آخر الأخبار

خاصرة رخوة.. لماذا سيفشل الرهان على الأكراد في إسقاط النظام الإيراني؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

"الشعب الكردي أمة كبيرة، من أكبر الشعوب التي لا دولة لها، وهم حلفاؤنا الطبيعيون. يجب علينا التواصل وتعزيز علاقاتنا معهم، لدواع دبلوماسية وأمنية".

هكذا وصف وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر رؤيته للأكراد خلال حديث له في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، داعيا لتعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الأكراد ودعمهم في مواجهة "الاضطهاد التركي والإيراني" بحسب زعمه. أُطلقت هذه التصريحات قبل فترة طويلة من الحرب الحالية مع إيران، وقبل أن توضع على الطاولة على استحياء إمكانية توظيف الأقليات الإيرانية ومنها الأكراد لتقويض النظام الإيراني بالتزامن مع القصف الأمريكي الإسرائيلي. وعلى نفس المنوال، صرَّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في خطاب أمام معهد دراسات الأمن القومي (INSS) عام 2014 بضرورة دعم استقلال الأكراد، واصفا التنظيمات الكردية بأنها "أمة مُحاربة" ومعتدلة سياسيا وجديرة بإقامة دولة، وأنها جزء من محور إقليمي تسعى إسرائيل إلى التعاون معه.

تتسق تلك التصريحات والتحركات مع "عقيدة الطوق" التي وضعها مؤسس الدولة العبرية ديفيد بن غوريون، الذي قال منذ عقود إن أمن إسرائيل مرتبط بتطويق الدول العربية عن طريق التحالف مع الدول غير العربية المتاخمة لها، وهي عقيدة أصبحت مع مرور الوقت إستراتيجية ترمي إلى البحث عن حلفاء غير دول، لا سيَّما بعد أن خسرت تل أبيب تحالفها مع إيران بعد عام 1979، ومع تركيا منذ مطلع الألفية. ولذا، فبعد أن كانت التحالفات الإسرائيلية أمس تشمل تركيا وإيران الشاه، أصبحت اليوم تتجه إلى بعض الحركات الكردية، التي لا يتجاوب كلها بالضرورة مع تلك الدعاية الإسرائيلية، وبعض التنظيمات الدرزية في جنوب سوريا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 التاريخ الشعبي لـ "معجزات" إسرائيل الاستخباراتية في إيران
* list 2 of 2 قتيلان في إسرائيل إثر هجومين صاروخيين من إيران end of list

لم تكن محاولة تل أبيب اللعب بورقة الأكراد الإيرانيين مفاجأة إذن في سياق الحرب الإيرانية، فهي رؤية عملت إسرائيل على صياغتها وتنفيذها منذ سنوات، وظهرت إلى النور بعد أن فشلت الضربات الإسرائيلية والأمريكية في إسقاط النظام الإيراني بعد استهداف قادة الصف الأول. وقد أشارت مصادر صحفية إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بدأت تعمل بجانب إسرائيل على تطوير مسار الحرب مع إيران عبر تسليح التنظيمات الكردية المعارضة في الغرب، وتلك المتمركزة في كردستان العراق، بهدف فتح جبهة داخلية ضد طهران، واستنزاف الموارد العسكرية الإيرانية بما يُعزز النزعات الانفصالية فيها.

إعلان

بدوره تواصل ترمب مع عدد من القادة الأكراد في العراق وإيران، من بينهم رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني مصطفى هجري، والزعيمان الكرديان العراقيان مسعود بارزاني وبافل طالباني نجل القيادي جلال طالباني، وذلك بعد ضغوط مارسها نتنياهو على ترمب بهدف تبني إستراتيجيته في إسقاط النظام الإيراني. ورغم أن نشاط هذه التحركات بدأ يخفت نسبيا في الأيام الأخيرة، فليس من المستبعد أن يعود للنور مجددا إذا طال أمد الحرب، وبدأت واشنطن وتل أبيب التفكير جديا في نقل المعركة إلى البر.

يؤكد ذلك السيناريو خريطة القصف الجوي الراهنة، حيث كثَّفت واشنطن وتل أبيب غاراتهما في مناطق شمال غرب إيران مستهدفتين البنية العسكرية التابعة للحرس الثوري الإيراني، وكذلك البنية الأمنية المحلية، بما في ذلك مقرات الشرطة والاحتجاز المدنية. والهدف من وراء التركيز على الشمال الغربي هو خلخلة السلطة في كردستان إيران، وتشجيع تشكُّل جبهة كردية تفرض سيطرتها على الأرض، وتدعم أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل.

وشملت المواقع المستهدفة مدينة سنندج، عاصمة محافظة كردستان، التي تقع مقابل مدينة السليمانية العراقية، وكذلك أقاليم أورمية وروانسر وكامياران وكرمانشاه وباوه وبيرانشهر ومهاباد، مع العديد من القرى الصغيرة القريبة من الحدود العراقية. ولا تهدف تلك الضربات إلى تحييد البنية العسكرية في تلك المناطق فحسب، بل والمدنية أيضا، بما يجعل الحكومة المركزية غير قادرة على تقديم الخدمات الرئيسية للمحافظات ذات الغالبية الكردية.

لكن ما يثير الاستغراب والتساؤلات حقا بشأن تلك التحركات هو غياب رؤية متماسكة في التعامل مع الملف الكردي من قبل الولايات المتحدة، فأمريكا التي تعمل على توظيف الجماعات الكردية في الحرب مع إيران، هي نفسها التي أدارت ظهرها لهم نسبيا في سوريا مفضلة الرهان على الحكومة الجديدة، مما يثير الأسئلة في صفوف قادة الجماعات الكردية عن مدى التزام واشنطن بتعهداتها واستمرار دعمها. في حين تشي مواقف الغرب الأخيرة بأنه يرى في الأكراد ورقة تستخدم لأغراض ميدانية وسرعان ما يتم التنصل منها عندما تنتهي المصلحة المرجوة. ولعل تقدير قوة الجماعات الكردية وقدراتها في حال انقطاع الدعم عنها أمر هام لإدراك تأثيرها الحقيقي في الحرب وإمكانية حفاظها على أي مكتسبات ميدانية.

"التركيبة العرقية المتعددة داخل إيران تجعل من تسليح الأكراد أو دعمهم عسكريا قنبلة موقوتة ربما تفتح المجال أمام تصاعد نزعات انفصالية لأقليات أخرى".

إن أي رهان خارجي على توظيف القضية الكردية في إيران يرتبط بتحديات بنيوية معقدة، أهمها أن التركيبة العرقية المتعددة داخل إيران تجعل من تسليح الأكراد أو دعمهم عسكريا قنبلة موقوتة ربما تفتح المجال أمام تصاعد نزعات انفصالية لأقليات أخرى، مثل البلوش والعرب والأذريين، وهو ما قد يدفع النظام الإيراني نحو حالة عدم استقرار أوسع قد تؤثر في أمن الخليج وباكستان وتركيا، وهي دول لها علاقات جيدة مع واشنطن.

وثمة تحدّ آخر هنا يكمن داخل النخب والتنظيمات الكردية التي تعيش انقسامات داخلية تجعل الاعتماد عليها وتنظيمها عملية صعبة على المدى البعيد، كما أن ضعف قدراتها العسكرية مقارنة بالدولة الإيرانية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية يجعل مهمتها المرجوة بعيدة المنال، ما لم تحصل على دعم عسكري ولوجستي موسع في إطار غزو بري كامل، وهو سيناريو يظل غير مرجح حتى الآن.

مصدر الصورة خريطة إيران (الجزيرة)

قدرات محدودة ورهانات خطيرة

تشير آخر التقديرات الحديثة المتداولة حول حجم الأحزاب الكردية الإيرانية القادرة على الانخراط في مجهود عسكري منظم إلى قوة تتراوح بين 5 و8 آلاف مقاتل يتمركز معظمهم في الجانب العراقي من الحدود، ويعتمدون في تسليحهم على الأسلحة الخفيفة، أي أن قدرتهم محدودة على فرض سيطرة واسعة أو إقامة حكم بـ"القوة القاهرة"، ومن ثم فإن شكل تدخلهم ومشاركتهم سيكون تكتيكيا في أفضل الأحوال، وليس عاملا حاسما في مسار الحرب.

إعلان

بالإضافة إلى ذلك، فإن الهدف من تلك المشاركة الميدانية المحتملة لا يزال مبهما، وإن كان يمكن حصره في السيطرة على بلدات حدودية، مثل بلدتي أشنوية وبيرانشهر، مما يجعل وزن تلك التحركات مقتصرا على إثارة اضطرابات حدودية، وفتح جبهة ضغط إضافية على طهران، وتعطيل خطوط الإمداد داخل إيران أو بين إيران والجماعات الموالية لها في العراق.

وحتى إن تلقت تلك التنظيمات المعارضة دعما غير مباشر من الولايات المتحدة أو إسرائيل، فإن هذا الدعم لن يكون كافيا لتغيير موازين القوى جذريا على الأرض. والأرجح هو أن توفر إسرائيل وأمريكا غطاء جويا لتحركات التنظيمات الميدانية إن شنت هجوما بريا، لكن ستظل قدراتها العسكرية والتنظيمية غير كافية لفرض واقع إستراتيجي جديد داخل إيران.

هناك أيضا تحديات نابعة من المحيط الإقليمي لإيران، وعلى وجه الخصوص تركيا التي تنظر بقلق بالغ إلى أي تحرك كردي واسع في المنطقة، إذ إنها تشترك مع إيران في رفضها لأي تحركات كردية تتجاوز نطاقها المحلي إلى محاولة أداء دور إقليمي أو تأسيس كيان كردي مستقل. ويعني ذلك أن الحركات الكردية تواجه مستوى عاليا من المخاطر الجيوسياسية في سبيل تحقيق أهدافها بالتنسيق مع واشنطن.

تمارس إيران وتركيا بالفعل ضغوطا على الحكومة العراقية المركزية وقيادة إقليم كردستان لتقييد تحركات الأكراد. وقد وقعت أنقرة وطهران العديد من المذكرات الأمنية واتفاقات التعاون لمواجهة التنظيمات الكردية، منها المذكرة الموقعة عام 2004 بعد عودة حزب العمال الكردستاني إلى شن عمليات عسكرية وتأسيس حزب الحياة الحرة الكردستاني في إيران، ومنها اتفاقية طهران الأمنية لعام 2018 التي نصت على تنسيق أمني عال وتنفيذ عمليات مشتركة ضد التنظيمات الكردية المسلحة.

وقد نفذت إيران العديد من الضربات الواسعة لتكون خطوة احترازية وتحذيرية أثناء الحرب الجارية على معسكرات تابعة لعدة تنظيمات كردية في محافظتي أربيل والسليمانية داخل العراق. بل واستهدفت مواقع تابعة لقوات البشمركة الكردية التابعة لحكومة إقليم كردستان ذاتها، مثل مقر الوحدة 70 في السليمانية.

"تنظر أنقرة إلى تحركات التنظيمات الكردية بوصفها تهديدا مباشرا لاستقرار الجنوب الشرقي في تركيا، وتخشى أن يؤدي أي تصعيد إلى إشعال توترات عرقية داخل إيران تمتد آثارها إلى تركيا".

تنظر أنقرة إلى تحركات التنظيمات الكردية بوصفها تهديدا مباشرا لاستقرار الجنوب الشرقي في تركيا، وتخشى أن يؤدي أي تصعيد إلى إشعال توترات عرقية داخل إيران، وزعزعة استقرار العراق، وتقويض مسار السلام مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، بما يتيح لتنظيم حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) فتح جبهات صراع ترغب أنقرة في إخمادها. ولذا قد تلجأ تركيا إلى توجيه ضربات تكتيكية تحد من توسع دائرة الصراع اتجاه حدودها، بجانب ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة وحكومة كردستان العراق لوقف أي دعم قد يصل إلى الأحزاب الكردية.

إن تلك التدخلات بلا شك ستجعل مسار الحرب أكثر غموضا وتعقيدا، فاستخدام التنظيمات الكردية لأراضي كردستان العراق قاعدة انطلاق ضد إيران من شأنه أن يحفز الجماعات الشيعية، وفي مقدمتها الحشد الشعبي، على شن عمليات ضد إقليم كردستان العراق، وهي عمليات قد تتسبب في حركة نزوح كبيرة للاجئين اتجاه تركيا، مما يقوض النجاحات التي حققتها أنقرة في هذا الملف بعد تراجع موجات اللاجئين السوريين إثر سقوط نظام الأسد.

التنظيمات الكردية.. تضارب الأيديولوجيا

خلف كل هذه التعقيدات تقبع حقيقة تأسيسية وهي أن الولايات المتحدة لا يبدو أنها تدرك، أو لعلها لا تريد أن تأخذ في الاعتبار، حجم التعقيدات المرتبطة بالملف الكردي لا سيما في إيران. فعندما تتحدث واشنطن أو حليفها العبري عن الشعوب الكردية فإنها تعني التنظيمات الكردية التي تقدم لها الدعم وتتواصل معها لا أكثر. غير أن المشهد الكردي الإيراني يتسم بالتعددية التي تجمع بين الأحزاب السياسية ذات التاريخ الطويل، والتنظيمات المسلحة، وشبكات المجتمع المدني النشطة، في تجلٍّ لإرث الحراك الكردي الذي تشكّل على مدار القرن العشرين. وقد أدت هذه التنظيمات أدوارا متباينة في صياغة العلاقة بين الأكراد والدولة الإيرانية المركزية، سواء عبر المطالبة بالحكم الذاتي، أو تبني العمل المسلح، أو الدفع نحو مسارات مدنية وحقوقية لتثبيت الهوية الكردية داخل البنية السياسية الإيرانية.

إعلان

ويُعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (PDKI) أقدم التنظيمات الكردية، إذ تأسس عام 1945 بقيادة قاضي محمد، الذي أعلن "جمهورية مهاباد" عام 1946، وهو المشروع السياسي الأول للأكراد في إيران. ومنذ ذلك الحين ظل الحزب يرفع شعار "الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان". وقد تعرض الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لانقسامات تنظيمية وصراعات داخلية، لكنه عاد للاندماج مجددا عام 2022 بعد 16 عاما من الانقسام، وهو يمتلك حضورا واسعا حفَّز الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على التواصل معه مؤخرا.

من جهة أخرى، برزت جمعية كادحي كردستان إيران "كومَله"، التي ظهرت أواخر الستينيات في شكل تنظيم ماركسي سري، قبل أن تعلن نشاطها العلني بعد انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، حيث استندت في خطابها إلى الجمع بين الخطاب القومي الكردي والرؤية اليسارية القائمة على الدفاع عن العمال والفلاحين.

وفي العقدين الأخيرين نشأت تنظيمات مسلحة أكثر ارتباطا بالحركات الكردية الإقليمية، أهمها حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) الذي تأسس عام 2004، وهو الامتداد الإيراني لحزب العمال الكردستاني، ويتبنى فكرة "الكونفدرالية الديمقراطية"، ويخوض مواجهات متقطعة مع الدولة الإيرانية في المناطق الجبلية الحدودية. كما ظهر حزب الحرية الكردستاني (PAK) الذي يدعو إلى استقلال كردستان الكبرى، ويمتلك جناحا عسكريا.

"إيران تضم أقلية كبيرة من الأكراد الشيعة تشكل نحو 27% من إجمالي الأكراد داخل البلاد، مقابل أغلبية سُنية تقارب ثلثي المكون الكردي".

وثمَّة تنظيمات أخرى ذات طابع أيديولوجي مختلف مثل منظمة النضال الكردستاني الإيراني "خبات" ذات التوجه القومي الإسلامي، وبالتوازي مع الأحزاب والتنظيمات المسلحة، شهدت كردستان إيران منذ مطلع الألفية الجديدة حضورا لعدد من منظمات المجتمع المدني والاتحادات الطلابية الكردية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن إيران تضم أقلية كبيرة من الأكراد الشيعة تشكل نحو 27% من إجمالي الأكراد داخل البلاد، مقابل أغلبية سُنية تقارب ثلثي المكون الكردي. ويتركز وجود الأكراد الشيعة في المناطق الجنوبية من كردستان إيران، وخاصة في محافظتي كرمانشاه وإيلام. وقد أسهمت الهوية الشيعية في تعزيز ارتباط جزء منهم بالدولة المركزية، وهو ما يفسر ضعف انخراطهم تاريخيا في الحركات القومية الكردية التي غلب عليها المكوِّن السني.

رغم اختلاف الأيديولوجيات والمسارات التنظيمية، فإن هذه الحركات تنخرط جميعا ضمن الإطار العام للحراك الكردي داخل إيران. وقد تجلى تأثيرها بصورة واضحة في موجة الاحتجاجات التي اندلعت عام 2022 عقب مقتل الشابة الكردية مهسا أميني، حين تحولت مناطق كردستان إلى أحد مراكز التعبئة السياسية والاجتماعية ضد النظام الإيراني، مما أعاد تسليط الضوء على المسألة الكردية بوصفها من أشد الملفات حساسية في البلاد.

ورقة الأكراد.. من السوفيات إلى صدام

ارتبطت الحركة الكردية في إيران منذ بداية نشأتها بتفاعلات القوى الكبرى، ويعد الاتحاد السوفياتي أحد أبرز الفاعلين الذين أطلوا برؤوسهم في الملف الكردي أثناء القرن العشرين، بل كان المرجعية التي وجهت الحركة السياسية الكردية النشطة آنذاك. فقد وفر السوفيات طوال احتلالهم شمال إيران أثناء الحرب العالمية الثانية البيئة السياسية التي سمحت بظهور جمهورية مهاباد عام 1946، التي تعد أول تجربة حكم كردي حديثة في إيران.

ولكن مع انسحاب القوات السوفياتية من إيران عام 1946 بعد تسويات مع الحكومة المركزية في طهران، انهار مشروع جمهورية مهاباد سريعا بعد دخول الجيش الإيراني المدن الكردية وإعدام قادة الحركة الاستقلالية فيها، فتحولت التجربة إلى محطة تأسيسية في الذاكرة السياسية للحركة الكردية الإيرانية، في حين فر الكثير من قادة جمهورية مهاباد إلى الاتحاد السوفياتي.

تشير وثائق تاريخية إلى أن عددا من القيادات الكردية زار مدينة باكو التي كانت تقع ضمن جمهورية أذربيجان السوفياتية حينها، والتقى هؤلاء بمسؤولين سوفيات طلبا للدعم السياسي. غير أن موسكو تعاملت مع المشروع الكردي بمنطق براغماتي، إذ ضغطت لتخفيض سقف المطالب من الاستقلال الكامل إلى صيغة حكم ذاتي ودفعت باتجاه إعادة تشكيل البنية التنظيمية للحركة الكردية.

بشكل تفصيلي، كشفت الوثائق النقاب عن رسائل تؤكد وجود اتصالات بين قادة تنظيم كومَله، ومنهم عبد الرحمن ذبيحي، والقنصل السوفياتي في المنطقة، حتى بعد أن سقط نظام الشاه الموالي للغرب ونشأت الجمهورية الإسلامية. لكن مع قرب انهيار الاتحاد السوفياتي وأزماته في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، تراجع التأثير الروسي المباشر في الحركة الكردية الإيرانية، واقتصر دور موسكو منذ تسعينيات القرن الماضي على مراقبة التحركات الكردية ضمن سياق التنافس الجيوسياسي مع الولايات المتحدة، دون وجود مؤشرات على دعم سياسي أو عسكري مباشر للأحزاب الكردية المعارضة في إيران.

مصدر الصورة قاضي محمد (وسط) رئيس جمهورية مهاباد (موقع الحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران)

بالتزامن مع ذلك، ظهر داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني تيار يرى أن تحقيق المطالب الكردية يتطلب الانفتاح على الولايات المتحدة، رغم أن هذا التوجه ظل محل جدل داخل الحركة نفسها. ولكن واشنطن كانت تتابع الحراك الكردي في إيران ضمن سياق الحرب الباردة، خاصة بعد انتقال الملا مصطفى بارزاني الزعيم الكردي البارز إلى الاتحاد السوفياتي، وقلق أمريكا من احتمال وقوع الحركة الكردية تحت النفوذ الشيوعي.

إعلان

وعلى الرغم من أن بعض الوثائق أكدت تواصل قادة جمهورية مهاباد عام 1946 مع البعثات الدبلوماسية الأمريكية في أذربيجان وطهران طلبا للدعم الدولي، مستندين إلى خطاب الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون الشهير حول حق الشعوب في تقرير المصير، فإن تلك المساعي لم تسفر عن دعم ملموس على الأرجح، إذ انصب تركيز واشنطن حينها على تثبيت حكم الشاه المتحالف معها كي يكون حائط صد أمام التوسع السوفياتي، لا سيما أن العديد من التنظيمات الكردية تبنت المرجعية الماركسية اللينينية، وعلى وجه الخصوص تنظيم كومله وحزب توده الشيوعي، اللذين عملا على نقل الخبرة التنظيمية اليسارية إلى الحركات الكردية.

"أدى نظام صدام حسين في العراق دورا كبيرا في دعم التنظيمات الكردية الإيرانية ووظفها سياسيا وعسكريا ضمن صراعه الطويل مع طهران".

وبالإضافة إلى الدعم السوفياتي والحضور الأمريكي الباهت، أدى نظام صدام حسين في العراق دورا كبيرا في دعم التنظيمات الكردية في إيران ووظفها سياسيا وعسكريا ضمن صراعه الطويل مع طهران. وكانت البداية عندما اضطرت الأحزاب الكردية الإيرانية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وتنظيم كومله، إلى نقل مقراتها إلى كردستان العراق بعد الثورة الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي نتيجة الضغط العسكري الإيراني. وقد نشأت في تلك الفترة علاقة براغماتية مع نظام صدام حسين، الذي قدم الدعم المالي واللوجستي لهذه التنظيمات، وسمح باستخدام أراضي العراق قاعدة خلفية لنشاطاتها.

مع نهاية الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، انقلبت الأوضاع، وبدأ توجس صدام من الحراك الكردي، إذ اتهمت بغداد القوى الكردية بالتعاون مع طهران أثناء الحرب، خاصة بعد أن سيطرت قوات الاتحاد الوطني الكردستاني بدعم إيراني على مدينة حلبجة، وهو ما استخدمه صدام ذريعة لشن عملية الأنفال والهجمات الكيميائية، وتدمير عدد من القرى الكردية، بهدف ترسيخ سلطته المركزية وتذويب الهوية الكردية ضمن هوية قومية بعثية، ومنع أي مشروع للحكم الذاتي أو تحالف كردي إيراني مستقبلي قد يهدد سيطرته على العراق أو يضعف موقعه في الصراع الإقليمي. ومنذ تلك اللحظة، اعتبر صدام الحركة الكردية أحد أخطر التهديدات الداخلية إلى جانب المعارضة الشيعية.

مصدر الصورة الرئيس العراقي صدام حسين (يمين) يتحدث مع الملا مصطفى بارزاني (الثاني يسار) زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني (الفرنسية)

كردستان وواشنطن

لم يكن انتقال الأحزاب الكردية الإيرانية إلى إقليم كردستان العراق مجرد خيار تنظيمي أو قرار تكتيكي عابر، بل جاء نتيجة مسار طويل من الضغوط العسكرية والسياسية التي فرضها النظام الإيراني بعد نهاية حربه مع العراق. ففي تلك المرحلة، وجه الحرس الثوري أولوياته الأمنية، وجزءا كبيرا من قدراته العسكرية، نحو المناطق الكردية في الغرب لتقويض نشاط التنظيمات الكردية. وشنت السلطات الإيرانية عمليات عسكرية واسعة استهدفت القرى الجبلية وممرات البيشمركة، وأنشأت شبكة من المنشآت العسكرية الدائمة التي قلصت هامش حركة المقاتلين الأكراد وجعلت بقاءهم داخل الأراضي الإيرانية أكثر كلفة وخطورة، مما اضطر التنظيمات الكردية إلى نقل مراكزها القيادية والتنظيمية خارج الحدود الإيرانية والتوجه إلى إقليم كردستان العراق.

كان الهدف من الانتقال إلى كردستان العراق إعادة ترتيب أوراق الحركة الكردية لمواجهة واقع إقليمي جديد. وتزامن ذلك مع انتفاضة 1991 في كردستان العراق وحرب الخليج الثانية، حيث انسحبت الحكومة العراقية من المنطقة بعد التدخل العسكري الأمريكي، وفتحت المجال لإجراء انتخابات برلمانية في مايو/أيار 1992، ثم تشكلت أول حكومة وبرلمان محلي كردي مستقل. دفعت تلك التطورات قيادة الإقليم الناشئ إلى تجنب أي ذرائع لتدخل طهران العسكري. ولذلك عملت الأحزاب الكردية الإيرانية على تقليص نشاطها العسكري تدريجيا والتحول نحو العمل السياسي والتنظيمي من داخل المخيمات والمقار الموجودة في الإقليم.

"ساهمت الاغتيالات الإيرانية في استنزاف قدرات الأحزاب والتنظيمات الكردية، مما جعلها غير قادرة على المبادرة بأي عمل عسكري".

لكن ذلك لم يكن كافيا لمنع انفجار الصراعات. ففي عام 1996، نفذت القوات الإيرانية عملية عسكرية داخل أراضي كردستان العراق فطوقت مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في "كوي سنجق" بمحافظة أربيل، وأجبرته على توقيع اتفاق يقضي بوقف العمليات المسلحة عبر الحدود. ولم تقتصر سياسات النظام الإيراني على الضغط العسكري، بل اتخذت شكل إستراتيجية أمنية أوسع لملاحقة القيادات السياسية في الخارج من أجل تفكيك البنية القيادية للحركة الكردية.

وقد مثل اغتيال الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني عبد الرحمن قاسملو في فيينا عام 1989 بعد عام من نهاية الحرب العراقية، ثم اغتيال خلفه صادق شرفكندي في مطعم ميكونوس ببرلين عام 1992، أبرز عمليات الاغتيال المنسوبة لطهران آنذاك. وقد ساهمت تلك العمليات في استنزاف قدرات الأحزاب والتنظيمات الكردية، مما جعلها غير قادرة على المبادرة بأي عمل عسكري، فتراجعت عملياتها في الداخل الإيراني.

مصدر الصورة صادق شرفكندي الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني اغتيل في مطعم ميكونوس ببرلين عام 1992 (موقع الحزب الديمقراطي الكردستاني – إيران)

تحت وطأة الضغوط، بدأت الحركة الكردية تتحول تدريجيا من العمل المسلح إلى العمل المدني والسياسي داخل بنية النظام، لا سيما مع صعود التيار الإصلاحي في عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي بين عامي 1997 و2005، حيث شهدت تلك المرحلة ظهور منظمات مجتمع مدني وصحف كردية وتشكل كتلة كردية داخل البرلمان، وإن كان هذا الانفتاح الجزئي قد بقي محدودا تحت رقابة أمنية مستمرة.

لكن مع وصول محمود أحمدي نجاد إلى رأس السلطة عام 2005 عادت المقاربة الأمنية الصارمة، خاصة أن أحمدي نجاد كان مسؤولا أمنيا في الأقاليم الكردية في السابق، حيث عمل على ملاحقة التنظيمات الكردية واعتقل بعض نشطائها، وكان يرى أن سياسات الانفتاح لسلفه خاتمي ساهمت في بروز تنظيمات مسلحة جديدة مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK) الذي أعلن تأسيسه عام 2004. وقد تابع من بعده حسن روحاني، الذي تولى السلطة بين عامي 2013 و2021، السياسة نفسها رغم كونه محسوبا على الإصلاحيين، مما دفع بعض الأحزاب الكردية إلى إعادة تنشيط العمل المسلح، فبقيت الحركة الكردية عالقة بين مسارات العمل المدني والاحتجاج السياسي والعودة المحدودة إلى العمل العسكري.

عملت التنظيمات الكردية على مدار العقدين الماضيين على الانخراط في الحركات الاحتجاجية داخل إيران، من احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 إلى الاحتجاجات الأخيرة هذا العام، وأدت دورا أكثر تنظيما في معارضة النظام من الداخل، عبر الأدوات الجماهيرية مثل الإضرابات العامة والعصيان المدني، مع توظيف محدود للعمل المسلح. وخلال انتفاضة عام 2022 تحديدا، تحولت المناطق الكردية إلى إحدى بؤر الاحتجاج الرئيسية داخل إيران، وازدادت محاولات تنسيق العمل السياسي والعسكري بين الأحزاب الكردية، فانتقلت الحركة تدريجيا من موقع الدعم الهامشي للاحتجاجات الإصلاحية إلى أحد الفاعلين الأكثر حضورا في معادلة المعارضة الإيرانية.

مصدر الصورة التنظيمات الكردية عملت على الانخراط في الحركات الاحتجاجية داخل إيران، من احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 إلى الاحتجاجات الأخيرة هذا العام (شترستوك)

في أتون الحرب

في يوم 22 فبراير/شباط الماضي، وقبل أقل من أسبوع من بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أعلنت 5 من التنظيمات الكردية المعارضة تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران"، ثم انضم إليها حزب كومله يوم 4 مارس/آذار، لتصبح مظلة شاملة لمعظم القوى الكردية المعارضة في إيران، ومنذ تلك اللحظة أعلن الائتلاف صراحة انخراطه في مواجهات مع قوات النظام الإيراني، وكرر دعواته لجنود الجيش إلى أن يتبرؤوا من ولائهم للنظام.

ورغم غلبة الأجندة الأيديولوجية اليسارية على هذا الائتلاف، فإن أعضاءه لم يستطيعوا مقاومة فرص الانفتاح على الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترمب، رغم تاريخ بعض أعضاء الائتلاف في رفض "الإمبريالية" الأمريكية، وأبرزهم حزب "كومله" وتوجسهم من الرهان على واشنطن في ظل سجلها "المضطرب" اتجاه الأكراد. وفيما يبدو، فإن هدف إسقاط النظام قد جمع الائتلاف الكردي وواشنطن على المدى القريب، وساهم في طمس التناقضات في صفوف التحالفات التي ترغب واشنطن في رعايتها لتقويض النظام الإيراني.

رضا بهلوي هاجم ائتلاف القوى السياسية لكردستان الإيرانية واتهمه بزعزعة وحدة إيران والتآمر على وحدتها (غيتي)

ظهرت هذه التناقضات جلية في الصدام العلني بين الائتلاف الكردي وبين رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أطاحت به الثورة الإيرانية عام 1979. فقد هاجم بهلوي الائتلاف واتهمه بزعزعة إيران والتآمر على وحدتها، وهي التهمة التقليدية التي استخدمها والده لقمع الحركة الكردية، وللمفارقة فهي كذلك التهمة ذاتها التي تشكل علاقة طهران بالحركة الكردية منذ تأسيس النظام الإسلامي. في تغريدة على منصة "إكس"، هدد بهلوي الائتلاف الكردي بحملة عسكرية إذا سقط النظام وعاد إلى طهران، وردّ الائتلاف على بهلوي واصفا إياه بأنه صاحب نزعة أمنية وعسكرية ويتجاهل تاريخ المطالب المشروعة للشعب الكردي.

"الإرث التاريخي يجعل الأكراد متحفظين في رهاناتهم، خاصة في ظل التماسك الواضح للنظام الإيراني الذي فاجأ واشنطن نفسها".

في الوقت الراهن، يبدو أن الولايات المتحدة قد تجاوزت الهوس بالرهان على نجل الشاه المخلوع منذ فترة، في الوقت الذي تتواصل فيه مع القادة الأكراد ولكن دون تنسيق شامل على الأرض، لا سيما في ظل غياب رؤية واضحة حول نطاق الحرب وأهدافها النهائية. وكذلك في ظل ذاكرة مريرة للحركات الكردية مع وعود واشنطن، التي لا تتجاوز عادة الدعم المحدود بالسلاح، وسرعان ما تتبخر حين تلوح في الأفق صفقة براغماتية مع حكام طهران أو بغداد أو دمشق، أيا كان توجههم الأيديولوجي.

هذا الإرث التاريخي يجعل الأكراد متحفظين في رهاناتهم، خاصة في ظل التماسك الواضح للنظام الإيراني الذي فاجأ واشنطن نفسها على ما يبدو. هذا التماسك -إذا استمر- يعني أن الجميع بمن فيهم واشنطن والمعارضة الكردية سيضطرون إلى التفاوض مع النظام في طهران في نهاية المطاف. والبديل الوحيد هو أن يقرر ترمب الانقلاب على تعهداته وخوض حرب برية شاملة في طهران، وهو سيناريو ستكون له تداعيات تتجاوز الأكراد وإيران والمنطقة بأسرها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا