في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تشهد المؤسسة العسكرية الأمريكية تحولات لافتة في طبيعة الخطاب والممارسات، مع بروز توجهات تمزج بين الدين والقومية في صياغة السياسات العسكرية.
ويبرز وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بوصفه الشخصية المحورية التي تقود هذا التحول، إذ تتقاطع قراراته الإدارية وخطاباته السياسية مع رؤية أيديولوجية ذات طابع ديني واضح، مما يثير جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة وخارجها بشأن انعكاساته على طبيعة الجيش ودوره.
في هذا السياق، تشير تقارير صحفية متعددة إلى أن سياسات هيغسيث لا تقتصر على الجوانب العسكرية التقليدية بل تمتد إلى إعادة تشكيل القيم والمعايير داخل الجيش. وتبرز قضية "اللحى" نموذجا لهذا التوجه، إذ فرض الوزير قيودا مشدَّدة على المظهر الشخصي للعسكريين، مع تشديد إجراءات الحصول على إعفاءات دينية.
ويؤكد التقرير أن هذه السياسات تؤثر بصفة خاصة في أتباع ديانات مثل السيخ والمسلمين، الذين تفرض معتقداتهم الدينية الاحتفاظ باللحية أو عدم قص الشعر.
وقد انتقد "ائتلاف السيخ" -وفقا لتقرير إنترسبت- هذه الإجراءات ووصفها بأنها غير ضرورية، مشيرا إلى أن التسهيلات الدينية كانت قائمة بالفعل في إدارات سابقة. كما حذر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من أن هذه القيود قد تدفع أفرادا متدينين إلى مغادرة الجيش، مما ينعكس سلبا على الجاهزية العسكرية.
لكنَّ هذه الإجراءات لا تُفهم بمعزل عن سياق أوسع، إذ تربط تقارير صحفية بينها وبين ما تصفه بتصاعد "القومية المسيحية" داخل الجيش الأمريكي.
ويشير تقرير إنترسبت إلى وجود تحوُّل أيديولوجي يتضمن تبنّي خطاب ديني صريح، وتقديم الحرب على إيران بوصفها جزءا من "خطة إلهية".
وتدعم هذا الطرح تغطياتُ صحف غربية كبرى مثل "ليبراسيون" و"ليكسبريس" الفرنسيتين و"نيويورك تايمز" الأمريكية و"غارديان" البريطانية، التي تتفق على أن هيغسيث يمثل نمطا جديدا في القيادة العسكرية الأمريكية، يجمع بين الخطاب القتالي الحاد والرؤية الدينية الحضارية.
وتلفت هذه الصحف إلى استخدامه لغة غير مألوفة في الخطاب الرسمي، كحديثه عن "الموت والدمار من السماء"، إضافة إلى توظيف رموز دينية مثل "صليب القدس"، وهو ما يعكس -بحسب هذه التغطيات- رؤية تَعُد الصراع مع إيران جزءا من مواجهة حضارية أوسع.
وفي هذا الإطار، يشير مقال للصحفي فريديريك أوتان في صحيفة ليبراسيون إلى أن هيغسيث يحوّل الخطاب العسكري إلى استعراض إعلامي يُبرز التفوق الأمريكي، في حين يحذر باحثون من أن هذا النهج قد يرسّخ تصور الصراع بوصفه حربا بين الغرب والعالم الإسلامي.
كما ترى المؤرخة ديانا باتلر باس أن أفكاره ترتبط بتيارات مسيحية قومية تسعى لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية دينية محافظة، في حين يربط الباحث ماثيو تايلور بين توجهاته وعداء أوسع للمسلمين وإعجاب بنموذج الحروب الصليبية.
ويذهب الباحث روبرت بي جونز إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن خطاب هيغسيث لا يكتفي بتبرير العنف بل يضفي عليه شرعية دينية، وهو ما قد يحوّل الصراع السياسي إلى مواجهة دينية مفتوحة.
ويؤكد محللون أن هذا التحول يحمل أخطارا إستراتيجية، لأنه يعزز روايات مضادة في الشرق الأوسط تصوّر الحرب صداما دينيا، مما قد يؤدي إلى تصعيد طويل الأمد.
ولا يقتصر هذا التداخل بين الدين والعسكر على الخطاب السياسي، بل يمتد إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد كشفت صحيفة غارديان، نقلا عن مراسلتها سارة براون، عن تلقي "مؤسسة الحرية الدينية العسكرية" أكثر من 200 شكوى من جنود وضباط أفادوا بأن قادتهم يستخدمون خطابا مسيحيا متطرفا لتبرير الحرب على إيران.
وبحسب التقرير نفسه، نقل عن أحد القادة العسكريين قوله إن الحرب مرتبطة بعودة المسيح، في حين أشار إلى أن الرئيس دونالد ترمب "ممسوح" لتنفيذ هذه المهمة. وقد أثارت هذه التصريحات قلقا واسعا، خاصة أنها صدرت في سياق رسمي داخل وحدات عسكرية تضم أفرادا من خلفيات دينية متنوعة.
في المحصلة، تكشف هذه المعطيات عن تحوُّل مركَّب داخل الجيش الأمريكي، إذ لم يعد الصراع يصاغ بلغة الإستراتيجية والمصالح فقط، بل أصبح يتقاطع مع تأويلات دينية وأيديولوجية.
وبينما يرى أنصار هذا التوجه أنه يعزز الحسم والردع، يحذر منتقدوه من أنه يقوّض حياد المؤسسة العسكرية ويهدد التعددية الدينية داخلها، بل إنه قد يعيد تشكيل طبيعة الصراعات الدولية لتصبح أقرب إلى مواجهات حضارية أو دينية، وهو ما يحمل تداعيات بعيدة المدى على الأمن والاستقرار العالميَّين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة