آخر الأخبار

إيران التي لا نعرفها.. "رأسمالية" ضد أمريكا و"إمبريالية" معادية لإسرائيل

شارك

مع تصاعد التوتر الجيوسياسي بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يعود سؤال تحليلي متجدد إلى الواجهة: كيف نفهم مواقف وسلوكيات الدولة الإيرانية في محيطها؟ هل هي طرف "ممانع" يعطل الهيمنة "الإمبريالية" الغربية؟ أم نظام "سلطوي" ذو تطلعات أيديولوجية يعيد إنتاج أزمات الشرق الأوسط ويعمقها؟

بيد أن هذا الجدل يسقط سريعا في فخ ثنائية مضللة تحجب الحقيقة، إذ نحاصر مجبرين بين خيارين، إما أن نتبنى سردية غربية تبرر التدخل الخارجي باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان أو منع الانتشار النووي أو أي مبرر آخر، أو ننزلق نحو رؤية "معسكراتية" تمنح الأنظمة السياسية – أيا كان سلوكها – صك براءة لمجرد معارضتها للولايات المتحدة. هكذا ينتهي بنا المطاف أمام اختيار زائف: إما تقديس إيران مطلقا كدولة ممانعة ومقاومة، أو إدانتها مطلقا كقوة "سلطوية" ليس فقط في الداخل الإيراني، ولكن في محيطها. بهذه الثنائية يُغلق باب الفهم، ونهرب من مواجهة التعقيد الحقيقي للصراع.

مصدر الصورة متظاهرة ترفع لافتة كُتب عليها "أوقفوا ترامب – لا للحرب الإمبريالية الأمريكية" (الأوروبية)

لكسر هذا الاختزال، من المفيد توظيف أدوات الاقتصاد السياسي النقدي لفهم أعمق للدولة الإيرانية في اشتباكها مع الداخل والخارج. هذا المنهج النقدي لا يقرأ سلوك الدول من خلال تموضعها الخارجي فحسب، بل يفكك بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وطبيعة علاقات الإنتاج التي تحكم سلوكها، داخليا وخارجيا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لا نفط رخيصا للصين.. الهدف "الخفي" للحرب الأمريكية على إيران
* list 2 of 2 “الردع المتبادل”.. إيران تستهدف ديمونة ردا على قصف “نطنز” end of list

رأسمالية الدولة في إيران

في إيران، يلعب الحرس الثوري والمؤسسات الوقفية (بنياد) دورًا محوريًا يتجاوز الوظيفة العسكرية أو الاجتماعية، فهذه الكيانات تعمل كآليات ضخمة لمراكمة رأس المال. وعبر هيمنتها على قطاعات أساسية مثل الطاقة، والإنشاءات، والاتصالات، والمصارف، تشكل تلك المؤسسات ما يشبه "أوليغارشية" مالية-عسكرية تقود عمليات واسعة لتركيز الثروة.

"لم تنتج الثورة الإيرانية ولم تطرح بديلا حقيقيًا للرأسمالية الاقتصادية، بل قدمت في الحقيقة نسخة محرفة منها".

لم تنتج الثورة الإيرانية ولم تطرح بديلا حقيقيًا للرأسمالية الاقتصادية، بل قدمت في الحقيقة نسخة محرفة منها. فخلف صورة إيران كدولة "مقاومة للإمبريالية" يتوارى نموذج كلاسيكي لـ"رأسمالية الدولة البيروقراطية"، حيث لا تلغَى علاقات الاستغلال الرأسمالي، بل تدمج وتدار مركزيا عبر أجهزة الدولة. تتشابه إيران في ذلك مع العديد من الدول في المنطقة وخارجها، لذلك فإن ما يجعل الحالة الإيرانية مدار هذا التحليل تحديدًا ليس استثنائيتها المطلقة، بل موقعها المركزي في الجدل الراهن حول خطاب مقاومة الإمبريالية، وهو ما يستدعي المساءلة الجذرية بدرجة أشد إلحاحًا.

إعلان

غير أن استدعاء مفهوم "رأسمالية الدولة البيروقراطية" لا يعني اختزال حدث تاريخي بالغ التركيب في قالب نظري جاهز. فالثورة الإيرانية كانت من أكثر ثورات القرن العشرين تعقيدًا من حيث تعدد قواها وتناقض مشاريعها، إذ شارك فيها العمال والتجار والمثقفون والإسلاميون واليساريون، وكان ممكنًا -في مرحلة معينة- أن تسير في اتجاهات أخرى. ما جرى لاحقًا من تصفية المجالس العمالية وإعادة الهيكلة على يد رجال الدين في قم ثم المؤسسات العسكرية مثل الحرس الثوري لم يكن قدرًا برمجه منطق التراكم الرأسمالي بصورة حتمية، بل كان نتاج صراع مفتوح داخل الثورة ذاتها، انتهى بانتصار تيار بعينه.

هذه البنية الاقتصادية تفسر العنف الهيكلي الذي مارسته الدولة الإيرانية الجديدة ضد الحركة العمالية منذ عام 1979. بدأ ذلك بتصفية المجالس العمالية "الشورى العمالية" (وهي تنظيمات مستقلة أسسها العمال لإدارة المصانع ذاتيا بعد سقوط الشاه )، ثم موجات الإعدام والاعتقال التي طالت نشطاء عماليين ويساريين طوال الثمانينيات، وهو ما لم يمثل جانبا عرضيا من الصراع السياسي، بل شرطا مسبقا لكسر القوة التفاوضية لأي جهة خارج سيطرة الدولة الجديدة. وإلى اليوم، يعتمد النظام على تفتيت أي تنظيم نقابي مستقل لضمان استمرار سياسات الأجور المنخفضة والعمل الهش، ما يفسر تمركز الاحتجاجات الحالية في القطاعات الإنتاجية الصلبة كالبتروكيماويات والصلب.

"الصناعات الثقيلة والاستخراجية تتمركز في مناطق جغرافية طرفية مثل خوزستان، بعيدا عن المركز السياسي والمالي في طهران".

كما تعتمد الدولة سياسة التنمية غير المتكافئة لفرض نوع من "العزل المكاني" على العمال. فالصناعات الثقيلة والاستخراجية تتمركز في مناطق جغرافية طرفية مثل خوزستان وعسلوية، بعيدا عن المركز السياسي والمالي في طهران. هذا التوزيع لا يعكس مجرد ضرورات لوجستية أو جغرافية، بل يمثل "هندسة مكانية" تهدف إلى إدارة الأزمات واحتواء الاحتجاجات. فعندما تندلع الإضرابات العمالية في هذه الأطراف الصناعية، تتمكن الأجهزة الأمنية من محاصرتها إعلاميا، وربما قمعها دون أن تمتد شرارتها إلى العاصمة لتشكل تهديدا سياسيا مباشرا لبنية الحكم. هكذا، توظف السلطة الحيز المكاني لمحاصرة الحركة العمالية ومنع تبلور جبهة موحدة قادرة على ربط الاستغلال الاقتصادي في الأطراف بهيكل السلطة في المركز.

إلى جانب ذلك، لا يعمل "الاستغلال الاقتصادي" في إيران بمعزل عن التمييز القومي. فهما يتقاطعان عضويا، ولذا فإن أي تحليل لديناميات السيطرة يتجاهل المسألة القومية وتشابكها المادي مع العوامل الاقتصادية سيبقى بالضرورة تحليلا قاصرا. فإيران دولة متعددة القوميات، وما تمارسه السلطة المركزية ضد الأطراف يتقاطع بالضرورة مع المسألة القومية، حيث تدعي الأقليات تهميشها عمدا وتجاهل حقوقها من قبل السلطة.

مصدر الصورة منطقة الأهواز في غرب إيران (الجزيرة)

على سبيل المثال، تُستنزف الموارد الطبيعية، مثل النفط والغاز في خوزستان (الأهواز)، لتغذية المركز السياسي والمالي، بينما تترك المجتمعات المحلية للفقر، والبطالة، والإقصاء الممنهج. هذا التهميش الاقتصادي يترافق مع عسكرة وقبضة أمنية مفرطة حيث تسجل مناطق مثل سيستان وبلوشستان وكردستان معدلات أعلى للإعدام مقارنة بباقي المناطق. لذا فليس من قبيل الصدفة أن شعار "امرأة، حياة، حرية" (ژن، ژیان، ئازادی) الذي راج خلال انتفاضة 2022 في أعقاب مقتل الشابة مهسا أميني انطلق أساسا من كردستان، ولا أن بلوشستان كانت ساحة لأعنف المواجهات خلال الانتفاضة. وهنا تتجلى تركيبية القمع في إيران، فهو اقتصادي وقومي في آن واحد، مما يجعل هذه الأطراف خزانات دائمة للتمرد ضد الدولة.

إعلان

اجتماعيًا، ترزح إيران تحت مستوى عالٍ من التفاوت الاقتصادي، وهو ما تعكسه بوضوح الأرقام الحديثة لعام 2025 التي تكشف عن تركز شديد للثروة في قمة الهرم الاجتماعي، حيث يسيطر 1% فقط من الإيرانيين على نحو 29% من إجمالي ثروة البلاد، بينما يقبع أكثر من 30% من السكان، أي ما يتجاوز 31 مليون نسمة، تحت خط الفقر المطلق. لا يحدث هذا التفاوت صدفة، بل هو نتاج سياسات اقتصادية تسبب معدلات تضخم مزمنة في وقت تظل فيه أجور العمال أدنى بكثير من تكلفة سلة المعيشة الأساسية.

"يسيطر 1% فقط من الإيرانيين على نحو 29% من إجمالي ثروة البلاد، بينما يقبع أكثر من 30% من السكان، أي ما يتجاوز 31 مليون نسمة، تحت خط الفقر المطلق".

يتجلى هذا الاستقطاب الاقتصادي أيضًا جغرافيًا، إذ يسجل معامل "جيني" (Gini) لعدالة توزيع الدخل ارتفاعا مستمرا ما يعكس تهميشا للأطراف مثل سيستان وبلوشستان، مقارنة بالمركز في طهران. تعني هذه المؤشرات مجتمعة أننا لسنا أمام مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل أمام آلية ممنهجة تركز الثروة في أيادي النخبة على حساب المناطق الطرفية.

المرأة.. والبيئة أيضا

إلى جانب التهميش العرقي، تبرز قضية النساء كعنصر تكويني في بنية هذا الاقتصاد السياسي. فمن منظور نظرية "إعادة الإنتاج الاجتماعي"، تتجاوز القوانين المتعلقة بالنساء في الجمهورية الإسلامية – ومنها إلزامية الحجاب – كونها مجرد سياسات هوياتية، بل تعمل في الحالة الإيرانية كأدوات للسياسة الحيوية (Biopolitics) وتنظيم المجال العام. ويوفر الضبط القانوني والاجتماعي للنساء الآلية الأكثر فعالية للتنظيم الاجتماعي، ويضمن استقرار الأسرة كوحدة اقتصادية تتحمل أعباء الرعاية التي تخلت عنها الدولة، نتيجة تركيزها وانخراطها المتزايد في اقتصاد الحرب.

وحتى هذا "الضبط" الاجتماعي لا يتوزع بالتساوي، بل تختلف وطأته جوهريًا باختلاف الموقع الجغرافي والقومي للمرأة، فنساء سيستان وبلوشستان وكردستان يواجهن ضغطًا وتضييقًا مضاعفًا لا يمكن تفسيره بتحليل يُعامل "المرأة الإيرانية" كفئة واحدة متجانسة كما تفعل بعض القراءات الليبرالية. وهكذا فالصراع المحتدم حول وضع المرأة في إيران هو، في حقيقته، صراع مادي على السلطة، ومسرح يومي تستعرض فيه الدولة هيمنتها على جميع فئات المجتمع.

على صعيد آخر، لا يمكن قراءة الأزمة البيئية في إيران بوصفها مجرد "خلل مناخي"، بل هي نتيجة مباشرة لاقتصاد سياسي يقوم على استنزاف موارد المياه والبيئة لخدمة مشاريع اقتصادية وعسكرية محددة. تتجسد هذه الأزمة ماديًا في جفاف أنهار تاريخية كـ"زاينده رود" في أصفهان، واختفاء أجزاء واسعة من بحيرة أورمية. قد يبدو البُعد البيئي، للوهلة الأولى، غير ذي صلة بصراع السلطة، لكن هذا الدمار هو الأثر المادي المباشر لمشاريع السدود العشوائية، وتحويل مسارات المياه لخدمة صناعات الصلب والبتروكيماويات، التي تحتكرها شبكات ترتبط بالحرس الثوري.

"لا يمكن قراءة الأزمة البيئية في إيران بوصفها مجرد خلل مناخي، بل هي نتيجة مباشرة لاقتصاد سياسي يقوم على استنزاف موارد المياه والتخريب البيئي لخدمة مشاريع اقتصادية وعسكرية محددة".

ويتعمق هذا الوضع بفعل "عسكرة البنية التحتية"، إذ تُسند المشاريع الكبرى لشركات مرتبطة بالحرس على حساب جهات الاختصاص الهندسي، وتمثل كارثة سد "كتوند" دليلاً صارخاً على تمرير المشاريع بتجاهل تام للتحذيرات الجيولوجية تغليباً للمنطق الأمني والربحي، حيث أدى بناء السد إلى زيادة ملوحة نهر كارون مما تسبب في مشكلات بيئية وزراعية كبيرة.

نحن إذن أمام نموذج جلي لـ "التراكم عبر نزع الملكية"، حيث تُصادر الموارد المائية للأغلبية لصالح مراكمة الأرباح لخدمة خطط سياسية. ولهذا السبب، تحولت القضايا البيئية إلى محرك أساسي للاحتجاجات، إذ تدفع السياسات البيئية الفلاحين والعمال الزراعيين إلى الشوارع بعد تدمير مصادر رزقهم، لتلتحم مطالبهم المادية المباشرة مع المطالب السياسية للحركة الشعبية الأوسع.

إعلان

النتيجة لذلك كله هي أنه، وبفعل العقوبات وسياسات الخصخصة وتوسع الاقتصاد غير الرسمي، باتت الفئات الاجتماعية الأدنى أكثر تفتتًا وهشاشة. لذا فليس مستغربًا أن الحركات الجماهيرية في السنوات الأخيرة كانتفاضتي 2019 و2022 لم تندلع من المصانع الكبرى وإن شارك فيها العمال، بل قادها تحالف عضوي جديد يضم شباب الأطراف المهمشين والعاطلين عن العمل والنساء وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى التي انزلقت تحت خط الفقر.

ومع الإقرار بفعالية أدوات الاقتصاد السياسي في تفكيك بنية السلطة الإيرانية، يجب الحذر من الانزلاق نحو الاختزال الاقتصادي الذي يبتر فهمنا للتجربة ككل. فرغم مركزية تراكم رأس المال والاقتصاد، يمتلك المشروع الأيديولوجي للنظام محركه المستقل، إذ لا يتردد أحيانًا في اتخاذ قرارات توصف بأنها "انتحارية" اقتصاديًا لضمان البقاء السياسي والأيديولوجي. كما أن سياسات "الضبط" المفرطة بحق المعارضين تتجاوز كونها هندسة اقتصادية لضبط قوة العمل، إلى نطاق أوسع يستهدف تأكيد سيادة الدولة المطلقة واحتكارها للعنف، وهو بُعد لا تستوعبه الأطر الاقتصادية البنيوية وحدها.

إيران كإمبريالية فرعية

يجب التأكيد على أن نقد سياسات النظام الإيراني داخليًا أو خارجيًا لا يستلزم تبني السردية الأمريكية، ويجب أن نشير أيضا إلى أن العقوبات الأمريكية لعبت -ولا تزال- دورا كبيرا في تحديد الخيارات الاقتصادية للنظام الإيراني، وتوجهه نحو ما يعرف بـ "اقتصاد المقاومة" والذي يتطلب تركيزا أكبر للسلطة والثروة في أيدي مؤسسات وجهات بعينها بما ينطوي عليه ذلك من تأثيرات جانبية تشمل "الفساد المحتمل" وتهميش الأطراف لصالح المركز.

"العقوبات الأمريكية لعبت -ولا تزال- دورا كبيرا في تحديد الخيارات الاقتصادية للنظام الإيراني، وتوجهه نحو ما يعرف باقتصاد المقاومة".

فإيران تعمل ضمن نظام عالمي تحكمه ديناميات المركز والأطراف، ولا تلعب فيه العقوبات الاقتصادية الأمريكية دورا في تعزيز حقوق الإنسان كما يُزعم، بل هي شكل من أشكال الحرب الاقتصادية التي تعيد ترتيب موازين القوى، وأثرها الفعلي يتمثل في سحق القدرة الشرائية للطبقات الوسطى وتدمير شبكات الأمان الاجتماعي، مما يضعف قدرة المجتمع على التنظيم والمقاومة المدنية. في الوقت ذاته، توفر العقوبات بيئة مثالية للنخب والمؤسسات لمراكمة الأرباح عبر إدارة اقتصاد الظل وشبكات التهريب.

كذلك، لا يصح تحليل تحالفات طهران مع قوى مثل روسيا أو الصين بوصفها تحالفات مناهضة للإمبريالية مطلقا كما يشيع. ففي ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب، تمثل هذه التحالفات إعادة تموضع جيوسياسي ضمن المنافسة الرأسمالية العالمية على تأمين الموارد والممرات الاستراتيجية، ولا تكاد تنطوي على أي مشروع فعلي لتجاوز منطق الهيمنة. على سبيل المثال، لا يمكن قراءة وجود روسيا على يسار الولايات المتحدة على أنها تحارب الهيمنة "الإمبريالية"، بل إنها تمارسها في مساحات أخرى، وهو ما ينطبق أيضا على الصين التي تتصارع مع الولايات المتحدة حول موقعها داخل النظام الرأسمالي نفسه.

مصدر الصورة زهور بجوار صورة المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي بالقرب من السفارة الإيرانية في موسكو، في 2 مارس/آذار 2026. (الأوروبية)

عربيًا، يتطلب التحليل النقدي للمسألة الإيرانية تفكيك وهم "المعسكراتية" الذي يهيمن على القراءات السياسية الشائعة. يختزل هذا الخطاب التناقضات العالمية والإقليمية في ثنائية ميكانيكية تفترض أن أي صدام جيوسياسي مع "الإمبريالية" الأمريكية يمنح الطرف المقابل صك امتياز بالضرورة. نظريًا، يغفل هذا الطرح طبيعة النظام الرأسمالي العالمي المعاصر بوصفه بنية متكاملة تتحرك القوى المختلفة داخلها وفق منطق تراكم رأس المال وتأمين الأسواق ومناطق النفوذ، وليس بهدف تقويض النظام العالمي كليا.

"لا تعكس تحالفات طهران الدولية أو خطابها المناهض لواشنطن مشروعًا نقيضًا للإمبريالية، بل هي أقرب إلى محاولة براغماتية لإعادة التفاوض على موقع كل طرف داخل الهيكل الاقتصادي العالمي".

وفق هذا الفهم، لا تعكس تحالفات طهران الدولية أو خطابها المناهض لواشنطن مشروعًا نقيضًا "للإمبريالية"، بل هي أقرب إلى "محاولة براغماتية" لإعادة التفاوض على موقع كل طرف داخل الهيكل الاقتصادي العالمي. فإيران تبحث عن حصة أكبر واعتراف دولي بنفوذها وحقوقها (بما في ذلك المشروع النووي)، وفي سبيل ذلك فإنها لا تتردد في حشد أوراقها التفاوضية وتنظيم حلفائها في هذا المسعى، وهو ما قامت به فيما سُمي لفترة طويلة بـ"دول الممانعة".

إعلان

لا يمكن التنكر للدور الذي لعبته إيران وحلفاؤها في مواجهة إسرائيل – والولايات المتحدة نفسها – خاصة خلال العامين الأخيرين، وتحديدا بعد طوفان الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو موقف له جذور دينية وأيديولوجية قوية، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل ممارساتهم – المناقضة لهذه الصورة- في العديد من دول الشرق الأوسط خلال العقد ونصف الأخيرين، و تحديدا منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011.

يمكن وصف هذا الدور الإيراني بـ"الإمبريالية الفرعية" بشرط الانتباه إلى حدود هذا المفهوم. ظهر المصطلح في أفكار المفكر الماركسي روي ماورو ماريني لتحليل حالة البرازيل التي وصفها بأنها "إمبريالية فرعية" داخل النظام الرأسمالي العالمي، حيث تُخضعها الولايات المتحدة في المستوى الأوسع، لكنها تُمارس هيمنة على دول أضعف في أمريكا اللاتينية.

مارست البرازيل هذه "الإمبريالية" من خلال تصدير فائض رأس المال واستغلال محيطها الأفقر كما تفعل "الإمبرياليات الكلاسيكية". أما إيران المحاصرة فهي لا تصدر فائضًا رأسماليًا بالمعنى الدقيق، بل تصدّر أزماتها الأمنية عبر شبكات عابرة للحدود تعمل كأدوات "ردع غير متماثل". والهدف هنا ليس فتح الأسواق، بل حماية المركز في طهران وخلق منطقة عازلة واسعة، وحشد أوراق ضغط تجبر الغرب على التفاوض.

الاقتصاد السياسي لخطاب المقاومة

لا يمكن فصل الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية عن هذا التوجه بشكل كلي. صحيح أن دعم طهران للمقاومة الفلسطينية ينبع -جزئيا على الأقل- من التزام ديني أيديولوجي حقيقي وأن طهران والعديد من حلفائها تكبدوا أثمانا لهذا الالتزام، لكنه جاء بفوائد سياسية أيضا. فهذا الدعم وفر غطاء أخلاقيا لبناء شبكات نفوذ عسكري وسياسي في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ولعقود أُديرت هذه الساحات لا بوصفها "جبهات تحرير" فقط، بل كخطوط دفاع أمامية لحماية النظام في طهران، وكأوراق مقايضة في مفاوضاته المستمرة مع المركز الرأسمالي الغربي.

مصدر الصورة محور الممانعة (الجزيرة)

غير أن اختزال العلاقة بين إيران وحركات المقاومة في "الورقة التفاوضية" وحدها يتضمن إشكالية تحليلية لا يمكن تجاوزها. فحركات مثل حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين تمتلك إرادة سياسية مستقلة وقواعد اجتماعية ونضالا خاصا، واتخذت في محطات حاسمة قرارات خالفت التوجه الإيراني تمامًا، كما ظهر في ابتعاد حماس عن طهران في السياق السوري منذ عام 2012 قبل تجدد العلاقة لاحقا.

على كل حال، يتجلى التناقض الصارخ لهذا الخطاب الإيراني المقاوم – بين الالتزام الأيديولوجي والمصالح السياسية – في الداخل الإيراني نفسه. فالفئات التي تعاني تحت سياسات التقشف والتضخم تدرك جيدًا أن تمويل هذه الشبكات الإقليمية يُقتطع مباشرة من ميزانيات الرعاية الاجتماعية ومن فائض عملها. من هنا، فإن الهتافات المطالبة بوقف الإنفاق الخارجي لا تعكس بالضرورة انعزالية قومية، بل وعيًا يرفض تمويل مغامرات إقليمية تخدم تكريس السيطرة النظامية. ويرى هؤلاء المعارضون أن منطق التحرر لا يتجزأ ؛ فالسياسات الأمنية واللامساواة لا يمكن أن تكون مبررة موضوعيا تحت شعار تحرير فلسطين أو حتى "مقاومة الإمبريالية".

"في سوريا قدمت الدولة الإيرانية التي تتحدث عن مناهضة الهيمنة الخارجية نموذجا صارخا لما تعنيه الهيمنة الإقليمية حين تُمارس بلا رادع".

ولعل المختبر الحي الذي كشف هذا التناقض البنيوي بشكل صارخ هو التدخل الإيراني في سوريا. هناك، قدمت الدولة التي تتحدث عن مناهضة الهيمنة الخارجية نموذجا صارخا لما تعنيه الهيمنة الإقليمية حين تُمارس بلا رادع. لم يقتصر هذا التدخل على توظيف الخطاب "الطائفي" كأداة تعبئة، بل استند إلى هندسة عسكرية ومالية ضخمة كلفت الخزانة الإيرانية مليارات الدولارات لضمان بقاء النظام السوري.

على الأرض، أدارت طهران هذا التدخل عبر هندسة ديموغرافية وعسكرية حشدت فيها عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب ضمن "ميليشيات" عابرة للحدود. عبر فصائل مثل "لواء الفاطميون" الأفغاني، إلى جانب "لواء الزينبيون" الباكستاني، و ميليشيات عراقية ولبنانية. شاركت هذه القوات مباشرة في مأساة إنسانية أسفرت عن مقتل أكثر من نصف مليون سوري، وتشريد نصف سكان البلد تقريبًا بين نازح ولاجئ.

وبالتوازي مع هذه المأساة، تحركت شبكات الحرس الثوري لتحويل الدمار إلى فرصة اقتصادية فاستحوذت على الأراضي والعقارات في مناطق نفوذها، لتطبق حرفيًا نموذجا لـ "التراكم عبر نزع الملكية" على أنقاض المدن السورية (قبل رحيل نظام الأسد). هذا الواقع المادي يتناقض مع الادعاءات "الطوباوية" التي تصور الدور الإيراني كمقاومة صرفة ضد "الإمبريالية".

في رفض الحرب الأمريكية الإسرائيلية

لكن تفكيك بنية الدولة الإيرانية اقتصاديا وسياسيا – لأغراض تحليلية – لا يتناقض مطلقًا مع المعارضة المبدئية الجذرية لأي عدوان عسكري أمريكي أو إسرائيلي يستهدفها، كما أنه لا يجردها من المزايا الأخلاقية لسياساتها المناهضة لإسرائيل. بل على العكس، ربما يتعين تبني هذا الرفض المزدوج بوضوح؛ فالصراع الأفقي والجيوسياسي بين الدول يجب ألا يمحو الصراع العمودي داخل الدولة الواحدة، والعكس بالعكس.

مصدر الصورة الحروب الإمبريالية الأمريكية لا تبني مجتمعات حرة (الأوروبية)

والمنطق هنا بسيط ومباشر، فالحروب "الإمبريالية" مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية لا تُسقط الاستبداد لتبني مجتمعات حرة، بل تدمر القاعدة المادية للمجتمع وتفكك قوى الإنتاج. إلى جانب ذلك، يخلق التهديد العسكري الخارجي ظروفًا استثنائية تمنح النظام الذريعة المثلى لتخوين الإضرابات، وعسكرة المجال العام، تحت غطاء "حالة الطوارئ" وضرورات "مواجهة العدو".

والأهم بالقطع أن أيا من واشنطن أو تل أبيب لا تملك مشروعًا تحرريًا لشعوب المنطقة، بل إن لكليهما – خاصة إسرائيل – مشاريع "إمبريالية" خاصة تفوق ما يُنسب إلى طهران، بخلاف حقيقة أن إسرائيل هي كيان "إحلالي" قائم فوق أرض محتلة وليست كيانا أصيلا مثل إيران. لذا فالوقوف ضد آلة الحرب الغربية-الإسرائيلية هو موقف مبدئي ينطلق من ضرورة حماية الشروط المادية لحياة الإيرانيين بمن فيهم معارضو النظام أنفسهم خاصة من الأقليات. ويكون منع الحرب هو "الخطوة صفر" التي تسمح لهم بالبقاء أولًا، ثم مواصلة التدافع السياسي الخاص بهم، دون أن ينسحقوا تمامًا بين مطرقة التدخل العسكري الخارجي وسندان الدولة.

إن الاستعصاء الإيراني لا يُحل عبر المفاضلة بين مشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية. فالتفكير النقدي يدفعنا للنظر إلى الداخل، ليس بحثا عن يوتوبيا ثورية، بل اعترافا بأن الفاعلين الحقيقيين المنوط بهم إدارة التدافع السياسي داخل إيران هم القوى الاجتماعية الداخلية المتضررة بشكل مباشر من سياسات الإفقار المدفوعة بالعقوبات الخارجية الأمريكية. بعبارة أخرى، فإن الصراعات المادية الملموسة في المدن والمصانع والشوارع الإيرانية هي المحرك الأساسي الذي سيحدد مسار الدولة، بعيدا عن أوهام التغيير عبر التدخل الخارجي.

"الدولة الإيرانية، كأي تشكيل سياسي حديث، تعمل وفق منطق عقلاني صلب يهدف إلى حفظ بقائها وحماية سيادتها في بيئة إقليمية ودولية شديدة العداء".

يرفض هذا الموقف بأي شكل من الأشكال الانزلاق نحو السردية التي تشيطن إيران وتصورها كيانا لا عقلانيا أو "دولة مارقة" تحركها دوافع شر مطلق. فالدولة الإيرانية، كأي تشكيل سياسي حديث، تعمل وفق منطق عقلاني صلب يهدف إلى حفظ بقائها وحماية سيادتها في بيئة إقليمية ودولية شديدة العداء. فإيران منذ الثورة واجهت على مدار عقود حصارا خانقا وتطويقا عسكريا، ومحاولات مستمرة لإخضاعها لـ"إمبريالية عالمية" ممثلة في الولايات المتحدة.

وفي مواجهة ذلك، تمكنت الدولة من بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية مستقلة نسبيا، وأسست شبكات رعاية اجتماعية واسعة في عقودها الأولى. بناء على ذلك، فإن سلوك النظام في الداخل، وتمدده الإقليمي في الخارج، ليسا نابعين من رغبة "عبثية" في التدمير، بل يمثلان آليات دفاعية قاسية لدولة تحاول إدارة أزماتها الاقتصادية وتناقضاتها تحت تهديد وجودي مستمر. لكن هذه الدولة نفسها وفي طريقها للخلاص من "إمبريالية عالمية"، قد شكلت هي نفسها ما يشبه "إمبريالية إقليمية"، في الوقت الذي ترتدي فيه "رداء المقاومة" ضد عدو صهيوني لا يختلف أحد حول خصومته وعداوته، في حرب فرضت عليها فرضا ولم تختر خوضها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا