آخر الأخبار

الموت بنيران الأشقاء.. الجزيرة نت تستجلي واقع القرى الأفغانية المحاذية لباكستان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

كابل ـ تعود الحدود بين أفغانستان وباكستان إلى واجهة التوتر من جديد، لكن هذه المرة ليس فقط في بيانات الحكومات، بل في حياة المدنيين الذين أصبحوا يعيشون على وقع القصف اليومي.

وبينما تتجه الأنظار إلى مدينة بيشاور التي تستعد لاحتضان لجنة سلام مشتركة بين البلدين، تبدو الصورة على الأرض أكثر قتامة، حيث يفرض التصعيد إيقاعه القاسي على تفاصيل الحياة اليومية في المناطق الحدودية.

ففي شرق أفغانستان، وتحديدا في ولاية كونر، لم تعد أصوات المدفعية والانفجارات حدثا استثنائيا، بل تحولت إلى جزء من المشهد اليومي، حيث يترقب سكان القرى المتناثرة بين الجبال، كل ليلة قصفا جديدا، ويعيشون بين لحظات ترقب ثقيل وانفجارات مفاجئة تقطع سكون الليل.

مصدر الصورة جمال الدين يقف أمام منزله الذي تضرر جراء القصف الأخير (الجزيرة)

الضربة القادمة

تقول سارة صافي، وهي أم تقيم في إحدى قرى الولاية، إن الليالي لم تعد تشبه ما كانت عليه، وتضيف للجزيرة نت "الليالي أصبحت طويلة ومرهقة، نحاول حماية أنفسنا وأطفالنا، ننتظر الضربة القادمة في أي لحظة، ونتفقد الجيران بعد كل انفجار".

وتضيف أن الخوف لم يعد شعورا عابرا، بل تحول إلى حالة دائمة ترافقهم في تفاصيل حياتهم، من لحظة إغلاق الأبواب ليلا، إلى الخروج الحذر نحو الأسواق نهارا.

وفي الطريق المؤدي إلى القرى، تبدو الحركة أقل من المعتاد، ويقول هارون الرشيد صافي أحد سكان المنطقة للجزيرة نت "الخوف أصبح رفيقنا الدائم، الطريق إلى السوق أو القرى محفوف بالمخاطر، نحاول التكيف، لكن كل انفجار يعيدنا إلى نقطة الصفر".

أما جمال الدين، وهو أحد سكان المنطقة، فيختصر المشهد بجملة تحمل قدرا كبيرا من المرارة: "نحن مدنيون، لا علاقة لنا بأي صراع، ومع ذلك نجد أنفسنا تحت القصف. أطفالنا وبيوتنا أصبحت هدفا".

وبحسب مصادر محلية، فإن القصف الأخير ألحق أضرارا بمنازل عدة، وأجبر عائلات على مغادرة بيوتها مؤقتا، في ظل حالة من الذعر وعدم اليقين. وتواجه فرق الطوارئ صعوبات في الوصول إلى بعض المناطق المتضررة، بسبب وعورة الطرق وضعف الإمكانات.

مصدر الصورة جريحة جراء هجوم مدفعي على أسعد آباد بولاية كونر الأفغانية (الجزيرة)

تداعيات القصف

وفي مستشفى أسعد آباد، مركز ولاية كونر، تتكشف صورة أخرى من تداعيات القصف. ويقول مظفر مخلص، رئيس الصحة العامة في الولاية للجزيرة نت إن الهجوم الذي استهدف المدينة خلف قتلى وجرحى، متابعا "الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة 15 آخرين، أغلبهم من النساء والأطفال، وتم نقلهم لتلقي العلاج".

إعلان

ويضيف أن القصف شمل قذائف هاون ومدفعية ونيران رشاشات ثقيلة، مما تسبب في أضرار واسعة وحالة من الذعر بين السكان، في وقت تحاول فيه الطواقم الطبية التعامل مع الإصابات ضمن إمكانات محدودة.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود الخسائر البشرية، بل تمتد إلى سبل العيش، حيث تعطلت الأنشطة الزراعية والتجارية في بعض المناطق، مما يضاعف الضغوط على السكان الذين يعتمدون على استقرار الحدود لتأمين قوت يومهم.

مصدر الصورة هارون الرشيد صافي يسير في شارع بقريته وسط آثار القصف (الجزيرة)

لجنة سلام

في المقابل، وعلى بعد مئات الكيلومترات، تستعد مدينة بيشاور الباكستانية لاستضافة لجنة سلام مشتركة غدا الثلاثاء وهذه اللجنة، التي تضم شخصيات سياسية وشيوخ قبائل وعلماء دين وممثلين عن المجتمع المدني، تطرح بوصفها محاولة لاحتواء التوتر وفتح نافذة للحوار.

وتهدف اللجنة إلى خفض التوترات على طول الشريط الحدودي، وتعزيز إجراءات بناء الثقة، ووضع آليات عملية لتفادي الاحتكاكات، من بينها تفعيل قنوات تواصل ميدانية بين القوات على جانبي الحدود.

وترى الحكومة الأفغانية في هذا المسار ضرورة ملحة، في ظل تصاعد العنف. وأكد المتحدث باسمها، ذبيح الله مجاهد أن كابل لا تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات على باكستان، مشددا على استعداد بلاده للمشاركة في جهود السلام، رغم استمرار التباين في رواية الطرفين.

لكن هذا الحراك السياسي لا ينفصل عن واقع ميداني ضاغط، حيث يرى محللون أن نجاح لجنة السلام مرهون بقدرتها على ترجمة النقاشات إلى خطوات عملية.

غياب التواصل

ويرى المحلل السياسي عبد المطلب عليزي -في حديث للجزيرة نت- أن التصعيد يعكس غياب قنوات تواصل فعالة، وأن أي تهدئة لن تكون ذات قيمة ما لم تدعم بآليات تنفيذ واضحة".

ويضيف عليزي أن إشراك الفاعلين المحليين، مثل شيوخ القبائل والمجتمع المدني، قد يسهم في بناء أرضية مشتركة، إذا ترافقت هذه الجهود مع إرادة سياسية حقيقية.

من جهته، يرى الخبير في شؤون الحدود عزيز منكل في حديث للجزيرة نت أن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من الاجتماعات إلى الأفعال، مشددا على أنه لن تتحقق التهدئة بمجرد عقد الاجتماعات، "المطلوب تفاهمات واضحة بشأن وقف القصف وحماية المدنيين".

ويشير منكل إلى أن نجاح اللجنة في وضع آليات لمراقبة وقف إطلاق النار وتبادل المعلومات قد يشكل بداية مختلفة، لكنه يبقى رهنا بالتزام الطرفين.

ورغم هذه التحركات، تبقى آمال السكان في المناطق الحدودية حذرة، فالتجارب السابقة، التي لم تفض إلى تهدئة مستدامة، تجعل الثقة بنتائج أي مبادرة أمرا معلقا.

وبينما يتواصل القصف في كونر وتعقد اجتماعات في بيشاور، يتجسد التناقض بين مسارين أولها واقع ميداني يزداد تعقيدا، وثانيها مسعى سياسي يحاول اللحاق به وسط رغبة مشتركة لتجنيب المدنيين ويلات الحروب وخفض التصعيد بين البلدين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا