آخر الأخبار

الفتوى النووية.. هل يخرج مجتبى من عباءة أبيه الذي حرّم؟

شارك

صدرت فتوى تحريم صناعة واستخدام الأسلحة النووية من قبل آية الله علي خامنئي المرشد الثاني للثورة الإسلامية؛ ردا على الادعاءات بشأن عزم طهران على صنع أسلحة نووية في العام 2003، وتمت قراءتها رسميا في المؤتمر الدولي لنزع السلاح، ومنع انتشار الأسلحة النووية في إيران عام 2010.

منذ ذلك اليوم، صارت هذه الفتوى ورقة في كل مفاوضات، وحجة في كل خطاب، ودرعا في كل اتهام.

السؤال الذي لم يلتفَت له ولم يطرح حول مصير الفتوى بعد وفاة علي خامنئي، هو: أما وقد توفي ماذا سيحدث بشأن الفتوى؟ هل تموت معه؟ هل يرثها خلفه؟ هل هي ملزمة للمرشد الثالث آية الله مجتبى خامنئي؟

الفتوى وأدلتها

استندت فتوى التحريم إلى أدلة فقهية من القرآن الكريم، والسنة النبوية والقواعد الأصولية. وحيث إن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ خمسة أمور: النفس، والعقل، والنسل، والمال، والدين، فإن السلاح النووي يعتبر تهديدا لهذه الضروريات الخمس.

لم تخرج فتوى تحريم صنع السلاح النووي عن هذه الأصول، وقد استندت إلى الأدلة التالية:

الدليل الأول: تحريم الإفساد في الأرض

صدرت الفتوى عن علي خامنئي الذي هو وفق المدرسة الجعفرية "الاثني عشرية"، فقيه جامع للشروط، شغل منصب المرشد الأعلى الثاني للجمهورية الإسلامية، وذلك بالاستناد إلى أدلة شرعية معتبرة من العقل والنصوص والقواعد الشرعية، ونُص عليها بوضوح ضمن منهج الاجتهاد، مما يجعلها فتوى فقهية بكل ما تقتضيه من آثار كالديمومة والامتداد.

بالنسبة إلى خامنئي، فإن سبب تحريم تصنيع واستخدام الأسلحة النووية يعود لمعارضة استعمال أسلحة الدمار الشامل مع المبادئ الإسلامية، إذ إن استخدام مثل هذا السلاح هو تدمير للحرث والنسل، وهذا ما ذُكر في الآية 205 من سورة البقرة: "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد".

إعلان

والسلاح النووي في طبيعته هو أداة الإفساد الأشمل في التاريخ البشري. يدمر الحرث والنسل والأرض والجو والماء لأجيال.

الدليل الثاني: قاعدة "لا وزر على غير الجاني"

يعتبر الفقيه الشيعي آية الله أحمد مبلغي، أن من أسباب التحريم قاعدة الوزر القرآنية "ولا تزر وازرة وزر أخرى" التي تمنع من معاقبة الأبرياء مع الأشرار، واستخدام الأسلحة النووية يؤدي إلى الإبادة الجماعية، ومعاقبة الأبرياء، بل ويضر بالأجيال القادمة.

وهذه القاعدة من أعمق القواعد الفقهية في الإسلام. لا يحمل أحد وزر غيره. والقنبلة النووية لا تميز بين مقاتل وطفل، بين مسلم وغير مسلم، بين حاضر وقادم.

الدليل الثالث: تحريم قتل غير المقاتلين

استدل فقهاء- مثل أبي القاسم عليدوست، ومحمد جواد فاضل لنكراني- بروايات تحريم الاعتداء على الآخرين من الأطفال والنساء والشيوخ والحيوانات.

هذه الروايات راسخة في الفقه الإسلامي عبر كل المذاهب. والسلاح النووي ينتهك هذا التحريم انتهاكا كاملا- لا استثناء فيه.

الدليل الرابع: روايات تحريم تسميم مياه الأعداء

استدل فقهاء كتاب "فقه النووي" بروايات تحريم دس السم في ماء الأعداء، إذ قاسوا عليها تحريم استخدام الأسلحة النووية التي تلوث الهواء والماء والأرض بالإشعاع لعقود. القياس هنا دقيق ومحكم. فقد نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن تسميم مياه العدو في الحرب. والإشعاع النووي تسميم للعالم كله.

الدليل الخامس: مقاصد الشريعة

تقول القواعد الفقهية بحرمة الإفساد في الأرض، وحرمة قتل الإنسان بغير حق، وحرمة الإضرار بالبيئة، وحرمة هدر المصادر الطبيعية، ووجوب حفظ النظام العام.

وحيث إن هذه الفتوى صدرت في الوقت الذي كان فيه علي خامنئي مرشد الجمهورية الإسلامية، يبرز السؤال: فيما إذا كان قد أفتى بهذا التحريم بوصفه مجتهدا يستنبط حكما شرعيا؟ أم بوصفه ولي الأمر الذي يرسم سياسة الدولة؟

الفتوى في اصطلاح الفقهاء ليست تصريحا صحفيا ولا خطابا سياسيا، بل هي استنباط حكم شرعي من مصادره المعتبرة عبر ملكة الاجتهاد التي لا يبلغها إلا من استوفى شروطها الصارمة. وتصدر عادة في رسائل عملية منهجية، أو استجابة لاستفتاء مكتوب محدد.

بيد أن فتوى خامنئي بتحريم السلاح النووي، جاءت في سياق مختلف. لقد وردت في خطابات رسمية، ورسائل إلى مؤتمرات دولية، وبيانات حكومية. وهو ما دفع بعض الباحثين للتساؤل: هل هي فتوى بالمعنى الفقهي الدقيق، أم موقف سياسي صيغ بلباس ديني؟ الأرجح أن الفتوى تجمع الوجهين في آن واحد.

فهي حكم شرعي مستند إلى أدلة فقهية، وموقف سياسي موظف في خدمة مصالح الدولة. وهذا الازدواج بالذات هو مصدر كل الإشكالية التي يسعى المهتمون إلى فهمها، ومن ثم التعامل معها بعد رحيل صاحبها.

المسؤولون الإيرانيون معنيون بهذا البيان باستمرار، على الرغم من أن بعض الباحثين يرون أنه لا يمتّ إلى الفتوى الدينية أو الحكم الشرعي بصلة.

في المقابل، الموقع الرسمي لمكتب آية الله علي خامنئي، لا يتركها في هذه المنطقة الرمادية.

اعتمد مكتب حفظ ونشر آثار خامنئي على "الأدلة الفقهية لتحريم السلاح النووي"، مما يشير إلى أن الفتوى استندت إلى استدلال شرعي حقيقي لا مجرد إعلان سياسي.

إعلان

الفتوى ومسألة المجتهد الميت

هذه ليست مسألة نظرية. هي مسألة فقهية قديمة ومحكمة.

وفق الفقه الجعفري، حين يموت المجتهد الذي يقلده الناس، يواجه مقلدوه سؤالا عمليا: ماذا يفعلون؟ هل يبقون على تقليده؟ هل ينتقلون إلى مجتهد حي؟ أجاب الفقهاء بتفصيل دقيق. تقليد المجتهد الميت قسمان:


* الأول: هو التقليد الابتدائي، وهو أن يقلد المكلف مجتهدا ميتا دون أن يسبق منه تقليده حال حياته.
* والثاني: هو التقليد البقائي، وهو أن يقلد مجتهدا معينا شطرا من حياته، ويظل على تقليد ذلك المجتهد بعد موته. معيار الاختيار بين البقاء والانتقال واضح.

إذا كان المجتهد المتوفى أعلم من المجتهد الحي، يجب على المكلف البقاء على تقليد المجتهد المتوفى، ولا يصح تقليد المجتهد الحي غير الأعلم، وبناء على ذلك يجوز بل يجب على من سبق منه تقليد مجتهد البقاء على تقليده حتى يتضح من هو أعلم منه مهما طالت المدة. هذا بالنسبة للمكلف الفردي-المواطن العادي الذي يقلد المرجع في حياته الدينية.

أما المرشد مجتبى خامنئي فشأنه مختلف جذريا. حيث يبدو وفق المتاح من المعلومات أنه كان يقلد محمد تقي بهجت، وحضر مع والده علي خامنئي دروس" البحث الخارجي"، وهو الآن مجتهد مستقل بذاته، يحمل ملكة الاستنباط الخاصة به، ويستمد ولايته من شروطها لا من إرث سلفه.

في نظرية ولاية الفقيه التي أرسى دعائمها الإمام روح الله الموسوي الخميني، وورثها آية الله خامنئي، فإن المرشد لا يستمد سلطته من المرشد الذي سبقه، بل من اجتهاده هو، واستيفائه الشروط التي حددها الدستور ومجلس الخبراء.

وعليه لا يوجد في الفقه الشيعي نص واحد يلزم مرشدا جديدا، بفتاوى مرشد سابق. تماما كما لا يلزم خامنئي نفسه بكل فتاوى الإمام الخميني في تفاصيلها- رغم أنه تلميذه وخليفته الروحي والسياسي.

في الفقه الجعفري، ثمة تمييز حاسم بين نوعين من الأحكام:


* الأحكام الأولية ثابتة لا تتزعزع: تحريم القتل بغير حق، وتحريم الزنا، وتحريم الكذب- هذه لا تتغير بتغير الزمان والمكان ولا بتغير المصالح.
* الأحكام الثانوية هي التي تنبني على الموضوع وظروفه: وحين يتغير الموضوع أو تتغير ظروفه، يتغير الحكم معه. الضرورة تبيح المحظور. والمصلحة العليا لها وزنها في الفقه.

والسؤال: إلى أي نوع تنتمي فتوى تحريم السلاح النووي؟

يشير حجة الإسلام حسن علي أخلاق أميري أحد أعضاء مجلس الشورى في إيران إلى أن "مراجعة فتوى تحريم النووي وفق أدبيات الفقه الإمامي تتعلق الآن بالزمان والمكان المؤثرين في الفقه بصفته حكما ثانويا، ومن ثم عرض النتائج على المرشد".

هذا التوصيف ليس هامشيا. هو يعني أن الفتوى- من الداخل الإيراني نفسه- تعامل بوصفها حكما ثانويا قابلا للمراجعة حين تتغير الظروف.

لكن هنا يبرز تناقض مهم. المدافعون عن الفتوى من الفقهاء الإيرانيين يرفضون هذا التوصيف. يرى بعض الفقهاء أن الخلط بين الأحكام الثانوية وأحكام التقية وإلحاقهما بهذه الفتوى يدل على عدم إدراك طبيعتها، إذ إنها صادرة بناء على أدلة شرعية معتبرة ما يجعلها فتوى فقهية بكل ما تقتضيه من آثار كالديمومة والامتداد.

لم يغلق آية الله خامنئي الباب لمناقشة الفتوى، فقد وافق على تحضير رسالة حول تعديل الفتوى لتكون جاهزة في حال واجهت إيران هجوما وجوديا، مع التشديد على أنه يجب عدم تصنيع سلاح نووي ما دامت البلاد لم تتعرض لحرب مفتوحة تستمر لمدة طويلة وليس مجرد ضربات خاطفة.

من المهم في هذا السياق التأكيد على أن النقاش حول الفتوى واحتمال مراجعتها، قد جاء بعد تزايد التهديدات الإسرائيلية ومهاجمة إيران في أبريل/نيسان 2024، وقد رافق ذلك بدء الحديث عن تغيير العقيدة العسكرية في إيران من دفاعية إلى هجومية.

إعلان

وفي ظل هذا النقاش، يبرز السؤال: هل هناك سوابق من حيث الفتاوى انتقلت من مرشد إلى آخر؟ وكيف تم التعامل معها؟

هناك أكثر من سابقة يمكن تناولها في هذا السياق، ولكن نذكر منها واحدة، وهي حالة سلمان رشدي؛ حين بقيت الفتوى بالاختيار لا بالإلزام.

في عام 1989، أصدر الخميني فتواه الشهيرة بإهدار دم الروائي البريطاني سلمان رشدي. وقبل أن يصبح مرشدا، حاول علي خامنئي تخفيف هذه الفتوى.

فقد قال في خطبة الجمعة: إن الحكم قد يرفع إذا أعلن رشدي توبته وكتب اعتذارا لمسلمي العالم، فأصدر مكتب الخميني في اليوم التالي بيانا رفض فيه رفضا قاطعا إلغاء الحكم حتى في حال التوبة، فاضطر خامنئي إلى التراجع الكامل. ثم حين أصبح مرشدا وصار صاحب القرار، اختار تأكيد الفتوى لا إلغاءها.

أكد علي خامنئي وغيره من قادة النظام باستمرار على ضرورة تنفيذ الفتوى في السنوات التي تلت وفاة الخميني. هذا التأكيد لم يكن إلزاما فقهيا، بل قرارا سياسيا ودينيا فيما يبدو.

والدليل على ذلك بعد أن تولى محمد خاتمي رئاسة الجمهورية، قرر بحكم منصبه السياسي التراجع عن دعم الفتوى، وأعلن خاتمي نفسه أن الفتوى انتهت.

من النموذج السابق يبدو واضحا أن الاستمرارية في الفتاوى بين مرشدين ليست حتما فقهيا، بل هي قرار يتخذه الخلف بحرية كاملة إبقاءً أو مراجعة.

خاتمة

تزايدت في السنوات الأخيرة أصوات داخل النظام الإيراني نفسه تطالب بمراجعة فتوى النووي. وهذه الأصوات لا تأتي من المعارضين بل من قادة داخل الحرس الثوري تطالب بضرورة امتلاك أسلحة نووية لمواجهة "التهديدات الوجودية" من الغرب.

والمسوغ الفقهي الذي يقدمه هؤلاء ليس سياسيا فحسب، إنما يستند إلى مبدأ الضرورة الذي يبيح المحظور حين يصبح الوجود مهددا. من القواعد المتفق عليها بين فقهاء الأمة: أن الضرورات تبيح المحظورات، وهذا من واقعية الشريعة.

حين يتولى مرشد جديد، يحمل ولاية جديدة مستقلة. وإلزامه للناس يصدر من ولايته هو- لا من ولاية سلفه. وأوامره الحكومية ستكون ملزمة بصفته الجديدة، لكنها لن تكون مقيدة بما قرره من سبقه.

هذا هو الفارق الجوهري بين المرجع الديني التقليدي والمرشد الحاكم. فتاوى المرجع تبقى لمن قلده. أما قرارات المرشد الحاكم فهي سلطة لا تورث، بل تجدد مع كل مرشد جديد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا