آخر الأخبار

هدنة “هشّة” بين كابل وإسلام آباد تربك حياة الأفغان

شارك

كابل- تتأرجّح حياة سكان العاصمة الأفغانية كابل بين الصدمة والخوف والترقُّب منذ الغارة الجوية التي استهدفت -منتصف مارس/آذار الجاري- مستشفى لإعادة تأهيل مدمني المخدرات، وأدت لمقتل نحو 400 شخص وإصابة أكثر من 200 آخرين.

وفي الأزقة الضيقة وبين الأسواق التي كانت تشهد ازدحاما كبيرا في السابق، ما زالت أصوات الانفجارات يتردد صداها في الأذهان، بينما يحاول الأهالي استعادة روتين حياتهم اليومية وسط أجواء عيد الفطر، الذي كان يفترض أن يكون موسم فرح وألفة.

وبحذر عاشت بعض الأسر فرحة عيد الفطر، التي رافقها القلق من تجدد الاشتباكات، خصوصا في الولايات الشرقية مثل كونر وبكتيكا، حيث شملت حوادث القصف الأخيرة مناطق سكنية محدودة، تاركة أثرا نفسيا ملموسا على المدنيين.

هدنة هشّة

ووسط هذه الأجواء، أعلنت أفغانستان و باكستان هدنة مؤقتة خلال العيد، في محاولة لمنح المدنيين فسحة من الأمان ولو مؤقتا، لكن هشاشة الهدنة لا تخفي أن كل يوم يحمل إمكانية لتجدد القصف، وأن أي حادث على الحدود قد يعيد البلاد إلى دائرة العنف مجددا.

في شوارع كابل، رصدت الجزيرة نت تباينا في مشاعر السكان، وفي أحد الأسواق، قال عزيز رحيمي، وهو بائع مثلجات، "أصوات الانفجارات قبل العيد كانت مرعبة. نحاول أن نعيد بعض البهجة للأطفال، لكن الخوف ما زال في القلوب".

وقال رحيم خان، وهو بائع خضراوات وفواكه، "الهدنة أتاحَت الخروج إلى السوق، لكن الحديث يظل عن الخسائر والنزوح، الناس يشعرون بأن هذا العيد ليس مثل الأعوام الماضية.

ورغم الهدنة، واصلت الأحداث الأمنية في المناطق الحدودية إلحاق الضرر بالمدنيين، وقال نائب المتحدث باسم الحكومة الأفغانية، حمد الله فطرت، للجزيرة نت "في منطقة شانبت بمديرية ناوري بولاية كونر، أدى سقوط قذيفة هاون ألقاها الجيش الباكستاني إلى استشهاد مدني وإصابة امرأة مساء أمس الأحد".

إعلان

وأضاف فطرت أن القوات الباكستانية أطلقت النار على سيارة مدنية في مديرية شكين بولاية بكتيكا، لكن ذلك لم يُسفر عن أي إصابات.

مصدر الصورة صفة الله معارج من ولاية ننغرهار روى للجزيرة نت معاناة أسرته بعد نزوحهم بسبب القصف الباكستاني (الجزيرة)

أما صفة الله معارج (36 عاما) من منطقة خوری في مديرية مهمند دره بولاية ننغرهار، فقال للجزيرة نت "لم تُقتل فقط والدتي وابن أخي، بل اضطررنا أنا وعائلتي للنزوح منذ أسبوع وقضينا العيد في مأوى غير مناسب. كنا نعيش في بيت كبير مجهز بالكامل، والآن في غرفة واحدة والمعاناة كبيرة جدا".

وأضاف تفاصيل عن حياتهم السابقة "منزلنا كان يحتوي على 22 فردا، مع بئر، ونظام سولر وكهرباء كاملة، أما الآن فنحن خمس عائلات في غرفة واحدة، ولون وجوه الكل تغير، والمعاناة كبيرة جدا".

كما قال عثمان محمد من قریة لر في مديرية برمل بولاية بكتيكا، في حديث للجزيرة نت إنهم قضوا العيد في الجبال، "بلا خيم مناسبة، والأطفال يمرضون بسبب البرد الشديد، في العام الماضي كنا نحتفل بالعيد في بيوتنا، لكن هذا العام قضيناه في ظروف صعبة جدا".

وقال أحد السكان السابقين، وقد نزح إلى مديرية أرجون بولاية بكتيكا، للجزيرة نت "لم يعد معظم أهالي القرية. نحن اضطررنا لمغادرة منازلنا وقضينا نصف رمضان والعيد تحت الخيم أو عند أقاربنا، وحتى العودة لجلب الطعام كانت صعبة بسبب التهديد المستمر".

اتهامات وخروقات

وأفاد سكان في ولايتي نورستان وكونر للجزيرة نت أن إطلاق النار من القوات الباكستانية استمر لوقت طويل، مما أسفر عن سقوط ضحايا وإعاقة عودة النازحين إلى منازلهم. وأضاف أحد السكان أن بعض المركبات التي كانت تقل نازحين استُهدفت بالقصف، مما أحدث خسائر في صفوف المدنيين.

وخلال هدنة عيد الفطر، اتهم رئيس أركان الجيش الأفغاني، فصيح الدين فطرت، الجيش الباكستاني بانتهاك وقف إطلاق النار، وقال للجزيرة نت "استمرار الهجمات الباكستانية رغم إعلان الهدنة يُظهر عدم الالتزام والخداع من جانب إسلام آباد".

وأضاف " طالبان امتنعت عن الرد لتجنُّب تفاقم الوضع وهي ملتزمة بالهدنة حتى الآن، لكن تكرار هذه الهجمات قد يجعل وقف إطلاق النار بلا معنى، وستقدّم طالبان ردا حاسما إذا استمرت الاعتداءات".

مصدر الصورة الهجمات الباكستانية الأخيرة ألقت بظلالها على الوضع في كابل تزامنا وعيد الفطر (الجزيرة)

من جهته، رأى المحلل السياسي الأفغاني، عبد الخالق لطفي، للجزيرة نت أن الهدنة، رغم أهميتها لتخفيف حدة القتال، تبقى هشة للغاية، موضحا أن أي حادث بسيط على الحدود يمكن أن يعيد التوتر إلى صراع كامل.

وأضاف "التوتر بين الجانبين يعكس تعقيدات سياسية وأمنية أعمق. هناك مصالح متضاربة بين قيادات القوات الباكستانية وحركات مسلحة محلية، وهو ما يجعل أي تهدئة مؤقتة معرضة للانهيار سريعا".

وفي ظل غياب آلية مراقبة مستقرة وموثوق بها، فإن استمرار الهدنة -في رأيه- "يتطلب قرارات سياسية أكبر من مجرد إعلان وقف مؤقت للقتال، مع وجود ضمانات من وسطاء دوليين يمكنهم التدخل فورا عند حدوث أي انتهاك".

مصدر الصورة أهالي كابل وأطفالها يحاولون تناسي حالة الخوف والقلق الناجمة عن التصعيد الباكستاني الأخير (الجزيرة)

تحديات وسط الخسائر

من جانبه، قال المحلل الأمني سيف الرحمن هاشمي للجزيرة نت إن التحدي الأكبر يكمن في حماية المدنيين على الأرض، وليس مجرد إعلان هدوء مؤقت، وإن "أي تصعيد جديد، حتى لو كان محدودا، قد يُفاقم من تداعيات النزوح والخسائر الإنسانية".

إعلان

وأضاف أن الحل لا يقتصر على وقف إطلاق النار بين القوات الرسمية، "بل يشمل ضبط المجموعات المسلحة الموجودة على الحدود، وإيجاد آليات سريعة للاستجابة للطوارئ الإنسانية، مثل تأمين طرق الوصول إلى القرى النائية ونقل النازحين بأمان".

وأردف أن استمرار الهجمات الصغيرة والمتفرقة، مثل إطلاق النار على المركبات المدنية أو القذائف العشوائية، يعكس خللا في التنسيق بين الجانبين ويهدد بتفجير النزاع مجددا، مؤكّدا أنه "دون وجود خط ساخن مباشر بين القيادات العسكرية لطرفي النزاع، وأدوات مراقبة حقيقية على الأرض، فإن أي هدنة ستظل هشّة".

لكن المدنيين هم الأكثر عرضة للخطر -بحسب هاشمي- "خاصة في ولايات كونر، ونورستان، وبكتيكا، حيث إن تضارب المعلومات يضعهم في موقف هش ويزيد من معاناتهم اليومية".

وأشار المحللان إلى أن استمرار الهدنة يحتاج أيضا إلى دعم سياسي ودبلوماسي من أطراف إقليمية ودولية، مثل تركيا وقطر والسعودية، لضمان أن تتحول الالتزامات المعلنة من الورق إلى إجراءات ملموسة على الأرض، وحماية المدنيين من أي أعمال انتقامية أو تصعيد مفاجئ.

مصدر الصورة السكان يحاولون استعادة الروتين اليومي في كابل في ظل هدنة هشّة حسب مراقبين (الجزيرة)

ومنذ تصاعد التوتر في 26 فبراير/شباط، رُصد نزوح آلاف الأسر نتيجة القصف والمواجهات في ولايات شرق أفغانستان، مع تداعيات كبيرة على الحياة اليومية، وتضرر البنية التحتية للسكان المدنيين.

وقال مراقبون للجزيرة نت إن المدنيين هم الأكثر تضررا من النزاع المستمر، سواء من ناحية الخسائر في الأرواح أو من ناحية الأوضاع الاقتصادية والصحية والاجتماعية التي انعكست بشدة على الأسر في المناطق الحدودية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا