في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم يكن رحيل أحمد قعبور حدثا عابرا، بل بدا كأن صوتا عاليا انخفض فجأة في ذاكرة العرب. في بيروت، احتشد آلاف المشيعين في وداع مهيب، وجوه متعبة لكنها ممتلئة بالامتنان. ارتفعت الأعلام الفلسطينية إلى جانب اللبنانية، وتداخل البكاء مع همس جماعي يردد "أناديكم.. وأشد على أياديكم".
لم يكن المشهد جنازة تقليدية، بل لحظة اعتراف جماعي بفنان عاش بينهم وغنى لهم. سار النعش على وقع صوته، وكأن الأغنية نفسها تقوده، لا تغيب بل تعلو فوق الغياب، وبدا الوداع وكأنه استمرار لأغنيته لا نهايتها.
منذ بداياته لم يكن أحمد قعبور صوتا عاديا، في منتصف السبعينيات، التقط كلمات الشاعر توفيق زياد وحولها إلى "أناديكم"، دون أن يدرك أنها ستصبح نشيدا محفورا في الوجدان العربي.
لم تكن الأغنية مجرد عمل فني، بل وعدا بالصمود، وجسرا عاطفيا يربط الشعوب بقضيتها.
حتى محمود درويش ظن في لحظة أن هذا الصوت فلسطيني، قبل أن يكتشف أنه لبناني حمل فلسطين في حنجرته.
كان قعبور يغني من داخل الناس ومن تفاصيلهم اليومية، من خوفهم وأحلامهم، لذلك بدت أغانيه وكأنها تخرج من المستمع نفسه.
"يا رايح صوب بلادي" لم تكن مجرد حنين، بل كانت مرآة لفقدان الوطن، و"يا نبض الضفة" تحولت إلى نبض حي لقضية لم تهدأ.
بعد رحيله، عاد صوته من مكان بعيد في غزة، حيث تضيق الحياة تحت الحرب، وقف أطفال صغار يغنون "أناديكم". لم يكن ذلك أداء فنيا، بل استجابة عفوية لنداء قديم.
أطفال لم يعرفوا الرجل، لكنهم عرفوا صوته. غنوا كما لو أنهم يجيبونه، وكأن المسافة بين بيروت وغزة اختصرت في جملة موسيقية واحدة.
بدا المشهد موجعا وجميلا في آن، كأن الصوت الذي خرج يوما من قلب فنان، عاد ليعيش في قلوب أخرى.
في ثمانينيات الحرب على لبنان، لم يختر قعبور الصمت. لم يحمل سلاحا، بل اختار أن يقاوم بالأغنية. لحّن "بيروت يا بيروت"، وغناها لأطفال دار الأيتام، ليمنحهم شيئا من الأمل وسط الدمار.
كان يؤمن بأن الفن ليس ترفا، بل ضرورة، وأن الأغنية قد تكون درعا نفسيا يحمي الإنسان من الانكسار.
لم يغن للبطولة بمعناها التقليدي، بل للإنسان في ضعفه وقوته، لذلك بدت أعماله بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة كحياة كاملة.
امتدت تجربة قعبور إلى عالم الطفولة، حيث قدم مئات الأعمال ضمن "مسرح الدمى اللبناني". هناك، صنع عالما أقل قسوة، وزرع الفرح في وجوه صغيرة ربما لم تعرف سوى القليل من الطمأنينة.
المفارقة التي ميزته أنه جمع بين صوت الثورة وصوت الطفل. كان يغني للمخيم، ثم يغني للطفل نفسه، كأنه يحاول أن يحمي البراءة من قسوة العالم.
لم يكن أحمد قعبور نجما تجاريا، ولم تتصدر أغانيه قوائم الانتشار، لكنه كان حاضرا في مكان آخر.. في الذاكرة، في الهتافات، في لحظات الانكسار، وفي الأغاني التي تُغنى بلا مناسبة.
نال ما هو أعمق من الشهرة، نال محبة الناس وكان صوته يشبههم، ولذلك بقي بينهم.
اليوم، رحل الجسد، لكن الصوت لم يرحل، "أناديكم" لا تزال تتردد، لا كذكرى، بل كحياة مستمرة.
ربما لم يسمع قعبور كل من لبّى نداءه، لكن المؤكد أن صوته لم يضع. بقي أكبر من الزمن، وأعمق من الغياب، وكأن صاحبه لم يغادر، بل اختار أن يبقى حيث كان دائما.. بين الناس.
المصدر:
الجزيرة