لم يعد السؤال الأدق بشأن مضيق هرمز ما إذا كان مفتوحا أم مغلقا؟ فالمشهد الذي يتشكل في الممر البحري الأهم للطاقة عالميا لا يشبه الإغلاق الكامل، ولا يشبه الانسياب الطبيعي للملاحة.
ما يجري أقرب إلى عبور انتقائي، حيث ثمة سفن تتقدم، وأخرى تتوقف، وحق المرور نفسه لم يعد يقرأ فقط من خرائط البحر وقواعد الملاحة، بل من طبيعة الحرب ومن الجهة التي تمنح السفينة تعريف "الحياد" في لحظة الاشتعال.
ظهر هذا المعنى بصيغة مباشرة، أمس الاثنين، حين قال مجلس الدفاع الإيراني إن الدول غير المنخرطة في الحرب يمكنها العبور عبر مضيق هرمز بعد التنسيق مع طهران لضمان المرور الآمن، محذرا في الوقت نفسه من أن أي هجوم على السواحل أو الجزر الإيرانية سيقود إلى تلغيم مسارات الوصول في الخليج، بما يجعل الخليج كله عمليا في وضع شبيه بهرمز.
بهذا، لا تكون طهران قد لوحت فقط بإغلاق أوسع إذا اتسعت الحرب، بل تكون قد وضعت قاعدة جديدة للملاحة نفسها، وهي أن المرور ليس حقا تلقائيا، بل مسارا يحتاج إلى تنسيق مع إيران.
وهنا يتبدل جوهر القصة، حيث إن المسألة لم تعد مقتصرة على احتمال إغلاق المضيق، بل صارت تتعلق بمن يملك تعريف "السفينة المحايدة"، ومن يملك منح المرور أو حجبه، ومن يستطيع تحويل البحر إلى مساحة تفاوض سياسي لا مجرد ممر تجاري.
ما قاله مجلس الدفاع الإيراني لم يأت من فراغ، حيث نقلت رويترز، الأحد، عن ممثل إيران لدى المنظمة البحرية الدولية وسفيرها في لندن علي موسوي، أن مضيق هرمز مفتوح أمام الشحن باستثناء السفن المرتبطة بما وصفه بـ"أعداء إيران"، مضيفا أن السفن غير المنخرطة في الحرب يمكنها المرور بعد التنسيق مع طهران بشأن ترتيبات الأمن والسلامة.
وكان ذلك بمثابة رسم أولي لقاعدة الفرز في البحر، ثم جاء بيان اليوم التالي ليمنح هذه القاعدة صيغة أوضح وأشد إلزاما.
وهكذا انتقل الموقف الإيراني من مستوى التصريح التفسيري إلى مستوى القاعدة التشغيلية. هناك سفن يمكن أن تمر، لكنْ ليس لأنها تملك فقط حق العبور وفق القانون الدولي، بل لأنها تقع خارج تعريف "الخصم"، أو لأنها قادرة على تقديم نفسها بوصفها طرفا محايدا، أو لأنها نسقت مسبقا مع طهران. وهذا هو التحول الأهم في هرمز الآن، فالمضيق لا يعمل بمنطق الفتح أو الإغلاق، بل بمنطق الفرز السياسي للملاحة.
في البحر، لا تبقى هذه القاعدة نظرية، فقد أظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلتين هنديتين للغاز البترولي المسال، "باين غاز" و"جاغ فاسانت"، عبرتا المضيق في اتجاه الهند، بينما بقيت معظم السفن الأخرى عالقة داخل الخليج.
وأفادت رويترز بأن "باين غاز" بثت رسالة تعريف قالت فيها "سفينة وطاقم هندي".
في الظروف العادية، تبدو هذه العبارة تفصيلا تقنيا عابرا. أما الآن فهي أقرب إلى إعلان موقف وهو "لسنا طرفا في الحرب، ولسنا امتدادا لخصم مباشر، ونحن نطلب المرور بهوية واضحة ومحسوبة".
بذلك، لم تعد أنظمة التتبع مجرد أدوات ملاحة، بل صارت جزءا من لغة النجاة في ممر يعيش على حافة الانفجار.
لكنّ عبور هاتين الناقلتين لا يعني أن الأزمة انفرجت، حيث تُظهر الأرقام أن الحركة العامة ما زالت شبه مشلولة، إذ نقلت رويترز أن تدفق الناقلات تراجع بنحو 95% عن مستويات ما قبل الحرب، وأن نحو 20 ألف بحار ما زالوا عالقين في الخليج، بينما تواصل المنظمة البحرية الدولية العمل على توفير ممر آمن من دون جدول زمني واضح للتنفيذ.
لم يعد هذا التحول شأنا إيرانيا داخليا أو ملاحيا صرفا، حيث نقلت رويترز أن وزير الخارجية الكوري الجنوبي طلب من نظيره الإيراني ضمان سلامة السفن الموجودة داخل هرمز، بعدما وجدت سول أكثر من 20 سفينة كورية، وعلى متنها أكثر من مئة من أفراد الطواقم، عالقة في الخليج.
ومع اعتماد كوريا الجنوبية على الشرق الأوسط في نحو 70% من واردات النفط و20% من الغاز الطبيعي المسال، بدا واضحا أن الدول بدأت تتعامل مع المضيق بوصفه مساحة تحتاج إلى تفاهم مباشر مع طهران، لا مجرد ممر دولي مفتوح.
وفي الاتجاه نفسه، انتقل ملف هرمز إلى ساحة التدويل السياسي. فقد اقترحت البحرين مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي يجيز استخدام "كل الوسائل الضرورية" لحماية الشحن التجاري في هرمز ومحيطه، بدعم خليجي وأمريكي، مع ترجيحات بصعوبة تمريره بسبب احتمال اعتراض روسي أو صيني.
وعليه، فإن سؤال الملاحة لم يعد اقتصاديا أو عسكريا فقط، بل صار ملفا دوليا مفتوحا على ترتيبات حماية بحرية أوسع.
ما يُربك السوق ليس فقط خطر الصواريخ أو الألغام، بل غياب القاعدة المستقرة. فالتجارة العالمية تستطيع، نظريا، التعامل مع إغلاق واضح أو فتح واضح، لكنها ترتبك أمام ممر يعمل بالاستثناءات، حيث تمر بعض الناقلات ومئات السفن تنتظر والدول نفسها باتت تطلب ضمانات مباشرة من طهران.
لذلك، قد يكون الوصف الأدق لما يجري الآن أن هرمز ليس مغلقا تماما، لكنه لم يعد مفتوحا كما كان. إنه ممر يعمل بالاستثناء، ومن ينسق يمر، ومن يثبت أنه ليس جزءا من المعركة قد يمر، ومن يقع داخل دائرة الاشتباه يبقى في الانتظار.
وفي هذه المنطقة الرمادية تتشكل كلفة الحرب الحقيقية، وهي ليست فقط في أسعار الطاقة، بل في القاعدة الجديدة التي تحكم البحر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة