آخر الأخبار

استهداف الغاز والنفط .. الخطوط الحمراء تشتعل

شارك

الهجمات الأخيرة على مرافق الطاقة في الخليج لا ينبغي فهمها بوصفها مجرد تطور عسكري عابر، بل باعتبارها لحظة كاشفة لتحول أخطر في طبيعة الصراع الإقليمي.

فالمنطقة التي قامت أهميتها الإستراتيجية تاريخيا على كونها خزانا عالميا للنفط والغاز، أصبحت اليوم تواجه معادلة أكثر تعقيدا: لم تعد الطاقة فقط سببا في أهمية الخليج، بل أصبحت أيضا هدفا مباشرا في النزاعات.

ومع استهداف منشآت مرتبطة بإنتاج النفط والغاز، والتهديد المتبادل للبنية التحتية الحيوية، دخلت المنطقة مرحلة جديدة عنوانها أن الصراع لم يعد يدور فقط حول النفوذ أو الردع العسكري، بل حول القدرة على تهديد الشريان الاقتصادي الذي يقوم عليه الاستقرار الإقليمي والعالمي.

وما يزيد من خطورة هذا التحول أن استهداف الطاقة لا يبقى محصورا في حدود الدولة المستهدفة، بل ينتقل أثره سريعا إلى الأسواق العالمية، وأسعار الوقود، وسلاسل الإمداد، وحسابات الأمن الدولي.

في هذا السياق، تكمن خطورة الضربات الأخيرة في أنها أصابت قطاعا شديد الحساسية في الخليج، أي القطاع الذي ترتبط به المالية العامة للدول، وثقة الأسواق، واستقرار التجارة العالمية.

التقارير الأخيرة أشارت إلى استهداف منشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران، وهو جزء من أكبر حقل غاز في العالم والمشترك مع حقل الشمال القطري، مما جعل أي تصعيد هناك يتجاوز البعد الإيراني الداخلي ليأخذ بعدا خليجيا ودوليا أوسع.

كما رافق ذلك هجمات مباشرة لمواقع طاقة في السعودية، والإمارات، وقطر، ما يؤكد أن الرسالة الأساسية لم تعد عسكرية فقط، بل اقتصادية أيضا: أي طرف يستطيع أن يرفع تكلفة الحرب على الجميع عبر استهداف الطاقة.

هذا النوع من الرسائل شديد الحساسية في الخليج؛ لأن البنية التحتية للطاقة ليست مجرد منشآت صناعية، بل هي عصب الدولة الحديثة، ومصدر القوة المالية، وأساس المكانة الإستراتيجية في النظام الدولي.

إعلان

التحليل الأعمق لهذه الهجمات يقود إلى نتيجة مهمة: الطاقة هنا لم تعد مجرد "ضحية جانبية" للحرب، بل تحولت إلى أداة ضغط وردع. من يهاجم منشأة نفطية أو غازية لا يستهدف فقط إنتاجا ماديا، بل يستهدف الثقة، والتأمين، والاستثمارات، والتسعير المستقبلي، ومزاج الأسواق.

ولهذا رأينا كيف أن مجرد التهديد أو الاستهداف المحدود كان كافيا لدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى، وإثارة الذعر في أسواق الغاز، وخلق ما يمكن وصفه بـ"علاوة مخاطر دائمة" على الخليج.

هذه العلاوة لا تنعكس فقط على المنتجين، بل على المستوردين أيضا في آسيا وأوروبا، وشركات الشحن، والتأمين البحري، وموازنات الدول الصناعية.

وكلما طال أمد هذا النمط من الاستهداف، تحولت تكلفة الصراع من تكلفة عسكرية مباشرة إلى تكلفة اقتصادية عالمية مستمرة، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي الكبير بما يحدث في الخليج حتى من دول ليست طرفا مباشرا في الأزمة.

وتزداد حساسية المشهد إذا وضعنا في الاعتبار الجغرافيا الإستراتيجية للخليج، وبالتحديد مضيق هرمز.

فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مرّ عبر المضيق في 2024 وما بعده أكثر من ربع تجارة الخام العالمية المنقولة بحرا، وحوالي خُمس الاستهلاك العالمي من الطاقة والمنتجات النفطية، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، ومعظمها من قطر.

هذا يعني أن أي تهديد للبنية التحتية للطاقة داخل الخليج يتضاعف أثره عندما يقترن بتهديدات الملاحة، أو باضطراب المرور عبر هرمز.

المشكلة هنا ليست فقط في توقف الإنتاج، بل في صعوبة التصدير، وارتفاع مخاطر التأمين، وإعادة توجيه الناقلات، والضغط على الممرات البديلة المحدودة.

لذلك، فإن استهداف مرافق الطاقة لا يمكن فصله عن معادلة الممرات البحرية، لأن قيمة الطاقة الخليجية عالميا لا تكمن فقط في إنتاجها، بل في قدرتها على الوصول الآمن والمستمر إلى الأسواق.

ومن المهم أيضا الإشارة إلى أن الخليج ليس سواء فيما يتعلق بكل قطاع أو بكل دولة. فالسعودية، على سبيل المثال، تملك منفذا مهما عبر البحر الأحمر وخط الشرق-الغرب إلى ينبع، وقد أظهرت بيانات حديثة ارتفاع الصادرات من ينبع مع تعطل هرمز، وهو ما يوفر لها قدرا من المرونة الإستراتيجية.

أما قطر، فرغم قوتها الهائلة في سوق الغاز الطبيعي المسال، فإن طبيعة صادراتها تجعلها أكثر ارتباطا بأمن الخليج البحري وباستقرار منشآت مثل رأس لفان، خاصة في ظل كونها لاعبا مركزيا في أمن الطاقة العالمي، ومع خطط توسعة حقل الشمال لرفع الطاقة الإنتاجية من 77 مليون طن سنويا إلى 126 مليون طن.

هنا يظهر التناقض المهم: القوة الطاقوية نفسها تولّد نوعا من الانكشاف الإستراتيجي، لأنه كلما ازدادت مركزية الدولة في السوق العالمية ازدادت حساسية منشآتها لأي تهديد.

لكن الأخطر في الهجمات على مرافق الطاقة ليس فقط أثرها الاقتصادي، بل أثرها السياسي على مفهوم الأمن في الخليج. لسنوات طويلة، كان الأمن الخليجي يُقرأ أساسا من زاوية التهديدات العسكرية التقليدية أو الصاروخية.

أما اليوم، فالمشهد يثبت أن الأمن الحقيقي أوسع من ذلك بكثير: إنه أمن اقتصادي، وأمن بحري، وأمن سيبراني، وأمن لوجيستي، وأمن بيئي أيضا.

إعلان

فالهجوم على منشأة غاز أو نفط لا يهدد الإنتاج فقط، بل قد يؤدي إلى حرائق واسعة، وتسربات، وتلوث بحري، وتعطيل سلاسل التبريد والنقل والتصدير.

وفي بيئة بحرية مغلقة وحساسة مثل الخليج، فإن أي حادث كبير في منشآت الطاقة قد يترك آثارا طويلة الأمد على الحياة البحرية، والثروة السمكية، والمياه الساحلية، وهو ما يجعل كلفة الحرب مركبة: مالية وبيئية وسياسية في آن واحد. ومن هنا فإن خطورة استهداف الطاقة تكمن في أنه يضرب الاستقرار بمعناه الشامل، لا بمعناه العسكري الضيق فقط.

سياسيا، يمكن القول إن استهداف مرافق الطاقة يضع دول الخليج أمام اختبار بالغ الدقة. فهي من جهة مطالبة بحماية بنيتها التحتية الحيوية وتعزيز الردع والدفاع الجوي والبحري، ومن جهة أخرى مطالبة بعدم الانجرار إلى منطق الحرب المفتوحة الذي قد يحوّل الخليج كله إلى ساحة استنزاف.

هذا يفسر لماذا تميل دول الخليج عادة إلى الجمع بين التشدد في رفض استهداف الطاقة، وبين الإصرار على احتواء التصعيد دبلوماسيا. فهذه الدول تدرك أن الرد المطلوب ليس عسكريا فقط، بل أيضا إستراتيجيا: تنويع طرق التصدير، تعزيز المرونة الداخلية، رفع جاهزية الموانئ والاحتياطات، وتكثيف العمل الدبلوماسي؛ لمنع تثبيت سابقة خطيرة تقوم على اعتبار مرافق الطاقة أهدافا مشروعة في النزاع. لأن أخطر ما في هذه المرحلة ليس الضربة بحد ذاتها، بل تطبيع فكرة استهداف الطاقة كأداة تفاوض أو انتقام.

وعلى المستوى الدولي، تكشف هذه الأزمة حدود الخطاب التقليدي عن "أمن الطاقة". فالعالم ظل لسنوات يتحدث عن تنويع المصادر، والتحول الطاقوي، والطاقة المتجددة، لكن الأحداث الأخيرة تذكّر بأن الخليج سيبقى، في المدى المنظور، محورا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة.

فحتى مع تنوع المنتجين، يبقى الخليج مركزا حاسما في النفط والغاز، وتبقى قطر والسعودية والإمارات وإيران أطرافا مؤثرة في استقرار السوق.

ولذلك فإن أي هجوم على مرافق الطاقة في هذه المنطقة هو، عمليا، هجوم على جزء من استقرار الاقتصاد العالمي.

وإذا استمر هذا النمط من التصعيد، فمن المرجح أن يدفع كبار المستوردين إلى إعادة التفكير في التخزين الإستراتيجي، وتنويع الموردين، والاستثمار بشكل أكبر في المرونة اللوجيستية، لكن ذلك لن يلغي الحقيقة الأساسية: الخليج لا يزال حجر زاوية في معادلة الطاقة الدولية.

في المحصلة، الهجمات الأخيرة على مرافق الطاقة في الخليج ليست مجرد فصل جديد في أزمة إقليمية، بل هي مؤشر على تحول عميق في طبيعة الصراع ومعايير الردع. فالطاقة لم تعد فقط مصدر ثراء ونفوذ، بل أصبحت أيضا ساحة ابتزاز ومخاطرة ومواجهة.

وهذا يفرض على دول الخليج، وعلى المجتمع الدولي، الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق بناء الحماية الإستراتيجية طويلة المدى: حماية المنشآت، تأمين الممرات، منع التطبيع مع استهداف البنية التحتية المدنية، وإعادة الاعتبار للدبلوماسية بوصفها ضرورة أمنية لا ترفا سياسيا. لأن الحقيقة التي كشفتها هذه الأزمة بوضوح هي أن استهداف الطاقة في الخليج لا يهدد دولة واحدة، بل يهدد فكرة الاستقرار الإقليمي نفسها، ويمس بصورة مباشرة أمن الاقتصاد العالمي بأسره.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا