آخر الأخبار

الأهواز الإيرانية تحت القصف.. مشاهدات مراسل الجزيرة نت من قلب العاصفة

شارك

الأهواز- بعد سويعات من موجات القصف الأمريكي والإسرائيلي المشترك على منشآت نووية ومصانع للصلب وبنى تحتية أخرى في عدد من المحافظات الإيرانية، كان المشهد يوحي بسكينة مصطنعة بمدينة الأهواز جنوب غرب البلاد.

بدا وكأن سكانها يحاولون تنفس أجواء الأعياد رغما عن الصواريخ التي تحلق في سمائها منذ أسابيع. لكن، مع اقتراب هدير المقاتلات، داهمَ الذعر قلوب المدنيين وقلَب المشهد رأسا على عقب.

ففي الساعة العاشرة والنصف مساء الجمعة الماضي، كنا عالقين في زحام مروري بالشارع الرئيسي بحي "غلستان" وسط الأهواز، حيث خرجت مَسيرة شعبية مناهضة للحرب المتواصلة على البلاد، وبينما كانت مكبرات الصوت تصدح بنشيد "خُذوني.. خذوني أُنشدُ في شوارعِ طهران.. خُذوني لأفرح بوجع الطغيان"، فجأة ارتفعت وجوه المارة نحو السماء، فبدأ هدير المقاتلات يطغى على الأناشيد التي كانت تملأ المكان.

اقتربت المقاتلة بسرعة فائقة، ثم سُمع صوت مدوٍ، لم يكن انفجارا عاديا، كان صوت إصابة صاروخية حادة، كصوت معدن يتمزق في الهواء، تبعه دوي هائل أطلق معه صفارات السيارات المتوقفة بجوار سور حديقة مجاورة.

هكذا تحولت اللحظة من مسيرة منظمة إلى فوضى عارمة؛ يتدفق الناس من داخل الحديقة إلى الشارع المكتظ أساسا، يجرون بلا وجهة محددة، ويحاول السائقون التحرك في زحام يستحيل اختراقه، فيصطدم عدد من السيارات.

مصدر الصورة متظاهرون يرفعون الأعلام الإيرانية بعد تعرض منشأة مجاورة لقصف صاروخي (الجزيرة)

رائحة البارود

وعلى وقع صراخ النساء والأطفال، فتحتُ نوافذ السيارة خشية تهشمها، وكنت أسمع أصوات محركات المقاتلات التي تكسر حاجز الصوت بين الفينة والأخرى، فتبدو أصواتها أشبه بعاصفة رعدية قوية تنقطع إثرها مكبرات الصوت.

فجأة يتكرر المشهد: دوي انفجار هائل، تعقبه كتلة نارية تضيء السماء، لكن الخطر هذه المرة كان أقرب، إذ شعرت بموجة هواء ساخن مصحوبة برائحة البارود من ناحية الحديقة، مما أثار الذعر في قلوب الأطفال الذين كانوا يلهون ويلعبون، فتسمرت عيناي على بعضهم وهم يرمون بأنفسهم من فوق الألعاب على الأرض، وأمهاتهم يركضن نحوهم.

إعلان

أحاول أن أمعن النظر في الحديقة التي ظننتها للوهلة الأولى هدف الضربة، فلفت نظري طفل قادم منها يصرخ بأعلى صوته "الصاروخ استهدف الشارع الخلفي الملاصق للحديقة!" قبل أن يختفي صوته مع عودة مكبرات الصوت، لكن هذه المرة بأغنية حماسية لعل بيت القصيد فيها يقول "اقتربت الساعة.. الله في الساحة.. يا رفيقي يا صاحب البصيرة.. لا تخف ولا تحزن".

بقيت عالقا في الزحام المروري حتى تمكنت الجهات المنظمة للمسيرة من فتح الطريق، وخطر ببالي في تلك اللحظات: كم هو سهل أن ينقل مراسل خبرا في بضع كلمات عن سماع دوي انفجار هنا وسقوط صاروخ هناك، دون أن تجد الكلمات طريقا لنقل رعب الحاضرين قرب الحدث.

لطالما عجزت المفردات عن نقل مشاعر رعشة اليدين، وطعم اللعاب الممزوج برائحة البارود والقذائف الصاروخية المنفجرة، وصرخة الطفل التي تخترق الضجيج.

مصدر الصورة آثار القصف الصاروخي على المباني المحصنة (الجزيرة)

قلب العاصفة

قبل 3 أسابيع، عشت مشهدا مشابها، حيث كنت داخل بيت تتطاير نوافذه، لكن جدرانه حمَت أطفالي. لكن اليوم، أمسيت في قلب العاصفة بمفردي، فحمدت الله على أن الأطفال لم يكونوا معي ليروا المشهد المروّع.

سأدرك من هذه التجربة الذاتية أن واقع الحرب قد يكون في بعض الأحيان مختلفا عما تصوره التقارير وما نشاهده من خلف شاشات التلفزة، بل إن وطأته تنزل ثقيلة جدا على من يعيش الحدث، ذلك لأن الحرب ليست أرقام ضحايا أو مواقع على خريطة، وإنما هي ذلك الطفل الذي قفز –قبل قليل- من الأرجوحة، وهو لا يعرف إن كان يهرب من لعبة، أم من صاروخ.

وفي هذه الأثناء، نسمع هدير المقاتلات كشبح لا يتوقف.. هذه المرة، 3 ضربات متتالية في الجانب المقابل من الشارع، انقطعت إثرها الكهرباء وتطايرت الأعلام التي كان يحملها المتظاهرون في الهواء كطيور مصنوعة من قماش أخضر وأبيض وأحمر، قبل أن تسقط على الأسفلت.

وما أن فتحت قوات الشرطة الطريق حتى ابتعدتُ من خط النار بسرعة.

مصدر الصورة القوات الأمنية قطعت الطريق المؤدي إلى مكان القصف (الجزيرة)

وبعد ساعة، قضيناها رفقة عدد من الأهوازيين تحت جسر كبير على مقربة من نهر كارون، حتى اختفت أصوات المقاتلات. فكان لا بد من العودة إلى مقر الإقامة حيث سبق واخترنا سكنا بعيدا عن المنشآت الحكومية والعسكرية، ظنا أنه ملاذ آمن.

لكن مشهد الاستهدافات هذه الليلة كشف عن منطق جديد للعدوان؛ "الضربات لم تعد تبحث عن الثكنات فقط، بل يمكن أن تهز الشارع المجاور لتجمع شعبي"، كما عبّر الحاج محمود (68 عاما) عن دقائق الرعب التي عاشها في حي غلستان.

مسرح الحدث

وبالعودة إلى مسرح القصف، وجدنا أن القوات الأمنية قطعت الشارع الخلفي للحديقة، وسيارات الإسعاف والإطفاء كانت منتشرة على جانبي الطريق، وأضواء الطوارئ تومض في الظلام، فتبين -كما قال لنا أحد عناصر قوات التعبئة الشعبية ( الباسيج)، وهو لا يزال يحمل علمه الممزق- أن "الضربة الأولى استهدفت منشأة كبيرة تعمل في بناء وتشييد الجسور.. المبنى كان شبه فارغ، ما عدا حارسين لا نعرف شيئا عن مصيرهما".

وعندما تساءلنا عن موجة القصف الثانية، أومأ بيده وطلب منا الابتعاد عن المكان، فتبين لنا في اليوم التالي أنها استهدفت مقرا أمنيا محصنا، لم نستطع الاقتراب منه.

إعلان

ومع حلول منتصف الليل، وعلى أنغام نشيد "إحنا الباليستي.. إحنا مثلث برمودا.. يموت اليوصل لحدوده.. وحتى الماي امخوفينا.. إحنا الحوت أزرق"، كان يصدح من أحد المواكب الخدمية القريبة، نغادر مكان القصف ونحمل معنا سؤالا: "ماذا يبقى من المدينة عندما تتحول حدائق أطفالها إلى خلفية لهدير المحركات النفاثة، وأناشيد حب الوطن إلى خليط من صراخ المارة وصفارات السيارات؟" في ظل انعدام صفارات الإنذار والملاجئ فيها.

مصدر الصورة القصف آثار الذعر لدى المشاركين في المسيرات المناهضة للحرب (الجزيرة)

واصلتُ الطريق، أفكر بالمشهد الذي أكاد لا استوعبه بعد، ليلة تحوّلت فيها المسيرات المناهضة للحرب إلى هدف قريب من الصواريخ، لم يعد الفرق كبيرا بين متظاهر وناقل للخبر، كلنا في الشارع ذاته، وتحت السماء ذاتها، ننتظر صاروخا قد يأتي من أي اتجاه.

أما السؤال الذي بقي عالقا في ذهني طوال تلك الليلة: "إذا أمست المَسيرات الشعبية والأحياء السكنية هدفا، فأين يذهب الناس ليقولوا: لا للحرب؟".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا