في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
جنين- في ثاني أيام عيد الفطر، وبينما كان الفلسطينيون في بلدة الفندقومية جنوب مدينة جنين، شمال الضفة الغربية، يحاولون اقتناص لحظات عابرة من الفرح، كانت عيون المستوطنين ترقُبهم وتمهد لجريمة جديدة.
من مستوطنة حومِش، التي لا تبعد عن منازل المواطنين سوى نحو كيلومتر واحد، اندفع أكثر من 200 مستوطن إلى المنطقة الجنوبية من البلدة، في هجومٍ بدد أجواء العيد وحولها إلى حالة من الخوف والارتباك.
وبينما كان حسن الزعبي وعائلته في زيارة عائلية مساء ثاني أيام العيد، وقبيل انتصاف الليل بقليل، تلقى اتصالا غير مجرى حياته "المستوطنون حرقوا بيتك". كانت تلك الكلمات القليلة كفيلة بإنهاء فرحة العيد، وقلب مسار حياة العائلة رأسا على عقب.
صعد المستوطنون إلى سطح المنزل، ونزعوا جزءا من سقف القرميد، ثم ألقوا بفراش مشتعل داخل إحدى الغرف، مما أدى إلى احتراق المنزل من الداخل بالكامل وانفجار النوافذ الزجاجية من شدة الحرارة.
وقف الزعبي في منزله الذي تحول إلى رماد، يتفحص بأسى ما خلفته نيران المستوطنين، وتساءل عن كيفية تجاوز هذه الخسارة، خاصة أنه لا يعمل، وبالكاد يوفر قوت أطفاله.
ويصف الاعتداء بأنه "محاولة قتل متعمدة"، مضيفا -في حديثه للجزيرة نت- أن "عناية الله حالت دون وقوع كارثة (…) المستوطنون أضرموا النار وهم يدركون احتمالية وجود سكان نائمين في الداخل، خاصة أن الاعتداء وقع قبيل منتصف الليل بقليل، وهو وقت الخلود إلى النوم".
تعيش عائلة الزعبي اليوم حالة من التشتت والضياع، فمع فقدان منزلهم ومكان استقرارهم، اضطروا للبحث عن مأوى بديل؛ حيث تقيم زوجته وأطفاله في منزل أهلها، في حين لجأ هو إلى بيت عائلته.
تسبب الاعتداء للعائلة في فقدان عميق للشعور بالأمان "حتى في حال ترميم المنزل، سنظل نعيش في حالة من الرعب والخوف الدائم من عودة المستوطنين" يضيف الزعبي، مطالبا بالحد الأدنى من الحماية.
على بُعد أمتار قليلة من منزل حسن، يقع منزل قريبه إبراهيم الزعبي، الذي تعرض أيضا لاعتداء متزامن. فبينما كان يجلس مع زوجته ويشاهدان التلفاز، انكسر سكون الليل فجأة على صوت تحطيم عنيف للزجاج، بعدما هاجم مستوطنون نوافذ المنزل وشرعوا في تكسيرها، قبل أن يطال الاعتداء مركبته أسفل شرفة المنزل بإضرام النيران فيها ثم إلقاء زجاجات حارقة داخل المنزل، مما أدى إلى اشتعال النيران في أثاثه.
يقول إبراهيم الزعبي للجزيرة نت "اندفعت إلى الخارج لإخماد الحريق في السيارة، ولم أكن أعلم أن المكان يعج بالمستوطنين الذين تجاوز عددهم 200".
وفي حين كان الرجل خارج المنزل، بقيت زوجته تحاول إخماد النيران داخله. وفي خضم الفوضى، اكتشف إبراهيم حريق منزل قريبه حسن، فتوجه لتفقده واستدعاء الأهالي للمساعدة، وخلال تلك اللحظات، نقلت طواقم الإسعاف زوجته بعد إصابتها بالاختناق، دون أن يعلم بذلك إلا لاحقا.
المسافة التي تفصل منازل المواطنين عن مستوطنة "حومش" التي عاد لها المستوطنون بعد نحو عقدين من إخلائها عام 2005، تلاشت بشكل كبير، فبعد أن كانت تبعد نحو 2 إلى 3 كيلومترات، قام المستوطنون بوضع بيوت متنقلة (كرفانات) زحفت باتجاه البلدة، لتصبح المسافة حاليا لا تتجاوز الكيلومتر الواحد، مما جعل منازلهم هدفا سهلا ومباشرا للاعتداءات المتكررة.
بدوره، يشير رئيس مجلس محلي قرية الفندقومية رفعت قرارية إلى تعرض القرية -تحديدا منطقة "الجبل" فيها- لهجمات واسعة ومنظمة من مجموعات المستوطنين، نظرا لقربها من المستوطنة، مؤكدا أن الهجوم "غير مبرر ويستهدف ترويع السكان الآمنين في منازلهم".
وعن حجم الضرر، قال قرارية إنه أسفر عن خسائر مادية فادحة حيث تم إحراق منزل واحد بشكل كامل حتى أتت النيران على كافة محتوياته، بينما تعرضت 3 منازل أخرى لحرائق جزئية وأضرار متفاوتة في هجوم العيد.
وعلى صعيد المركبات، قال رئيس مجلس محلي قرية الفندقومية إن المستوطنين أحرقوا 4 مركبات للمواطنين، منها مركبة دُمرت كليا بفعل النيران، و3 مركبات أخرى تضررت جزئيا، إضافة إلى تحطيم واسع لنوافذ وزجاج عدد من المنازل الأخرى في المنطقة.
في ظل انعدام وجود أي وسائل للدفاع عن النفس، يروي رفعت كيف هبّ مئات المواطنين من كافة أنحاء الفندقومية فور وقوع الاعتداء نحو "منطقة الجبل" لمساندة السكان العزل والتصدي للمستوطنين بصدورهم العارية، مؤكدا أن "هذه الوسيلة الوحيدة التي يمتلكها السكان في مواجهة اعتداءات المستوطنين".
يؤكد قرارية أن هذا الاعتداء "ليس حدثا معزولا، بل هو حلقة في سلسلة من الهجمات المستمرة، إذ شهدت المنطقة قبل نحو عامين اعتداء مماثلا تم خلاله تحطيم أحد المنازل وإحراق مركبة لمواطن في المنطقة ذاتها (…) وتيرة الاعتداءات تصاعدت بشكل حاد ومكثف بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023".
وتحاذي بلدة الفندقومية من الجهتين الجنوبية والشمالية مستوطنتي "حومش" و"ترسلة" (المعروفة بمعسكر صانور)، اللتين كانتا خاليتين حتى عام 2023. بيد أن قرار سلطات الاحتلال بإلغاء ما يسمى بـ"قانون فك الارتباط" شرّع عودة المستوطنين إليها، وأعاد خطرهم إلى أهالي البلدة.
ورغم أن محافظة جنين ظلت لسنوات توصف بأنها المحافظة الوحيدة "الخالية من المستوطنات القائمة" بعد إخلاء 4 مستوطنات عام 2005، فإن هذا الواقع شهد تحولا جذريا بعد حرب الإبادة في قطاع غزة.
وكشف قرارية عن توسع استيطاني "مخيف"، حيث زادت مساحة مستوطنة "حومش" من 700 دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) لتصل حاليا إلى ما بين 1500 و2000 دونم، لتصادر وتخنق أراضي القرى المجاورة مثل "بيت إمرين" و"برقة" و"جبع"، مبينا أن المنازل المستهدفة تقع ضمن تصنيفات أراض يخضع بعضها جزئيا ل لسلطة الفلسطينية "ب" والجزء الآخر لسيطرة الاحتلال.
وفي سياق التحركات الرسمية وتعزيز صمود المواطنين في مواجهة هجمات المستوطنين ذكر قرارية أن المجلس القروي والأهالي شكلوا "لجان حماية شعبية" لصد أي هجمات مستقبلية.
وأشار إلى بدء المجلس المحلي في إجراءات عملية لتعزيز صمود السكان من خلال توزيع طفايات حريق يدوية وتوفير سواتر حديدية لحماية نوافذ وأبواب المنازل المعرضة للاستهداف، في محاولة للحد من آثار الهجمات القادمة.
وبينما يتجاهل الاحتلال جرائم المستوطنين بعدم ملاحقة واعتقال المعتدين، فضلا عن تنكره لتعويض الفلسطينيين عن خسائرهم في ممتلكاتهم، يوضح مسؤول منطقة وسط الضفة في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الحكومية الفلسطينية صلاح الخواجا أن الجهة المسؤولة عن التعويض فلسطينيا تختلف بحسب نوع الضرر.
وأضاف في حديثه -للجزيرة نت- أن الهيئة تقدم المساعدة في حالات هدم البيوت أو المنشآت الزراعية، وكذلك في حرق المنازل والمركبات، أما الأضرار الزراعية، فتقع مسؤولية التعويض عنها على وزارة الزراعة التي تدير برنامجا مخصصا لذلك، ضمن الإمكانات المتاحة التي ربما لا تغطي كل الخسائر.
وذكر أن الهيئة تعتمد على الشراكات والتنسيق مع مؤسسات دولية ومنظمات مجتمع مدني لتوفير أكبر قدر ممكن من الدعم والمساعدات للفلسطينيين المتضررين.
ويشير الخواجا إلى أن الحصار المالي على المؤسسات الرسمية الفلسطينية يجعل عملية التعويض تستغرق وقتا طويلا في بعض الحالات.
وتؤثر الاعتداءات المتكررة وغياب التعويضات الكاملة بشكل كبير على حياة الفلسطينيين اليومية واستقرارهم الاجتماعي والنفسي، وفق المسؤول الفلسطيني الذي لفت إلى الحاجة لوضع خطة وإستراتيجية وطنية شاملة لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، مع تأكيده أن "كل الدعم والمساعدات لا يمكن أن يعوض عن فقدان الأرواح".
تزامنت اعتداءات وهجمات المستوطنين على الفندقومية مع سلسلة هجمات متفرقة في مناطق متعددة، إذ أكدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية تشهد تصاعدا "خطيرا ومتسارعا"، مشيرة إلى أن هجماتهم استهدفت 21 بلدة خلال يومين بشكل متزامن، وأسفرت عن إصابة 19 فلسطينيا.
وتأتي هذه الموجة من الاعتداءات في ظل تصعيد استيطاني غير مسبوق تشهده الضفة الغربية منذ بدء حرب الإبادة على غزة، حيث تفيد تقارير الهيئة بتسجيل نحو 7700 اعتداء للمستوطنين بالضفة، منها نحو 680 اعتداء بالحرق خلال عامي 2024 و2025.
وخلال فبراير/شباط الماضي فقط، نفذ المستوطنون 511 اعتداء بالضفة، بينما قُتل 7 فلسطينيين برصاص المستوطنين منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، وفق معطيات الهيئة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة