آخر الأخبار

انتحار طالبة طب بالأردن يفتح ملف الضغوط النفسية داخل الجامعات

شارك

عمّان- "كانت فرحة وهي تسدد آخر قسط من رسوم دراستها، لكن ربنا ينتقم ممن كان سبب فنائك".. بهذه الكلمات المؤثرة، استهل والد طالبة الطب في الجامعة الأردنية روضة ضياء حديثه، مستعيدا آخر لحظات الفرح التي وثقتها ابنته بمقطع فيديو بنفسها قبل أيام قليلة.

تلك اللحظات لم تدم طويلا، إذ تحول الفرح إلى فاجعة، بعد أن أنهت الطالبة حياتها في حادثة مأساوية داخل مستشفى الجامعة الأردنية في عمان، حيث سقطت من أحد الطوابق، وفق ما أفاد به مصدر مطلع على التحقيقات للجزيرة نت، ونقل جثمانها إلى الطب الشرعي، وأرجعت الوفاة إلى مضاعفات السقوط.

وكانت روضة، الطالبة في سنتها السادسة بكلية الطب، على أعتاب التخرج، وقد أنهت مشروع تخرجها بنجاح، واستعدت لبدء مرحلة جديدة من حياتها، قبل أن تتوقف رحلتها بشكل مفاجئ، تاركة صدمة عميقة في محيطها الأكاديمي والاجتماعي.

مصدر الصورة الطالبة روضة ضياء طلبت الدعم النفسي قبل إقدامها على الانتحار (مواقع التواصل)

وفي كلمات تختصر وجع الفقد، عبر والد الراحلة عن حزنه العميق برسالة مؤثرة على حسابه على " فيسبوك"، بدت أقرب إلى مناجاة لابنته الغائبة، حيث تحدث عن اشتياقه الكبير لها، وعدم قدرته على تقبل غيابها المفاجئ. ويعود الأب ليكمل كلماته المثقلة بالحزن، مستحضرا تفاصيل ابنته التي تركتها خلفها؛ كتبها، ملابسها، صورها، وكل ما كان يملأ البيت بحضورها، متسائلا بحرقة عن غيابها الذي لم يعد يحتمل.

وفي خطوة إنسانية مؤثرة، أقدم والدها على تنفيذ وصيتها الأخيرة، من خلال التبرع بقرنيتيها، حيث زادت مشاعر الحزن عمقا بعد تداول وصية منسوبة لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت كلمات مؤثرة دعت فيها إلى عدم إقامة عزاء لها والتبرع بأعضائها، وطلبت الدعاء والمسامحة.

مصدر الصورة مبنى كلية طب في الحرم الجامعي للجامعة الأردنية (الجزيرة)

"روضة" طلبت الدعم النفسي

وبكلمات يغلب عليها الألم، روت إحدى صديقات الراحلة لـ"الجزيرة نت" ملامح من شخصيتها، مؤكدة أن "روضة" لم تكن مجرد اسم عابر، بل إنسانة تركت أثرا لا يمحى في حياة من عرفها. تقول إنها رافقتها منذ أيام الطفولة، وكانت مثالا للأخلاق والطيبة، بقلب نقي لا يعرف الإساءة، وأحلام كبيرة كانت تنتظر تحقيقها مع اقتراب تخرجها من كلية الطب في الجامعة الأردنية، واستعدادها لبدء مرحلة التخصص.

إعلان

غير أن وقع الخبر كان صادما وقاسيا، تضيف صديقتها، خاصة أن "روضة" -كما تؤكد- لم تكن بخير في الفترة الأخيرة، وكانت تسعى للحصول على دعم نفسي.

وتشير إلى أنها لجأت أكثر من مرة إلى قسم الإرشاد النفسي، إلا أنها، بحسب روايتها، لم تجد الاستجابة التي تحتاجها، بل واجهت عبارات اعتبرتها محبطة ومقللة من معاناتها، من قبيل اتهامها بالبحث عن الاهتمام، أو دعوتها لتحمل الضغوط باعتبارها على وشك أن تصبح طبيبة.

مصدر الصورة رئيس الجامعة الأردنية يؤكد للأسرة أنه سيكشف كل تفاصيل الحادث (مواقع التواصل)

حظر نشر

وفي محاولة للحصول على توضيحات رسمية، تواصلت "الجزيرة نت" مع إدارة الجامعة الأردنية وقسم الإرشاد والتأهيل، إلا أن الرد جاء مقتضبا، مؤكدين التزامهم بقرار حظر النشر الصادر عن الجهات المختصة، دون الإدلاء بأي تفاصيل إضافية حول الحادثة.

ويأتي هذا الصمت الرسمي في ظل تعميم أصدره المدير العام لهيئة الإعلام الأردنية، بشير المومني، استنادا إلى كتاب النائب العام، يقضي بحظر النشر في القضية.

وفي إطار متابعة الحادثة، توجه رئيس الجامعة الأردنية نذير عبيدات، برفقة وفد من الجامعة، إلى منزل الطالبة الراحلة، حيث قدم واجب العزاء لذويها.

وأفاد مصدر مقرب من العائلة لـ"الجزيرة نت" أن عبيدات أبلغ والد الطالبة حرص الجامعة على متابعة القضية، مؤكدا أنه سيتم تزويد العائلة بكافة المستجدات المتعلقة بتطورات الحادثة.

مصدر الصورة رئيس الجامعة الأردنية من داخل بيت العزاء (مواقع التواصل )

رسالة من معلمها

من جانبه، عبر الأكاديمي ووزير التعليم العالي الأسبق الدكتور وليد المعاني عن حزنه العميق، داعيا إلى تشكيل لجنة تحقيق محايدة، ووضع بروتوكول واضح للتعامل مع الحالات النفسية بين الطلبة، مع التأكيد على أهمية الكشف المبكر عن أعراض القلق والاكتئاب.

وأشار الدكتور المعاني، وهو أستاذ روضة في كلية الطب، إلى أن وجود مكاتب للدعم والإرشاد في الكلية أمر إيجابي، لكنه تساءل بمرارة عن مدى جاهزيتها الحقيقية للتعامل مع الأزمات النفسية العميقة، مؤكدا أن الأمر لا يقتصر على مشكلات أكاديمية أو إدارية، بل يتجاوز ذلك إلى الحاجة لدعم نفسي متخصص.

مصدر الصورة مطالبات بتفعيل الدعم النفسي في الجامعات (الجزيرة)

خدمات نفسية متواضعة

وفي سياق تفسير أوسع للظاهرة، يؤكد مستشار الطب النفسي الدكتور وليد سرحان للجزيرة نت أن الانتحار يعد من أبرز المشكلات الصحية عالميا، حيث ينهي نحو مليون شخص حياتهم سنويا في العالم، مشيرا إلى أن الأردن لا يسجل معدلات مرتفعة مقارنة بدول أخرى، إلا أن هناك مؤشرات مقلقة على تزايد الحالات، خاصة بين فئة الشباب.

كما شدد على أهمية إنشاء خطوط دعم ساخنة تعمل على مدار الساعة للاستجابة الفورية، في ظل استمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي، التي تمنع كثيرين من طلب المساعدة، نتيجة ربطه بمفاهيم خاطئة كضعف الإيمان أو الوهم.

اختصاصيون: الضغوط الدراسية تتجاوز أحيانا حدود التحصيل الأكاديمي (الجزيرة)

وفيما يتعلق بطلبة الطب، أوضح السرحان أن طبيعة الدراسة والتدريب في هذا التخصص تتسم بضغط شديد وإرهاق مستمر، في ظل غياب كاف لبرامج الدعم، إلى جانب متطلبات التدريب العملي التي غالبا ما تكون مرهقة وبدون مقابل مادي، ما يجعل هذه الفئة من الأكثر عرضة للمخاطر النفسية، بما في ذلك محاولات الانتحار التي قد يعلن عن بعضها، فيما تبقى أخرى خارج الإحصاءات الرسمية.

إعلان

ونظم طلبة في الجامعة الأردنية، اليوم الثلاثاء، وقفة أمام مجمع القاعات الصحية لقراءة الفاتحة على روح زميلتهم الراحلة، تخللها توزيع المياه والتمر عن روحها. وعبّر الطلبة عن حزنهم العميق، مطالبين إدارة الجامعة بتحسين التواصل النفسي والإرشادي مع الطلبة.

طلبة الأردنية ينظمون وقفة حداد على روح الطالبة روضة (الجزيرة)

بيئة متفوقة

وفي قراءة نفسية للظاهرة، يرى الاختصاصي النفسي الإكلينيكي ورئيس جمعية العلوم النفسية في الأردن، الدكتور عاطف القاسم، أن الضغوط الدراسية، خاصة في تخصص الطب، تتجاوز حدود التحصيل الأكاديمي لتؤثر بشكل مباشر على الصحة النفسية للطلبة.

ويوضح القاسم في حديث للجزيرة نت أن طبيعة هذا التخصص، القائمة على التنافس وكثافة المناهج، تضع الطلبة في حالة مستمرة من التوتر والقلق، ما قد يقود إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والإجهاد المزمن أو الاحتراق النفسي، لافتا إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بصعوبة الدراسة، بل أيضا بضعف التوازن النفسي ومهارات التكيف، إلى جانب بيئة تعليمية لا توفر دعما كافيا.

ويؤكد القاسم أن معالجة هذه التحديات تتطلب تعزيز خدمات الإرشاد والدعم النفسي داخل الجامعات، وتدريب الطلبة على إدارة التوتر، إضافة إلى بناء بيئة أكاديمية تشجع على طلب المساعدة دون وصمة، وتحقق توازنا بين التفوق العلمي والاستقرار النفسي.

ضغوط طلبة الطب

ومن جهته، يوضح الخبير التربوي محمد قاسم السلايطة أن ارتفاع معدلات هذه الحوادث بين طلبة الطب لا يرتبط بالضعف، بل غالبا ما يكون نتيجة لضغوط مركبة يعيشها الطلبة المتفوقون. فهؤلاء، الذين اعتادوا التفوق، قد يواجهون صدمة نفسية قاسية عند أول تعثر، في ظل نزعة للكمال ونقد ذاتي شديد.

ويشير السلايطة في حديث للجزيرة نت إلى أن البيئة التعليمية المكثفة، بما تحمله من عبء دراسي هائل وعزلة اجتماعية واحتكاك مبكر مع الألم والمرض، تسهم في إنهاك الطلبة نفسيا، خاصة مع استمرار وصمة الحديث عن الصحة النفسية، مما يدفع كثيرين إلى المعاناة بصمت.

لم تكن تلك حادثة "روضة" الأولى التي يشهدها المكان. ففي عام 2022، سجلت واقعة مؤلمة في مستشفى الجامعة الأردنية، حين رحلت الطبيبة الشابة ميرونا عصفور، وهي في بداية مسيرتها المهنية كطبيبة مقيمة في التخدير، حين ألقت بنفسها من نافذة المستشفى.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا