في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بينما يهيمن صخب الحرب الإيرانية على الإعلام العربي والدولي، وتنشغل العواصم الكبرى بمآلات المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل و الولايات المتحدة و إيران، كانت آلة التغيير الديمغرافي والقانوني الإسرائيلية تعمل في "الظل" وبسرعة غير مسبوقة في الضفة الغربية المحتلة.
ومثلت الظروف الأمنية المتسارعة، غطاء لإسرائيل لتمرير سلسلة من التغييرات التشريعية والإدارية في الضفة الغربية و القدس المحتلّتين تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض بما يخدم طموحاتها الاستيطانية ويحقق مصالحها السياسية، ويطمس أي أفق سياسي لإقامة دولة فلسطينية.
ومع مرور الوقت، لم تعد المواجهة مع إيران بالنسبة لحكومة اليمين المتطرف في تل أبيب مجرد تحدٍّ أمني، بل تحولت إلى ما وصفه "المجلس الأطلسي" في رؤيته لعام 2026 بـ"الفرصة الجيوسياسية"، ما يسمح بإعادة صياغة الواقع الإقليمي، وفي قلبه تصفية القضية الفلسطينية عبر "انقلاب تشريعي صامت" ينهي عمليا أي أمل في إقامة دولة فلسطينية مستقبلا.
وفي فبراير/شباط 2026، صدّقت الحكومة الإسرائيلية -لأول مرة منذ 1967- على تسجيل مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية كـ"أراض دولة"، ما يمهّد لتغيير القانون الإداري وتقييد الحماية القانونية للأراضي الفلسطينية، وتعتبر هذه الخطوة التاريخية -بحسب مراقبين- تمهيدا عمليا لضم أجزاء واسعة من الضفة بتغطية قانونية جديدة، وتقويض الحقوق الملكية للفلسطينيين.
إضافة إلى ذلك، شملت قرارات المجلس الوزاري المصغر " الكابينت" الإسرائيلي في نفس الشهر إلغاء القانون الساري في الضفة منذ العهد الأردني والذي كان يمنع المستوطنين من شراء الأراضي في الضفة.
هذا بالإضافة إلى نقل صلاحيات الإدارة المدنية الفلسطينية إلى سلطات الاحتلال، مما ساهم في تفكيك البُنى القانونية القائمة وإعادة دمج الضفة في إطار إداري إسرائيلي، واعتبر بمثابة "نافذة فرص" للمستوطنين -بحسب تقارير منظمة " السلام الآن".
على الأرض، تصاعد العنف الاستيطاني بشكل لافت، حيث انتشر آلاف المستوطنين المزودين بالأسلحة والبدلات العسكرية، لتصبح الاعتداءات ضد الفلسطينيين -من إطلاق نار إلى مصادرة أراض- حدثا شبه يومي، ما يعكس تواطؤا رسميا من إسرائيل في تعزيز سيطرة المستوطنين، -وفق تقارير منظمة " بتسيلم" الإسرائيلية.
هذا التوسع الاستيطاني لم يأتِ بمعزل عن تعطيل دور السلطة الفلسطينية وإضعاف قدرتها على أي رد فعّال. ووسط الضغوط الدولية وتحويل الاهتمام نحو الحرب في إيران، بدا المشهد الفلسطيني عاجزا عن تقديم استجابة سياسية أو شعبية جامعة توقف هذا الزحف، وفقا لما يقول مراقبون.
وفي إطار ما يسمى عملية "درع العاصمة"، هُدمت أكثر من 35 منشأة فلسطينية في قلنديا و كفر عقب لتعزيز "خط التماس" الاستيطاني، وهو ما يكشف عن إستراتيجية مزدوجة هي الاستفادة من الانشغال الدولي بالحرب في الخارج، مع تثبيت حقائق استيطانية على الأرض داخل الضفة.
ويؤكد المحلل السياسي عريب الرنتاوي، أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة كإغلاق المسجد الأقصى في رمضان وبعده، جرت دون ضجة كبيرة، مما يعزز رهان اليمين الإسرائيلي المتطرف بأن "تغييب ردّ الفعل الشعبي والفلسطيني يمكّنه من فرض تغيّرات جوهرية بتكلفة منخفضة".
وأضاف الرنتاوي، في حديثه للجزيرة نت، "بينما تترقب العيون صخب المعارك في الإقليم، تتقدم إسرائيل في الضفة الغربية والقدس بخطى ثابتة لإعادة رسم الخرائط على الأرض".
ولفت إلى أن ذلك يجري بينما تتواصل عمليات الزحف الاستيطاني والتضييق، مستكملة برنامج "الأسرلة" المكثف للقدس والضفة الغربية، في ظل دخان المعارك الممتدة من قزوين حتى شرق المتوسط.
وقال إن القضية الفلسطينية تبدو وكأنها خارج الاهتمام الفلسطيني الرسمي، فالسلطة الفلسطينية في رام الله غائبة عن المشهد، وكأنها غير موجودة وكل شيء يتم تحت سمعها وبصرها.
وردا على سؤال الجزيرة نت حول خطورة ضم الأراضي في الضفة الغربية، أوضح الرنتاوي أن إسرائيل -بالتنسيق مع إدارة ترمب– أجلت الإعلان الرسمي عن الضم لتجنب مفاجآت سياسية مع حلفائها العرب.
ولفت إلى أن الواقع على الأرض يشهد ضمّا عمليا يشمل تسجيل الأراضي، وإلغاء القوانين الأردنية، وكشف سجل الملكيات، وبناء مستوطنات في مواقع حساسة لتطويق القدس وعزل أحيائها، إلى جانب عمليات تهجير الفلسطينيين من غور الأردن لتفريغ المنطقة (ج) وإلحاقها رسميا بإسرائيل، بشكل متصاعد يوميا.
وعلى المستوى الحقوقي الدولي، أشار مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان "فولكر تورك" في تقرير صادر في 17 مارس/آذار 2026 إلى أن إسرائيل استغلت الظروف الأمنية لتسريع ما وصفه بـ"الضم غير القانوني" وتشريد أكثر من 36 ألف فلسطيني في الضفة منذ بداية العام، وهو تصعيد يرقى إلى تغيير ديمغرافي خطير ومستمر.
وأمام هذا الواقع، حذّر ملك الأردن عبد الله الثاني من أي محاولات إسرائيلية لضم الأراضي الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وشدد -خلال اتصال هاتفي مع الرئيس المصري- على ضرورة تثبيت الفلسطينيين على أرضهم، معتبرا أن تحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين هو السبيل الوحيد لضمان أمن الإقليم واستقراره.
ويعكس هذا التصريح الملكي -وفق مراقبين- موقف الأردن الرافض لأي إجراءات ضم أو تهجير، ويجسد قلقا محليا وإقليميا من أن تحويل الضفة الغربية إلى واقع إداري يخدم السيادة الإسرائيلية يثير زلازل سياسية وإستراتيجية تؤثر -ليس فقط على الفلسطينيين- بل أيضا على العلاقات بين الأردن وإسرائيل، وبالتالي على الاستقرار الإقليمي برمته.
إضافة إلى الإجراءات الميدانية، طبّقت الحكومة الإسرائيلية قيودا صارمة على المنظمات الدولية العاملة في الضفة -وفق منظمة " هيومن رايتس ووتش" لحقوق الإنسان- مما يُسهّل عمليات الهدم بعيدا عن الرقابة الدولية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة