آخر الأخبار

الحرب والعيد.. الجزيرة نت مع النازحين في لبنان

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بيروت- في لبنان لم يأت عيد الفطر هذا العام كما اعتاده الناس، وصل مثقلا بأصوات لم تهدأ بعد، وبحقائب نزوح لم تفرغ، وببيوت أُغلقت على عجل ولم يعرف متى تُفتح أبوابها مجددا.

بين حرب تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية ونزوح يعيد رسم الجغرافيا الإنسانية للبلاد، يجد الآلاف أنفسهم أمام عيد مختلف تُختزل فيه الفرحة إلى محاولات خجولة للبقاء على قيد المعنى.

في مراكز الإيواء، وعلى الأرصفة، وفي المنازل المؤقتة، يتقاطع الانتظار مع الحنين، أطفال يراقبون العيد من بعيد من دون ثياب جديدة، وأمهات يخفين قلقهن خلف كلمات مطمئنة، في حين يحاول الآباء ترميم ما تكسر من يوميات اعتادت الاستقرار.

هنا، لا تغيب طقوس هذه المناسبة السعيدة فحسب، بل يتبدل معناها ليصبح مرتبطا بفكرة واحدة: العودة.

مصدر الصورة داخل مركز الإيواء في صيدا، غاب العيد عن عائلات نازحة تنتظر العودة (الجزيرة)

عيد غائب

وسط هذا المشهد، تتباين الظروف بين منطقة وأخرى، لكن الحكاية واحدة: عيد بلا بيوت وفرح مؤجل وذاكرة تقاوم النسيان.

هكذا يتحول العيد في زمن الحرب إلى مرآة حادة تكشف ثقل النزوح، وتطرح سؤالا واحدا يتردد في كل مكان، كيف يمكن للبهجة أن تجد طريقها، حين يكون الوطن نفسه في حالة انتظار؟

داخل أحد مراكز الإيواء في مدينة صيدا جنوب لبنان، تبدأ الصورة من أقرب النقاط إلى خط النزوح، هناك جالت الجزيرة نت بين العائلات النازحة، ترصد تفاصيل عيد يمر بلا ملامح، وتستمع إلى أمهات تختصر كلماتهن ثقل أيام من التهجير.

الأطفال يركضون ويلهون، لكن أصوات ضحكاتهم خافتة وابتساماتهم باهتة، وكأن الفرح أصبح بعيدا جدا، هناء نعمان تحتضن ابنها وابنتها، تلمس وجهيهما الصغيرين في محاولة لإعادة بسمة ما فقداها، وقالت بصوت اختلط فيه الحزن بالأمل "العيد بالنسبة لهما مجرد كلمة على جدار فارغ، كل ما يريدانه هو العودة إلى بيتهما، حيث يكون العيد حقيقيا".

مصدر الصورة خيام النازحين في صيدا (الجزيرة)

من جانبها، تراقب أم حسن أطفالها بعينين متعبتين، وقالت "كانوا يفرحون بثياب العيد والألعاب. أما اليوم، فالضحكة تتوقف عند الباب، أحيانا أجدهم يختبئون في الزوايا، يحاولون التظاهر باللعب، العيد أصبح حلما مؤجلا".

إعلان

وأضافت أم سامي بصوت مرتعش، "أبنائي لا يعرفون معنى العيد بعد الآن، لا لحظة فرح بلا خوف، ولا أمان، كل شيء تغير حتى ابتسامتهم أصبحت هشة، أحلم فقط بالعودة، ليس للبيت، بل للحياة التي سُلبت منا".

لا زينة على الحيطان، ولا ألوان تملأ المكان، ولا حتى حلويات العيد، الرياح الباردة تحمل معها رائحة المطر والأرض المبتلة، والأطفال يحاولون الظفر بلحظة استراحة من أيام النزوح التي جعلتهم أكبر من أعمارهم.

مصدر الصورة أنشطة للأطفال ينظمها الأهالي لتعويض غياب فرحة العيد (الجزيرة)

فرح ناقص

في زاوية أخرى، تصدح أغانٍ هادئة للعيد، يحاول الأطفال التفاعل مع الألعاب والنشاطات، لكن الفرح يبدو كظل يلمسهم دون أن يصل إلى قلوبهم، وأوضحت أم سامي وهي تراقب أولادها بعينين مليئتين بالحزن "العيد هو لمة العائلة وزيارة الأقارب والضحكات التي تختلط بأصوات الأحاديث.. نحن لم نشعر بشهر رمضان هذا العام، فكيف لنا أن نشعر بالعيد؟".

بين ضحك خافت ودمعة مكتومة، يدرك الجميع أن العيد الغائب لم يعد مجرد يوم على التقويم، بل حياة اختفت، تنتظر العودة إلى البيوت وإلى حياة ما قبل النزوح، حيث كانت الضحكات والأمان جزءا من كل لحظة.

مصدر الصورة طفلة نازحة مع لعبة قدمتها لها إحدى الجمعيات في بيروت (الجزيرة)

إلى حاصبيا

ومن صيدا تمتد الصورة نحو حاصبيا، حيث رصدت الجزيرة نت أوضاع النازحين الموزعين على مدارس المنطقة. هناك، يقيم نحو ألف نازح اضطروا إلى مغادرة قراهم تحت وطأة القصف.

في إحدى الصفوف الدراسية التي تحوّلت إلى مأوى، قالت زينة رشيد، النازحة من بلدة الخيام، إن العيد هذا العام "بلا طعم" بعدما فقدت الاستقرار مجددا. استعادت لحظة عودة قصيرة إلى منزلها قبل أشهر، قبل أن تعود وتغادره تحت ضغط التصعيد، وأضافت "البيت يعيد للإنسان روحه، لكننا خسرناه مرة أخرى".

إلى جانبها، وصف حسن حيدر واقع العيد، وأكد أنه أتى "مثقلا بالحزن" في ظل استمرار القصف وغياب أي أجواء للفرح. ومع ذلك، لفت إلى أن المحنة فرضت شكلا آخر من التماسك، إذ جمعت العائلات النازحة في مساحة مشتركة يتقاسمون فيها تفاصيل الحياة اليومية.

بيروت تكمل المشهد

وبين جنوب لبنان الذي يفرغ من أهله والعائلات التي تبحث عن مأوى، تتجه الصورة شمالا نحو العاصمة بيروت، أين جالت الجزيرة نت في الشوارع والساحات العامة، حيث تتكثّف مشاهد النزوح وتتماهى مع زحمة المدينة.

في ساحة الشهداء، تفترش بعض الأسر الأرصفة، في حين لجأت أخرى إلى سياراتها أو مراكز الإيواء المكتظة. وقال عباس علي حمية، وهو أب لـ5 أولاد، إن العيد غائب هذا العام وإن الأطفال يطرحون أسئلة لا يجد لها إجابات.

مصدر الصورة خيام النازحين عند واجهة بيروت البحرية (الجزيرة)

نزوح شاق

وعلى الواجهة البحرية، ترتفع خيام تؤوي عشرات العائلات التي وصلت منذ أسابيع، لتقضي العيد في المكان نفسه الذي لجأت إليه هربا من القصف. هناك، صرحت فاطمة برق بأنها لم تستطع حتى تبادل التهاني، لأن هذه المناسبة "لا تكون خارج البيت".

ورغم ذلك، يحاول العيد أن يجد له موطئ قدم خجولة في العاصمة من خلال مبادرات فردية وجمعيات تجوب مراكز الإيواء، توزع الحلوى والألعاب على الأطفال، في محاولة لانتشال لحظات عابرة من الفرح.

إعلان

ومن بيروت تتابع الصورة امتدادها شرقا نحو البقاع. في مدينة زحلة، داخل ثانوية تحوّلت إلى مركز إيواء، رصدت الجزيرة نت واقع العائلات النازحة التي تواجه عيدا مختلفا بكل تفاصيله.

روت رجاء عبد الديراني رحلة نزوحها الشاقة، قبل أن تختصر قلقها بتركيزها على أبنائها وأحفادها، محاولة أن تخفف عنهم وطأة الظروف بكلمات مطمئنة. أما محمد عقودي، فاستعاد أعيادا مضت كانت تعج بالحركة والأسواق، قبل أن يختم بمرارة "اليوم نعيش واقعا بلا أعياد".

الرسم على وجوه الأطفال النازحين للتخفيف من معاناتهم (الجزيرة)

هكذا، عبر امتداد الخريطة اللبنانية من الجنوب إلى العاصمة ثم إلى البقاع، تتبدّل الأمكنة وتتجدد الحكايات. وصل العيد إلى النازحين محمّلا بالغياب، وبذاكرة مثقلة بما تُرك خلفهم، مع محاولات خجولة للحفاظ على ما تبقى من طقوس الفرح.

ورغم اختلاف الظروف من منطقة إلى أخرى، يبقى القاسم المشترك واحدا، انتظار العودة، ذلك الحلم الذي وحده قادر على إعادة العيد إلى معناه الحقيقي.

وفي قلب هذا الواقع القاسي، يتمسّك النازحون بخيط رفيع من الأمل، يحاولون من خلاله إنقاذ ما ظل من بهجة العيد، بكلمة طيبة أو ابتسامة عابرة. هنا، لا تقاس هذه المناسبة بما يُلبس أو يُشترى، بل بقدرة الناس على الصمود وبإيمانهم بأن اليوم الذي يعودون فيه إلى بلداتهم، سيستعيد العيد ملامحه كاملة.

الأطفال يستشعرون غياب العيد في مراكز النزوح في صيدا (الجزيرة)

أطفال يلهون في باحة مركز النزوح في البقاع (الجزيرة)
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا