في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عدن ـ في بلد أنهكته الحرب وتنازعت جغرافيته سلطات متعددة، لا تتوقف المأساة عند خطوط التماس أو طاولات التفاوض، بل تمتد إلى عوالم خفية خلف الجدران المغلقة، حيث يُحتجز مئات الأشخاص في ظروف قاسية، ويُطوى مصير آخرين في سجلات الإخفاء القسري.
وخلال زيارة ميدانية حديثة للمحافظات الشرقية والجنوبية في اليمن، تزامنت مع متغيرات ميدانية لافتة، بإعلان رئاسي بإغلاق السجون السرية وغير الرسمية، رصدت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان أنماطا مقلقة من الانتهاكات، بعضها يعد غير مسبوق في المجتمع اليمني.
القاضي حسين المشدلي، نائب رئيس اللجنة، قال إنه استمع مباشرة إلى شهادات ضحايا داخل زنازين ضيقة، واطلع على آثار التعذيب على أجسادهم، كما وثق محاولات توقيف مواطنين أثناء إدلائهم بشهاداتهم أمام فريق اللجنة، مشيرا إلى أن الفريق نفسه احتُجز ساعات في جزيرة سقطرى أثناء أداء مهمته.
وفي هذا الحوار الخاص مع الجزيرة نت، يكشف المشدلي عن تفاصيل صادمة تتعلق باعتداءات جنسية داخل أماكن الاحتجاز، وحالات إخفاء قسري تمتد سنوات، إضافة إلى شهادات لمعتقلين قالوا إن توقيفهم جاء بسبب رفع العلم اليمني.
كما يعرض أرقاما موثقة لحالات الإخفاء القسري، ويشير إلى نمط متكرر من الانتهاكات نُفّذ تحت غطاء "مكافحة الإرهاب"، طال مدنيين وأقارب مشتبه فيهم.
إلى نص الحوار:
فيما يتعلق بالزيارة الأخيرة لحضرموت وسقطرى، أود التوضيح أن اللجنة الوطنية تقوم بأعمال الرصد والتوثيق منذ تأسيسها عام 2012، لكن الإعلان عن أسماء الأعضاء تم في نهاية عام 2015، وبدأت اللجنة عملها الفعلي في عام 2016.
ومنذ ذلك الوقت، تعمل اللجنة على رصد وتوثيق جميع الانتهاكات في عموم الأراضي اليمنية من مختلف الأطراف، وتأتي زياراتنا الميدانية للمحافظات، ومنها الزيارة الأخيرة، ضمن برنامج العمل الدوري الذي يشمل زيارة السجون وأماكن الاحتجاز والاطلاع على أوضاع حقوق الإنسان.
وجاءت هذه الزيارة بالتزامن مع متغيرات ميدانية شهدتها المحافظات الشرقية والجنوبية، خاصة مع الإعلان الرئاسي بضرورة إغلاق السجون غير الرسمية، وتكليف اللجنة بمتابعة هذا الملف.
الانتهاكات التي وثقناها ليست جديدة بالكامل، إذ تشمل في معظمها الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب، لكن ما كان لافتا هو مستوى التعاون الكبير من المواطنين والمجتمع المحلي، حيث بادر العديد من الضحايا وذويهم إلى الإدلاء بشهاداتهم بعد تغير الأوضاع الميدانية.
وكشف هذا التعاون عن عدد كبير من حالات الاعتقال والانتهاكات التي لم يكن الضحايا يجرؤون سابقا على الإبلاغ عنها، خوفا من ردود الجهات الأمنية المشرفة على تلك المرافق.
أما النمط المقلق الذي ظهر، فهو أن ما يقارب 95% إلى 99% من هذه الانتهاكات جرت تحت مسمى "مكافحة الإرهاب". ورغم أن بعض القضايا قد تكون مرتبطة فعلا بعناصر متهمة بأعمال إرهابية، فإن المشكلة تمثلت في طغيان الانتهاكات على أقارب هؤلاء الأشخاص أو معارفهم، حيث تعرض بعضهم للاعتقال لفترات طويلة دون أي تهمة أو إجراءات قانونية واضحة.
خلال أعمال الرصد الميداني، وثقت اللجنة شهادات تتعلق بانتهاكات جسيمة وقعت داخل بعض السجون، خصوصا في حضرموت، من بينها مرافق احتجاز في ميناء الضبة وداخل معسكر الربوة.
وأفاد عدد من المعتقلين الذين استمعت إليهم اللجنة بتعرضهم لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي. وبعض الضحايا لا تزال آثار التعذيب ظاهرة عليهم حتى بعد الإفراج عنهم، كما روى آخرون تفاصيل نقلهم إلى أماكن احتجاز وتعذيب، وشرحوا الأساليب التي كانت تستخدم ضدهم.
وتضمنت هذه الشهادات الحديث عن عصب الأعين أو تغطية الرؤوس بأكياس سوداء، والترهيب بالكلاب، والاحتجاز في زنازين شديدة الضيق، إضافة إلى التعذيب بالصعق الكهربائي والضرب المبرح والتعليق.
ومن بين الحالات التي وثقتها اللجنة، اعتداءات جنسية وحالات وفاة تحت التعذيب، ومعتقل قال إنه أوقف على خلفية رفع العلم اليمني، واتهم قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي باعتقاله.
نحن في اللجنة لم نكتف بسماع شهادات فقط، بل استمعنا بشكل مباشر إلى بعض الضحايا الذين تعرضوا لهذه الانتهاكات.
صحيح أن عدد الحالات التي تحدث أصحابها بشكل مباشر ليس كبيرا بالقدر الذي يسمح بالقول إنها تمثل نمطا واسع الانتشار، إلا أن تكرارها يثير قلقا كبيرا، ويشير إلى احتمال وجود ممارسات انتقائية أو سلوكيات ممنهجة لدى بعض القائمين على أماكن الاحتجاز.
كثير من الضحايا قد لا يصرحون بمثل هذه الانتهاكات بسبب طبيعة المجتمع اليمني المحافظ، وما قد يترتب على ذلك من وصمة اجتماعية. لذلك، فمن المحتمل أن تكون هناك حالات أخرى لم يتم الكشف عنها.
بالنسبة لنا في اللجنة، كان الاستماع إلى إحدى هذه الحالات بشكل مباشر صدمة إنسانية ونفسية كبيرة، لما تحمله هذه الجرائم من قسوة وتأثير عميق.
خلال الزيارة، قمنا بزيارة عدد من السجون الرسمية، مثل السجون المركزية وأماكن التوقيف أو مراكز الحجز الاحتياطي. لكننا في الوقت ذاته زرنا مواقع احتجاز غير رسمية في أكثر من موقع، سواء في حضرموت أو سقطرى.
في حضرموت، تبين أن بعض السجون غير الرسمية قد تم هدمها أو طمرها، مثل سجن الريان وسجن الربوة. في المقابل، لا تزال بعض المواقع قائمة، ومنها سجن الضبة، وسجن "أبو علي" الحضرمي في منطقة الدفاع الجوي بمرتفعات حضرموت. قمنا بزيارة هذا المكان وتوثيق أوضاعه بالصور.
كما زرنا موقع احتجاز في سقطرى لا يزال قائما. وخلال زيارتنا، حاولت قوات تابعة لـ"الحزام الأمني" و"الحماية الرئاسية" احتجاز بعض الأشخاص الذين كانوا يدلون بشهاداتهم للجنة. رفضنا تسليمهم، وأبلغنا تلك الجهات أننا لن نقبل باعتقالهم، بل سنعتبر أنفسنا معتقلين معهم. تم توقيفنا مؤقتا لمدة ثلاث ساعات تقريبا، كما حاولت القوات مصادرة هواتفنا قبل أن تعيدها لاحقا. بعد ذلك، حضر قائد القوات الأمنية ووكيل المحافظة وقدموا اعتذارا.
أما ظروف الاحتجاز، فبعض الزنازين ضيقة للغاية، لا تتجاوز مساحة بعضها نصف متر في متر تقريبا، ويحتجز فيها عدة أشخاص في أجواء حارة، وهو ما يعد من صور المعاملة اللاإنسانية.
بلغ عدد حالات الإخفاء القسري في محافظة عدن وحدها نحو 63 حالة، في حين سجلت المئات في محافظات أخرى، بما فيها تلك الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي.
ووفقا للتوثيق، بلغ إجمالي عدد المُخفَين قسرا في جميع المحافظات، خلال الفترة من يناير 2016 حتى مارس 2026، نحو 874 شخصا.
ملف الإخفاء القسري يعد من أكثر الملفات إيلاما وتعقيدا، وهو مؤلم للضحايا ولأسرهم وللمجتمع بأكمله.
فالإخفاء القسري لا يخلف معاناة إنسانية فقط، بل يخلق إشكالات قانونية واجتماعية كبيرة؛ فهناك عائلات لا تعرف مصير أبنائها منذ سنوات، ولا تستطيع التصرف في الميراث أو المعاشات، بل إن بعض الزوجات لا يعرفن هل أزواجهن أحياء أم أموات.
منذ وقت مبكر، بدأت اللجنة التحقيق في هذا الملف. طرحنا الموضوع على مسؤولين أمنيين في عدن، من بينهم القيادات المسؤولة عن ملف مكافحة الإرهاب، وقمنا بزيارات تفتيش لبعض المواقع، لكننا لم نعثر على الأشخاص الذين كنا نبحث عنهم. وفي بعض الحالات، تبين أن بعض المحتجزين نقلوا لاحقا إلى سجن بئر أحمد.
تشير بعض التحقيقات إلى احتمال أن يكون بعض المُخفَين قد تعرضوا للتصفية، لكننا نعمل بحذر شديد، ولدينا خطة للتحقيق بشكل أوسع بعد عطلة عيد الفطر، مع ضرورة توفر إرادة سياسية وتعاون مؤسسي من وزارة الداخلية والنيابة العامة ورئاسة الدولة.
ما زالت هناك حالات عديدة من الإخفاء القسري تعود إلى ثماني أو عشر سنوات، وأسر الضحايا لا تزال تبحث عن أي معلومات. تواصل معنا مؤخرا أشخاص أفادوا بأن أقاربهم قيل لهم إنهم نقلوا إلى السجن المركزي، لكن بعد التحقق لم نجد أسماءهم ضمن السجلات.
هذه القصص المؤلمة تتكرر، وهو ما يجعل معالجة هذا الملف تتطلب تعاونا جادا من جميع الجهات الرسمية.
من الأدق أن تكون المقارنة بين الانتهاكات في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وتلك الواقعة في مناطق سيطرة الحوثيين.
بحسب ما رصدته اللجنة، فإن حجم الانتهاكات في مناطق سيطرة الحوثيين أكبر بكثير من حيث العدد والتنوع، وتمتد إلى معظم المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم.
في المقابل، توجد انتهاكات في المحافظات الجنوبية، لكنها تختلف في طبيعتها. فمعظم الحالات التي وثقناها كانت تحت غطاء "مكافحة الإرهاب"، وغالبا دون إجراءات قانونية سليمة أو استنادا إلى معلومات غير دقيقة.
في بعض الحالات، طالت هذه الانتهاكات أشخاصا أبرياء أو أقارب لمشتبه فيهم، بل إن بعضها قد يكون مرتبطا بدوافع شخصية أو تصفية حسابات، وهو ما يثير قلقا بشأن آليات إنفاذ القانون.
وثقت اللجنة عددا كبيرا من جرائم القتل خارج إطار القانون. ومن يطلع على تقارير اللجنة، التي بلغ عددها ثلاثة عشر تقريرا، سيجد أن هذه الجرائم حاضرة بشكل واضح.
قامت اللجنة بإحالة عدد من الملفات إلى القضاء، من بينها قضايا بارزة مثل قضية "عشال" في عدن، وقضايا تتعلق باستهداف خطباء المساجد، وقضايا أخرى في الضالع.
كثير من القضايا لا يزال في انتظار استكمال الإجراءات القضائية. قمنا بإحالة عدد كبير من الملفات إلى الجهات القضائية المختصة، وبذلك أصبحت مسؤولية المتابعة القانونية الآن لدى القضاء.
لا تزال لدينا ملفات أخرى قيد الاستكمال، وستتم إحالتها إلى القضاء تباعا.
لا شك أن تعدد التشكيلات المسلحة ومراكز النفوذ يمثل أحد أبرز التحديات التي تعيق عمل اللجنة.
كلما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجع حضورها، تزداد احتمالات وقوع الانتهاكات وتتراجع فرص المساءلة. غياب قيادة أمنية موحدة أو جهة مسؤولة يمكن الرجوع إليها يجعل عملية التحقيق أكثر تعقيدا.
في بعض المناطق، لا تعترف الجهات المسيطرة بعمل المنظمات الحقوقية، بما فيها الدولية، مما يزيد صعوبة الوصول إلى الضحايا أو أماكن الاحتجاز.
نحن نحاول القيام بمهامنا في مختلف المحافظات قدر الإمكان، لكن في ظل هذا الواقع المعقد، يصبح تحقيق المساءلة الكاملة وضمان عدم الإفلات من العقاب أمرا بالغ الصعوبة.
مع ذلك، بدأنا نلمس بعض التحسن في الفترة الأخيرة، مع الإجراءات التي تستهدف تعزيز حضور الدولة وتوحيد بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية.
توجد توجيهات رسمية من قيادة الدولة، بما فيها رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، بضرورة التعاون مع اللجنة وتسهيل مهامها.
في ضوء هذه التوجيهات، هناك قدر من التعاون من قبل بعض الأجهزة. لكن الأمر لا يقتصر على التعاون فقط، بل يتطلب رفع الوعي والتأهيل لدى منتسبي هذه الأجهزة من خلال برامج تدريبية في مجال حقوق الإنسان.
لا تزال هناك بعض الجهات التي لا تتعاون بالشكل المطلوب أو تتباطأ في الاستجابة، وهو أمر يمكن فهمه جزئيا في سياق طبيعة العمل الحقوقي، حيث غالبا ما ينظر إلى الجهات الحقوقية بوصفها جهة رقابية قد تسبب حرجا للمؤسسات الأمنية.
لكن الدعم الدولي الذي تحظى به اللجنة، من خلال قرارات مجلس حقوق الإنسان والتوصيات الصادرة عن مجلس الأمن، يسهم في تعزيز تعاون هذه الجهات، رغم استمرار بعض العراقيل.
هناك تغير ملموس على الأرض، خصوصا في حضرموت، حيث تم هدم وإغلاق بعض السجون ومراكز الاحتجاز بالفعل. ومع ذلك، لا تزال بعض المواقع قائمة، وهناك قلق من احتمال إعادة استخدامها.
فيما يخص السجون غير الرسمية، كان هناك تنسيق مباشر مع أعضاء مجلس القيادة في حضرموت ومأرب لضمان تنفيذ توصيات اللجنة، إلا أن استمرار نجاح هذه الإجراءات يعتمد على توفر الإرادة السياسية، ومتابعة محاكمة المسؤولين المتورطين لضمان عدم عودة الانتهاكات.
الانتقال من التوثيق إلى المحاسبة ممكن قانونيا من خلال إحالة الملفات إلى مكتب النائب العام للبدء في المحاكمات. وقد بدأت بالفعل بعض المحاكمات في مأرب، وهناك ملفات عديدة جاهزة للتحريك القضائي.
منذ عام 2017، قدمت اللجنة مقترحا لإنشاء محكمة متخصصة للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان، وحظي بدراسة وموافقة مبدئية من مجلس القضاء، كما لقي دعما من المجتمع الدولي.
تتوقف المحاسبة الفعلية على القرار السياسي والإرادة التنفيذية للبدء في محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات، مع التأكيد على أن حقوق الضحايا لا تسقط بالتقادم.
العدالة الانتقالية ممكنة نظريا، لكنها تواجه تحديات كبيرة على المستويين القانوني والسياسي. أول شرط هو إصدار قانون للعدالة الانتقالية، وهو ما لم يحدث بعد بسبب غياب مجلس نواب منتخب.
مع ذلك، قامت اللجنة بوضع معايير العدالة الانتقالية في الرصد والتوثيق والتحقيقات، وعقدت دورات تدريبية مع المجتمع المدني لتهيئة البيئة لمسار العدالة الانتقالية مستقبلا.
أعمال التوثيق والرصد والتحقيق هي الضمانة الأولى لمنع الإفلات من العقاب، إذ تحفظ حقوق الضحايا في قاعدة بيانات وملفات قانونية، وتُسلِّم نسخا منها إلى القضاء، مما يضمن متابعة المسؤولين عن الانتهاكات لاحقا.
القانون الدولي يشير إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان لا تسقط بالتقادم، مما يعني أن المسؤولين عن أي جريمة سيظلون قابلين للمتابعة أمام القضاء المحلي والدولي حتى تتم محاكمتهم.
اللجنة توجه رسالة أمل وثقة للضحايا وأسر المُخفَين قسرا، مؤكدة أنهم ليسوا وحدهم في متابعة حقوقهم. رغم صعوبة التجربة الطويلة، فإن العدالة قد تتأخر لكنها لن تموت، والحقوق لا تضيع ولا تسقط بالتقادم.
عمل اللجنة مستمر مع الضحايا والأسر، وستظل جهودها مكرسة للوصول إلى الحقيقة الكاملة وجبر الضرر، حتى تتحقق العدالة ويُنصَف كل من تأثر بهذه الانتهاكات.
المصدر:
الجزيرة