آخر الأخبار

شاهد.. المرضى النازحون بلبنان في صراع يومي لتوفير الدواء

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بيروت- في ساحات المدارس، وعلى أرصفة تحولت على عجل إلى أسرّة مؤقتة، يتكشف مشهد يومي جديد في لبنان؛ مرضى نازحون يواجهون الحرب بأجساد منهكة وبنظام صحي يترنح تحت ضغط غير مسبوق.

لا تبدو معاناة النزوح مقتصرة على فقدان المنازل، بل تمتد إلى صراع يومي مع المرض في ظل نقص حاد في الخدمات الطبية الأساسية.

من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت و البقاع، دفعت الغارات الإسرائيلية آلاف العائلات إلى ترك بيوتها، لتجد نفسها أمام معادلة قاسية: النزوح من جهة، وتدهور الأوضاع الصحية من جهة أخرى، فالوصول إلى الدواء بات مهمة شاقة، والمتابعة الطبية المنتظمة تحوّلت إلى رفاه نادر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الرعاية، لا سيما لدى كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.

مصدر الصورة عامل في منظمة "أطباء بلا حدود" خلال عمله بإحدى العيادات المتنقلة (الجزيرة)

صمت ثقيل

داخل غرفة صفية في إحدى المدارس الرسمية في بيروت، تجلس الستينية منيرة أحمد محي الدين بصمت ثقيل. منذ أن غادرت بلدتها خربة سلم في قضاء بنت جبيل، تبدّل كل شيء. وبصوت خافت، قالت للجزيرة نت: "نزحت منذ أسابيع، ولم أعد قادرة على شراء دوائي ولم يؤمّنه أحد لي، رغم أنني لا أستغني عنه".

تختصر كلماتها واقعا يتكرر يوميا مع آلاف المرضى الذين يجدون أنفسهم بلا شبكة أمان صحية تضمن استمرارية علاجهم.

ولا يختلف حال سعيد يوسف فارس كثيرا، فالرجل من ذوي الإعاقة ومن المسجّلين لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، نزح من بلدة مارون الراس الحدودية، ليصطدم بواقع أشد قسوة.

وأوضح للجزيرة نت أن المشكلة لا تقتصر على صعوبة الوصول إلى الخدمات، بل تتجلى بقدر أكبر في فقدان الأدوية الأساسية، قائلا إن "العلاجات غير متوفرة كما يجب، في ظل ضغط متزايد على مراكز صحية تعاني أصلا من محدودية الإمكانات".

أما علي مصطفى حمدان، النازح من ميس الجبل، فيعيش قلقا مضاعفا، فمرض السكري الذي يعانيه يحتاج إلى انتظام صارم في العلاج، لكن ما يتوفر في المراكز الصحية لا يتعدى المسكنات وخافضات الحرارة. يمضي يومه على وقع الخوف من تدهور مفاجئ، خاصة بعدما حذره طبيبه قبل الحرب من مخاطر قد تصل إلى بتر أحد أطرافه في حال عدم الالتزام بالعلاج.

إعلان

هذا الواقع يدفع كثيرين إلى خيارات قاسية، التوقف عن تناول الدواء، أو تقنين الجرعات، أو تأجيل العلاج إلى أجل غير معلوم. وهي ممارسات تزيد من احتمالات المضاعفات الصحية، وتهدد بتفاقم أعباء النظام الصحي "الهش أصلا" في لبنان.

مصدر الصورة متطوعة تقطع ظرف الدواء كإجراء تقنيني قبل إعطائه لنازح (الجزيرة)

محاولة احتواء الأزمة

في محاولة لاحتواء الأزمة، تعمل منظمات إنسانية على سدّ جزء من الفجوة. وأوضحت كالين رحيّم، المرجع الطبي في مشروع الطوارئ التابع لمنظمة " أطباء بلا حدود"، للجزيرة نت، أن فرق المنظمة أطلقت نحو 15 عيادة متنقلة تقدّم خدمات الرعاية الصحية الأولية والاستشارات الطبية وتوزيع الأدوية، وذلك بعد نحو أسبوع من استقرار النازحين في مراكز الإيواء.

وفي المراكز الأكثر اكتظاظا، حيث يتجاوز عدد النازحين أحيانا 1500 شخص، أُنشئت مستوصفات ثابتة لدعم الطواقم الطبية والتعامل مع الحالات الطارئة.

وفي مجمّع مدارس بئر حسن في بيروت، الذي يضم نحو 2500 نازح، يتلقى المرضى معاينات طبية وإرشادات صحية، إلى جانب كميات محدودة من الأدوية داخل مستوصف صغير مدعوم من وزارة الصحة.

من جانبه، وصف مدير المستوصف الطبيب خضر زلزلي الوضع الصحي للجزيرة نت، قائلا إن "الحالة صعبة والضغط كبير والنقص موجود. نحاول قدر الإمكان تسجيل احتياجات المرضى وتأمين الأدوية بعد أيام إذا توفرت، سواء عبر وزارة الصحة أو من جهات داعمة. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام حجم الطلب المتزايد".

ولا تقتصر المعاناة على الجانب الجسدي، فالحالة النفسية للنازحين تبدو هشة إلى حد كبير. الصدمات المتكررة والخوف المستمر من القصف وغياب الخصوصية داخل مراكز الإيواء، كلها عوامل تخلق حالة من القلق الدائم؛ كثيرون يعانون اضطرابات النوم، وفقدان الشهية، وشعورا متواصلا بعدم الأمان.

وأشار الطبيب زلزلي إلى أن عددا كبيرا من النازحين يراجعون المستوصف ويشتكون من آلام جسدية، كأوجاع القلب أو الرأس، لكن الفحوصات تكشف أن السبب نفسي بالدرجة الأولى نتيجة الضغط والتوتر المستمرين. لذلك، تضم بعض العيادات فرقا للدعم النفسي تحاول الاستماع إليهم ومساعدتهم على التكيف مع واقعهم الجديد.

مصدر الصورة مدرسة الإرشاد الرسمية التي تحولت لمركز إيواء (الجزيرة)

تحديات متراكمة

على مستوى أوسع، يواجه القطاع الصحي في لبنان تحديات متراكمة. فمنذ اندلاع الحرب، أعلنت وزارة الصحة تأمين خدمات استشفائية مجانية للنازحين في المستشفيات الحكومية، لكن هذا القرار اصطدم بواقع محدودية الأسرّة ونقص الكوادر. فهذه المستشفيات تعاني أساسا من تداعيات أزمات متتالية، بدءا من الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019 والذي أضعف قدرات القطاع بشكل كبير، ثم تبعات جائحة كورونا.

وتشير بيانات الوزارة إلى أن شبكة الرعاية الصحية الأولية، التي تضم أكثر من 200 مركز و31 مستشفى حكوميا، تشكل العمود الفقري للخدمات الصحية في البلاد، لكنها تعمل بموارد محدودة حتى في الظروف العادية. ومع اتساع رقعة النزوح، ازدادت الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات، خاصة في ما يتعلق بالأمراض المزمنة والرعاية المستمرة.

مصدر الصورة الأدوية المتوفرة في مستوصف لمركز إيواء يضم نحو 2500 نازح (الجزيرة)

من جهتها، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن النزوح الواسع يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه النظام الصحي اللبناني في السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع الطلب على الخدمات الأساسية، وتراجع القدرة على تلبيتها.

إعلان

وفي خضم هذه الضغوط، تؤكد وزارة الصحة اللبنانية أنها تعمل على تعزيز مخزون الأدوية، وربط مراكز الإيواء بشبكة الرعاية الأولية لتسهيل الوصول إلى الخدمات. كما أعلنت توسيع التغطية الصحية لتشمل الأمراض المزمنة خلال فترة الحرب، في محاولة لاحتواء الأزمة.

لكن على الأرض، تبدو الفجوة واضحة بين السياسات المعلنة والواقع اليومي، فكثير من النازحين لا يحصلون على متابعة طبية منتظمة، في حين تبقى الأدوية الأساسية شحيحة، خصوصا لمرضى الأمراض المزمنة وكبار السن.

وبين الوعود الرسمية والجهود الإنسانية، يبقى المرضى النازحون عالقين في منطقة رمادية، حيث يتحول الدواء إلى مطلب يومي، والرعاية الصحية إلى معركة في حد ذاتها. وفي بلد يرزح تحت أزمات متراكمة، يبدو أن الحرب لم تضف أزمة جديدة فحسب، بل كشفت عمق الهشاشة التي يعيشها نظامه الصحي، ووضعت آلاف المرضى أمام اختبار البقاء يوما بيوم.

مصدر الصورة متطوعة في مستوصف تعاين شابة نازحة (الجزيرة)

متطوعة ترتب الأدوية المتوفرة في مستوصف داخل مركز إيواء (الجزيرة)

عيادة متنقلة لمنظمة أطباء بلا حدود (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا