في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ظل اشتداد حدة الصراعات الإقليمية وتزايد أعباء الحروب على الاقتصادات العالمية، تبدو ملامح مرحلة جديدة في النظام الدولي -أكثر اضطرابا وأقل قابلية للضبط عبر الأدوات التقليدية للنفوذ الغربي- في طور التشكل.
وبينما تنشغل القوى الكبرى بصراع الإرادات من أوكرانيا إلى المحيطين الهندي والهادي، يعود الشرق الأوسط إلى واجهة المشهد بوصفه ساحة اختبار لقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على ترتيبات أمنية وسياسية صاغتها على مدار عقود.
ورد ذلك في مقال تحليلي للبروفيسور الصيني لاو سيو كاي نشرته صحيفة "تشاينا ديلي"، أوضح فيه أنه في الوقت الذي تتزايد فيه وتتعاظم أدوار القوى الإقليمية الصاعدة، تتعرض البنية التي شيّدتها واشنطن في الشرق الأوسط لتصدعات عميقة تعكس تحول ميزان القوى العالمي برمّته، وتطرح أسئلة حادة حول مستقبل النفوذ الأمريكي في أحد أكثر أقاليم العالم حساسية.
وقال البروفيسور كاي إن الحرب الحالية على إيران تُسرّع انهيار النظام الإقليمي في الشرق الأوسط الذي شيدته الولايات المتحدة منذ حرب الخليج عام 1991، وأن هذا الانهيار ينعكس مباشرة على تراجع الهيمنة الأمريكية عالميا.
ويشرح كاي -الأستاذ الفخري لعلم الاجتماع في جامعة هونغ كونغ الصينية والمستشار في الجمعية الصينية لدراسات هونغ كونغ وماكاو- أنّ الولايات المتحدة قامت بعد حرب الخليج ببناء نظام إقليمي تتمحور فيه القوة حولها عبر استخدام إسرائيل كـ"وكيل" رئيسي لها في المنطقة، وتعزيز قدراتها العسكرية لردع الدول العربية واحتواء إيران.
كما عملت واشنطن -بحسب كاي- على دفع دول عربية للتطبيع مع إسرائيل، ونشرت قواعد عسكرية عديدة في المنطقة لترسيخ هذا النظام.
ويرى الخبير الصيني أنّ هذا الترتيب لم يجلب السلام أو الازدهار للشرق الأوسط، وأوضح أن واشنطن وتل أبيب استخدمتا أدوات قاسية ضد الأنظمة المعادية لهما، مثل الغزو العسكري، والاغتيالات، ودعم قوى معارضة، وهندسة تغييرات في الأنظمة، دون أن يفضي ذلك إلى استقرار حقيقي.
وأوضح المقال أن تزايد الضغوط الداخلية والخارجية على إيران، بما فيها الاضطرابات الداخلية، شجّع إسرائيل والولايات المتحدة على رؤية فرصة "لتصفية التهديد الإيراني بضربة واحدة".
الحرب ضد إيران كانت حسابا إستراتيجيا خاطئا، إذ استهانت واشنطن كثيرا بقوة إيران وروحها القتالية مما جعل انتصارها وهميا
ويستنتج الكاتب أن التطورات الأخيرة أثبتت أن الحرب ضد إيران كانت حسابا إستراتيجيا خاطئا، إذ استهانت واشنطن كثيرا بقوة إيران وروحها القتالية مما جعل انتصارها وهميا.
ورغم الخسائر الكبيرة، استطاعت إيران قيادة حرب "غير متكافئة" ألحقت أضرارا جسيمة بالقواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية، وبالبنية التحتية للطاقة في المنطقة، وساهمت في إغلاق مضيق هرمز، شريان تصدير الطاقة الحيوي.
ويتابع كاي بأن هذه التطورات حوّلت الصراع إلى حرب استنزاف وأزمة طاقة عالمية تهدد بانهيار النظام الذي تقوده واشنطن وتقويض هيمنتها العالمية.
ويرى الكاتب أنّ إيران نجحت في تحطيم "أسطورة لا تقهر" للولايات المتحدة؛ فحتى إن عجزت عن هزيمتها عسكريا، فإن بقاء إيران ونظامها يكفي لاعتبار واشنطن هي الخاسر الأكبر.
ويتوقع كاي أن يكون المشهد بعد الحرب على كل شكل "شرق أوسط" يتراجع فيه النفوذ الأمريكي مقابل إيران "عصية على الهزيمة"، وهو ما يصب في مصلحة طهران إستراتيجيا.
ويتوقع المقال أن تزداد معارضة شريحة واسعة من الأمريكيين، بمن فيهم بعض أنصار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" ( ماغا) لتورط واشنطن المفرط في الشرق الأوسط وتقديم مصلحة إسرائيل على مصالحهم.
ويؤكد أن هذا الأمر سيغذي صراعا داخليا حادا في الولايات المتحدة ويعمّق الانقسام السياسي والاجتماعي القائم بالفعل، ويزيد التأييد للنهج "الانعزالي" في السياسة الخارجية.
وأوضح البروفيسور كاي أن الحرب على إيران ألحقت الأذى بالعالم كله، ووجّهت ضربة لسمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها وقوتها الناعمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة