نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية تحليلاً تناول حالة الشك العميق التي تبديها دول الخليج تجاه الأنباء عن محادثات أمريكية-إيرانية لوقف الحرب، معتبرة أن هذا التردد يعكس فقدان الثقة في نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخشية من أن تكون دعوات السلام مجرد غطاء لتصعيد عسكري جديد.
وأشارت الصحيفة إلى أن قطر سارعت، في خطوة غير معتادة، إلى النأي بنفسها عن هذه المفاوضات المزعومة، حيث أكد المتحدث باسم الحكومة القطرية ماجد الأنصاري أن الدوحة لا تشارك في أي جهود وساطة، مضيفًا: "إذا كانت هذه المحادثات موجودة أصلًا".
بهذا الموقف، تبتعد قطر عن دورها المعهود كعرّاب للمفاوضات الصعبة. فالدولة التي استثمرت في الوساطة كأداة نفوذ استراتيجي في صراعات كبرى، بدءاً من غزة وحتى كابول والخرطوم، تتبنى اليوم مقاربة مختلفة تكسر النمط الذي اعتدناه في سياستها الدولية.
لكن، وبحسب التحليل، فإن دول الخليج، وعلى مدى الأسابيع الماضية، لم تعد في موقع الوسيط، بل وجدت نفسها في قلب المواجهة، بعد أن تجاهلت الولايات المتحدة جهودها السابقة لمنع اندلاع الحرب.
فخلال مفاوضات كانت تهدف إلى الحد من البرنامج النووي الإيراني برعاية سلطنة عمان، نفذت واشنطن ضربات عسكرية ضد إيران، ما أدى إلى انهيار المحادثات، في يونيو 2025. وتكرر السيناريو ذاته في جولة جديدة خلال فبراير الماضي، حين بدأت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، قصف طهران قبل استكمال المسار التفاوضي.
ومنذ اندلاع الحرب، تكبدت دول الخليج خسائر كبيرة، إذ اضطرت إلى إنفاق مليارات الدولارات للتصدي لهجمات يومية بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ما أثر بشكل مباشر على اقتصاداتها وأمنها.
ويعزو مراقبون فتور حماس هذه الدول تجاه مساعي الهدنة إلى مزيج من فاتورة الخسائر الباهظة وفقدان الثقة في الدور الأمريكي، إذ تسود قناعة بأن طروحات التهدئة ليست سوى "مناورة سياسية" أو غطاءً لتمهيد الأرضية لجولة تصعيد أكثر حدة.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي بلال صعب إن دول الخليج "تعرضت لخيبة أمل سابقة"، بعدما اعتقدت أن جهودها في الوساطة ستؤدي إلى نتائج، قبل أن تكتشف أنها لم تحقق شيئًا يُذكر، مشيرًا إلى أن هذه التجربة، إلى جانب تعرضها لهجمات مباشرة، خلقت حالة من الإحباط أثرت على استعدادها للعب دور الوسيط مجددًا.
كما لفت تحليل الصحيفة البريطانية إلى أن الغموض الذي يحيط بالمحادثات الحالية، وعدم وضوح الجهة التي تتفاوض معها الولايات المتحدة داخل إيران، يزيد من حذر دول الخليج، خاصة في ظل تغييرات داخل هرم السلطة الإيرانية عقب اغتيال عدد من كبار المسؤولين، وبقاء المرشد الجديد مجتبى خامنئي بعيدًا عن الظهور العلني.
وبحلول مساء الأربعاء، رفضت إيران خطة أمريكية من 15 بندًا لإنهاء الحرب، نُقلت إليها عبر وسطاء باكستانيين، ووصفتها بأنها "غير معقولة للغاية"، مقدمةً في المقابل مقترحًا مختلفًا بشكل جذري.
كما عبّرت مصادر دبلوماسية إيرانية عن شكوك مماثلة، مشيرة إلى أن التجارب السابقة أظهرت استخدام المفاوضات كغطاء لتنفيذ عمليات عسكرية واغتيالات، ما أدى إلى تآكل الثقة بشكل كبير.
من جهته، قال الباحث بدر السيف إن دول الخليج باتت تنظر إلى مصطلح "المفاوضات" في ظل إدارة ترامب باعتباره مرتبطًا بالحرب، معتبرًا أن أسلوب الرئيس الأمريكي في التفاوض يتسم بالغموض والتقلب، في وقت لا تزال فيه الأوضاع شديدة الهشاشة.
ورغم هذا الحذر، شدد على أن دول الخليج تدرك أهمية المشاركة في أي مفاوضات حقيقية، نظرًا لتأثيرها المباشر على مستقبلها الأمني والاقتصادي.
ويُنظر إلى احتمال انتهاء الحرب مع بقاء النظام الإيراني الحالي، القريب جغرافيًا من دول الخليج، كتهديد استراتيجي، خاصة إذا خرج أكثر تشددًا وقدرة على استخدام ترسانته الصاروخية والمسيّرات التي أثبتت فعاليتها في استهداف منشآت حيوية.
كما تظل سيطرة إيران على مضيق هرمز مصدر قلق كبير، نظرًا لأهميته في مرور صادرات النفط والغاز الخليجية إلى الأسواق العالمية.
في المقابل، يحذر التحليل من أن استمرار الحرب لفترة طويلة بهدف تغيير النظام قد يستنزف اقتصادات الخليج ويعرض بنيتها التحتية الحيوية للخطر، فضلًا عن احتمال اندلاع صراعات داخلية عبر تفعيل جماعات موالية لإيران داخل المنطقة.
ودعا السيف دول الخليج إلى عدم الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، بل العمل على فتح قنوات تفاوض مباشرة مع إيران لحماية مصالحها، مؤكدًا أن "هذه ليست حربها"، وأن تقليل تداعياتها يجب أن يكون أولوية.
كما أشار إلى أن باكستان قد تكون موقعًا مناسبًا لاستضافة المحادثات، بحكم علاقاتها مع دول الخليج، رغم وجود شكوك بشأن قدرتها على ممارسة نفوذ حقيقي مقارنة بدول مثل قطر والإمارات.
من جانبه، اعتبر الباحث أليكس فاتانكا أنه لا يوجد ما يضمن أن تضع واشنطن مصالح دول الخليج في صدارة أولوياتها خلال أي مفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران من غير المرجح أن تتخلى عن قدراتها الصاروخية التي تمنحها نفوذًا مهمًا.
وأضاف أن دول الخليج قد تجد نفسها مرة أخرى ضحية لتقلبات السياسة الأمريكية، مرجحًا أن تضطر في نهاية المطاف إلى رسم مسارها الخاص في التعامل مع طهران، كما فعلت قبل اندلاع الحرب.
وختم بالقول إن الموقع الجغرافي لدول الخليج يجعلها في قلب المواجهة بشكل دائم، مضيفًا أن هذه الدول، بمجرد توقف القتال، ستجد نفسها أمام السؤال التالي: كيف يمكن التعامل مع إيران ودفعها نحو مسار مختلف يضمن الاستقرار في المنطقة.
المصدر:
يورو نيوز