية تجعل الهطولات غير منتظمة، في حين يضغط الطلب السكاني المتزايد على الموارد المحدودة.

وبالتالي، فإن المشهد الحالي لنبع الفيجة وهو يفيض بالمياه، رغم ما يحمله من فأل خير وفرحة للمواطنين بعد سنوات من القحط، لا يُعدّ دعوة للاسترخاء، بل هو تذكير -وفقا لتوصيف درويش- بأن إدارة المورد المائي في سوريا تتطلب وعياً مستمراً وترشيداً عقلانياً، لأن ظاهرة الجفاف لا تزال ماثلة في الأذهان، والعجز الهيكلي في الشبكات يتطلب وقتا وجهدا دؤوبا ليتم تجاوزه تماماً.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا