في الوقت الذي تتصدر فيه الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران المشهد، تسجل الأرقام القادمة من قطاع غزة فصلا جديدا من الإبادة الممنهجة التي تجري في الظل.
وبينما يحبس العالم أنفاسه ترقبا لانفجار إقليمي شامل، ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي في غزة إلى أرقام غير مسبوقة، وسط خروقات ميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار حوّلت مناطق "الانسحاب المفترض" إلى ثكنات عسكرية دائمة.
هذا التقرير يرصد كيف وظَّفت إسرائيل، الحرب على إيران، كـ"غطاء نار" لترسيخ احتلال هيكلي طويل الأمد، يهدد مستقبل قطاع غزة، ويضع سكانه أمام استحقاقات مصيرية تُنفَّذ في صمت مطبق.
بعيدا عن العناوين العريضة للحروب الإقليمية، تتحدث الأرقام في قطاع غزة عن واقع كارثي مستمر، إذ تشير الإحصاءات الميدانية الصادرة، اليوم السبت، عن ارتفاع حصيلة الإبادة التي ترتكبها إسرائيل منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 72 ألفا و268 شهيدا، في حين بلغ عدد المصابين 171 ألفا و995، وفقا لوزارة الصحة الفلسطينية بقطاع غزة.
ووفقا للبيان الإحصائي للوزارة، استقبلت مستشفيات القطاع خلال الساعات الـ48 الماضية شهيدا جديدا و19 مصابا، لتعلن بذلك ارتفاع حصيلة الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى 692 شهيدا و1895 مصابا.
ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري نظريا، ترتكب إسرائيل خروقات يومية بالقصف وإطلاق النيران مما يسفر عن سقوط ضحايا بين قتلى ومصابين.
كما أفادت الوزارة بأن إجمالي حالات الانتشال بلغ 756 منذ وقف إطلاق النار الساري منذ أشهر، لتبلغ الإحصائية التراكمية منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 72 ألفا و268 شهيدا و171 ألفا و995 مصابا.
ويرى أستاذ العلوم السياسية أيمن البراسنة الوضع الراهن في قطاع غزة بأنه "انهيار صامت" لاتفاق وقف إطلاق النار، فبينما كان من المفترض أن نكون في مرحلة حاسمة لمناقشة الانسحاب وترتيب الوضع الأمني، تحولت التهدئة إلى غطاء لترسيخ الاحتلال.
ويقول البراسنة -في حديثه للجزيرة نت- إن استمرار الغارات الجوية والضربات المتفرقة رغم "الهدوء الظاهري" يؤكد أن إسرائيل تمارس استنزافا أمنيا يجعل السكان في حالة رعب دائم، ويجمد أي أفق لإعادة الإعمار.
وفي الوقت الذي ينشغل فيه المجتمع الدولي بـ"قواعد الاشتباك" مع إيران، كشفت صحيفة هآرتس العبرية، الخميس، عن مخطط لتكريس الوجود العسكري الدائم داخل القطاع عبر ما يسمى " الخط الأصفر".
وتحوّل هذا الخط من "ترتيب مؤقت" إلى واقع ميداني ثابت، إذ عزز جيش الاحتلال الإسرائيلي وجوده عبر إقامة 32 موقعا عسكريا وبناء حاجز بري بطول 17 كيلومترا.
وعلى الأرض، أنشأ الجيش الإسرائيلي بؤرا استيطانية تحت مسمى مواقع عسكرية جديدة على طول الخط، ونفذ أعمال بنية تحتية، ونقل معدات ومرافق، وفقا للصحيفة.
وفي سياق التغيير الديموغرافي، بات هذا الخط يشكل محورا لفصل الشمال عن الجنوب ومنع عودة النازحين، وقد تسبب الوجود العسكري المكثف بمقتل أكثر من 200 فلسطيني في محيطه مؤخرا، إذ تُعتبر المنطقة المحيطة بالخط منطقة إطلاق نار نشطة، مع استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي ونيران الأسلحة الخفيفة.
وفي الوقت نفسه، ينفذ الجيش الإسرائيلي مشروعا هندسيا واسع النطاق شمل بناء حاجز أرضي يمتد لكيلومترات عديدة على طول الخط ليضع أكثر من نصف القطاع في يد الجيش الإسرائيلي، ولا توجد حاليا آلية مفصلة تنظم الانسحاب منه.
وحسمت تصريحات وزير الدفاع يسرائيل كاتس في 17 فبراير/شباط الجدل، إذ أكد أن إسرائيل لن تتحرك من هذا الخط "بمليمتر واحد"، مما يعني تحويل جزء من قطاع غزة إلى ثكنة عسكرية دائمة تحت ذريعة " نزع السلاح".
ويعكس سلوك الجيش أيضا إعلانا لرئيس الأركان إيال زامير، الذي قال خلال زيارة للقطاع قبل أشهر: "إن الخط الأصفر في غزة هو خط الحدود الجديد، وخط دفاعي أمامي للبلدات الحدودية في غزة، وخط هجوم للجيش الإسرائيلي".
ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بنى الجيش الإسرائيلي 7 بؤر استيطانية جديدة على طول الخط، وفي 5 بؤر تابعة للجيش في غزة، تمت تغطية الأرض بالأسفلت، مما يسمح بنشاط عملياتي طويل الأمد.
وبينما كان يُعتبر هذا الخط اقتراحا مؤقتا، فإنه بعد مرور أكثر من 5 أشهر منذ نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خطته لإنهاء الحرب وتحديد مراحل انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي، بدأ جيش الاحتلال عمليا بفرض قبضته على المنطقة.
وتقع العديد من البؤر وسط أنقاض المناطق الزراعية والسكنية السابقة، إذ بُنيت اثنتان منها في مواقع كانت تضم مساجد قبل الحرب، وأخرى تقع فوق مقبرة دُمِّرت أثناء القتال، كما تجري أعمال تجريف في منطقة الشجاعية حيث كانت توجد مقبرة سابقا.
وفي الأشهر الأخيرة، قال مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إن العديد من القتلى كانوا مدنيين غير متورطين، تعرضوا لإطلاق النار أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم، وإن المدنيين يخاطرون بعبور الخط الأصفر عن غير قصد ودخول خط النار، لأنه غير محدد بوضوح على الأرض ويتغير بشكل متكرر.
ويقول البراسنة للجزيرة نت إن الأخطر من القصف هو "سياسة الاختناق الممنهج"، فإغلاق المعابر ومنع دخول الغذاء ليس مجرد نقص في الإمدادات، بل هو سلاح إستراتيجي لفرض تنازلات سياسية وتكريس واقع ديموغرافي جديد، في ظل تحوّل غزة لـ"قضية منسية".
ولم يقتصر التوظيف الإسرائيلي لصراع الإقليم على الجوانب العسكرية فحسب، بل امتد ليشمل "تغطية سياسية ورقابية" سمحت بتمرير أكثر المخططات تطرفا في غزة والضفة الغربية بعيدا عن ضوء الكاميرات.
وفي هذا السياق، حذر القيادي الفلسطيني مصطفى البرغوثي، اليوم السبت، من استغلال إسرائيل انشغال العالم بالحرب على إيران لتكثيف انتهاكاتها بالأراضي الفلسطينية، بما يشمل القتل والتنكيل والسعي لتمرير قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين في السجون.
وأضاف البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، أن الاحتلال الإسرائيلي يستغل انشغال وسائل الإعلام بالحرب الدائرة لتكثيف انتهاكاته في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأوضح البرغوثي أن ذلك يتجلى في تصعيد اعتداءات المستوطنين، واقتحامات الجيش للمدن والقرى في الضفة الغربية، إلى جانب مواصلة عمليات القصف في قطاع غزة.
ويرى المحلل المختص بالشأن الفلسطيني أحمد فهيم أن حجم تأثير الحرب على إيران يتجاوز الجانب العسكري إلى الجانب "الرقابي"، وبينما ينشغل العالم بمراقبة مسارات الصواريخ الباليستية، يجد اليمين المتطرف فرصة ذهبية لتصفية حساباته التاريخية مع مؤسسات دولية كـ" الأونروا".
وفي حديثه للجزيرة نت، يقول فهيم إن إسرائيل قامت بتحويل مسار المفاوضات من "مطلب دولي" إلى "ورقة ثانوية" في مهب الريح الإقليمية.
مشيرا إلى أن الإستراتيجية الإسرائيلية الحالية تعتمد مقايضة صامتة مع القوى الكبرى: "نحن نضبط النفس تجاه طهران، مقابل يد طليقة في غزة". هذا يفسر لماذا لم تعد الدول العربية تملك أوراق ضغط فعالة، فالانقسام الإقليمي والخوف من حرب شاملة جعل الدفاع عن غزة يتراجع أمام هاجس الحفاظ على توازن القوى الإقليمي.
ويرى الخبير أن ما يجري حاليا هو تنفيذ هادئ لما يعرف بـ" خطة الجنرالات"، التي انتقلت من أروقة التخطيط إلى واقع التثبيت الميداني، فإسرائيل لا تنتظر اتفاقات سياسية لإقرار الواقع الديموغرافي، بل تصنعه بالجرافات والأسمنت والأسلاك الشائكة، مستغلة انشغال المجتمع الدولي لإدراج "الخط الأصفر" كحدود دائمة وفرض "اليوم التالي" كأمر واقع مرتبط بذريعة "نزع السلاح".
ولا يتوقف الاستغلال الإسرائيلي عند حدود الجغرافيا، بل يمتد ليمس مصير آلاف الأسرى الفلسطينيين، حيث حذر البرغوثي من أن أخطر ما يجري حاليا هو التعتيم الإعلامي المتعمد لتمرير "قانون إعدام الأسرى".
ويأتي هذا التحذير بعد أن أقرت لجنة الأمن القومي في الكنيست، الثلاثاء الماضي، مشروع القانون بعد إجراء تعديلات غامضة عليه، ونقله للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة اللازمتين لإقراره نهائيا.
وفي ظل التحفظ الإسرائيلي على طبيعة التعديلات الأخيرة، تتصاعد المخاوف حول مصير مئات الأسرى، خاصة أن هذا التصعيد التشريعي يتزامن مع تقارير عن تصاعد القمع والتنكيل الممنهج داخل السجون، في محاولة لفرض واقع قانوني وانتقامي جديد استغلالا لانشغال العالم بساحات المواجهة الإقليمية.
ويقول البراسنة إن القانون يتجاوز مجرد "انتهاكات عابرة" ويضعنا أمام مرحلة "مأسسة القتل المنهجي"، وتكمن خطورة إقرار قانون إعدام الأسرى في هذا التوقيت تكمن في كونه الركيزة الأخيرة لنظام (التمييز العنصري) الذي تنتهجه إسرائيل، فالمختلف اليوم ليس حجم العنف، بل إن إسرائيل انتقلت من ممارسة التعذيب والتجويع كـ"أدوات ميدانية" إلى وضعها في إطار تشريعي وقانوني ملزم.
هذا التطور -بحسب البراسنة- يمثل كارثة إنسانية بكل المقاييس، فتشريع القتل يعني تجريد الأسير الفلسطيني من حقه الأساسي في الحياة بقرار قانوني يحصّن القاتل، والمؤكد اليوم أن إسرائيل تستغل انشغال العالم بساحات الإقليم لتمرير هذا التحول الخطير الذي يناقض كافة القيم القانونية والأخلاقية الدولية. ويمثل تمرير هكذا قانون "إعلان إعدام جماعي" لآلاف الفلسطينيين، وهو ما يتطلب تدخلا دوليا عاجلا لوقف "تقنين الإبادة" قبل أن تتحول المقاصل إلى واقع يومي يحميه القانون الإسرائيلي، وفقا لحديثه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة