تعيش إسرائيل حالة من الصدمة والجدل الواسع بعد ليلة قاسية شهدت ضربات صاروخية إيرانية استهدفت منطقتي ديمونة وعراد في النقب، وتصاعدت المخاوف بين الأوساط الإسرائيلية من استمرار وتيرة القصف وتكرار المشاهد التي وُصفت بالكارثية، وسط انتقادات لاذعة للحكومة والقيادة العسكرية بسبب الفشل في حماية الجبهة الداخلية وتغليب الحسابات السياسية على أرواح السكان.
وتشهد المدن الإسرائيلية منذ مساء أمس السبت تطورات ميدانية متسارعة مع استمرار القصف الصاروخي الذي طال مناطق واسعة ومتفرقة، وأكدت مصادر إعلامية وطبية ارتفاع عدد المصابين إلى نحو 200 حالة إثر تلك الضربات، مع تسجيل أضرار جسيمة شملت أحياء كاملة.
عبّر العديد من المحللين والمدونين في إسرائيل عن مخاوفهم من تكرار أحداث الماضي القريب، متهمين القيادات الإسرائيلية بممارسة "خداع الشعب"، وفي هذا السياق، كتب المصور "باراك" بلهجة غاضبة: "هل لا يزال لدى أحدكم أدنى شك في أننا على وشك مواجهة كارثة شبيهة بالسابع من أكتوبر؟ وأنهم لا يعرفون كيف يخرجون من هذه الورطة؟ وأن هذا الأحمق يرمي بنا جميعنا إلى الجحيم من جديد، وأنه لا وجود لوطن هنا؟ كم جولة من هذه الكذبة اللعينة؟ كم من العروض؟ كم مرة سيقع هؤلاء المخدوعون في نفس الفخ؟ كم مرة حتى يدركوا أنه لا يوجد من يقود الأمور؟".
وأشار تسيون نانوس، المراسل البارز في القناة 12 الإسرائيلية، إلى التخبط في التقديرات الرسمية، وكتب: "قبل أسبوع ونصف، قدَّرت جهات سياسية وأمنية أن إطلاق النار سيتقلص بصورة كبيرة خلال أيام. الآن يقدرون أن إطلاق النار سيزداد الأسبوع المقبل. في المحصلة، الأمر يشبه زاوية الأبراج في الصحيفة".
كما انتشر مقطع مصور نشره صحفي إسرائيلي، يُظهر سيدة من سكان عراد تصرخ في وجه الوزير إيتمار بن غفير الذي زار موقع الحدث، وتخاطبه بغضب: "أنت تزرع الموت فقط! ليس لك مكان هنا! ارحل عن مدينتنا! اذهب من هنا!".
على الصعيد العسكري، وجه الإعلاميون اتهامات صريحة بالتقصير وغياب الشفافية. وذكر إيتاي بلومنتال، المراسل العسكري في قناة كان: "يحافظ الجيش الإسرائيلي على الغموض بخصوص نوع منظومة الاعتراض التي أخطأت في ديمونة وعراد، لكنهم يقولون إن التقرير الذي يتحدث عن كونها منظومة أمريكية هو أمر غير صحيح".
وانتقد هيلل بيتون روزين، المراسل العسكري والأمني في القناة 14 الإسرائيلية، سلوك الجيش وكتب: "بعد الحادثين القاسيين في جنوب بلادنا، يرفض الجيش الإسرائيلي أن يشرح للجمهور كيف حدث أن صاروخين باليستيين كادا أن يسببا كارثة وطنية في الجبهة الداخلية خلال ساعات معدودة، ويصفون ذلك بعبارة خطأ إحصائي".
وأضاف روزين: "دفاع جوي بنسبة 92%، يفشل في وقت قصير في اعتراض تهديدين في مناطق متجاورة، هذا أمر يتجاوز كونه خطأ إحصائيا، بل هو في الحد الأدنى فشل مهني أو تقني كبير يتطلب التحقيق. لكن ربما حياة سكان الجنوب أقل أهمية بالنسبة لأولئك الضباط الذين يقدمون إحاطات بأسماء مجهولة، ويرفضون تقديم إجابات حتى عن الأسئلة الصعبة التي من واجبهم توفيرها".
من جانبه، انتقد أمير بوخبوط، المعلق والمراسل العسكري لموقع والا، القيادة العسكرية وتصريحاتها، وكتب: "رغم الصور القاسية من عراد وديمونة ومقتل مواطنين منذ بداية عملية زئير الأسد (أمر مؤسف ومؤلم إلى أبعد الحدود!)، يستعرض سلاح الجو بمساعدة الجيش الأميركي (رادارات وبطاريات اعتراض) نجاحات بنسبة 92% ضد أكثر من 400 صاروخ باليستي أُطلقت من إيران نحو إسرائيل. المكمل لهذا هو وجود مساحة محصنة. أين تكمن المشكلة غير المشخصة؟ عندما لا يفهم أو لا يفرق المسؤولون عن الإعلام والناطقون الرسميون بين الأمن والشعور بالأمن، ويدورون في دوائر مفرغة. هم يصنعون الألغام ويقفزون عليها".
وفي انعكاس لنتائج هذا الإخفاق على الميدان، عبّر الكاتب الساخر أمير شبرلينغ عن حزنه على استهداف مدينته، وكتب: "طوال كل أشهر الحرب، كانت عراد هادئة ومسالمة. وللأسف دخلت هذه المدينة كذلك في قائمة المدن المستهدفة. يعبر السكان في المدينة عن ألمهم: الشعور هو أننا فقدنا حماية المدينة، من المؤسف أننا وصلنا إلى هذا الوضع".
وفي خضم هذه العاصفة، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو احتواء المشهد، حيث نشر رسالة يقول فيها: "هذا مساء صعب للغاية في المعركة على مستقبلنا. قبل وقت قصير تحدثت مع رئيس بلدية عراد، يائير معيان، وطلبت أن أنقل باسم جميع مواطني إسرائيل صلواتنا لسلامة الجرحى. ووجهت مديرة مكتبي لتقديم كل المساعدة المطلوبة بالتعاون مع كل الوزارات الحكومية. وأشد على أيدي قوات الطوارئ والإنقاذ التي تعمل الآن في الميدان وأدعو الجميع للالتزام بتعليمات قيادة الجبهة الداخلية. نحن مصممون على مواصلة ضرب أعدائنا في كل الجبهات".
لكن هذه التطمينات لم توقف سيل الانتقادات. فقد قال يائير لبيد، زعيم المعارضة: "حتى اليوم، ثلث غرف العمليات في مستشفى سوروكا لا تعمل، ولا يوجد وزير صحة، وتم تحويل خمسة مليارات شيكل لأموال ائتلافية فاسدة في مكان معالجة محنة الجنوب. في الحكومة المقبلة، سيتغير سلم الأولويات هذا من الأساس".
وأكد موشيه ردمان أبوطبول، الرئيس التنفيذي لشركة محلية، أن الحكومة تجاهلت أمن الإسرائيليين لمصالحها، وكتب: "في هذه الليلة بالتحديد من المهم أن نتذكر أنه طوال كل الأسابيع الأخيرة لم تنشغل حكومة إسرائيل بحلول الحماية لسكان الجنوب والشمال والأحياء القديمة في الوسط، ولا بإعادة تأهيل مستشفى سوروكا الذي لا يزال يعمل بشكل جزئي منذ سقوط الصواريخ السابق في يونيو 2025، أو بحلول الاستجابة الطبية المتقدمة لسكان الشمال، بل انشغلت بقوانين الانقلاب السلطوي، والصفقات السياسية، ومحاولة نزع الشرعية عن لجنة الانتخابات المركزية. الدماء على أيديهم، إلى أبد الآبدين. لا كفارة على التخلي، لن نغفر ولن ننسى".
واتفق معه ناشط السلام عيران نيسان، الذي كتب: "رأيت بعيني طاقم مستشفى سوروكا يتعامل مع إصابات متعددة في السابع من أكتوبر، طاقم يهودي عربي، محترفون، مخلصون، ومتمرسون. ومن المحزن التفكير في أن حكومة نتنياهو فضلت إرسال المليارات للمقربين عبر أموال الائتلاف على حساب تمويل تأهيل سوروكا، مركز الصدمات من المستوى الأول وهو الوحيد في منطقة الجنوب".
المصدر:
الجزيرة