لا تمثل الحركة الصهيونية منذ نشأتها الإجماع اليهودي المطلق الذي تحاول ترويجه في أدبياتها السياسية، بل لطالما برزت أصوات يهودية نقدية من قلب المؤسسات الأكاديمية والعسكرية، ترفض حصر الهوية اليهودية في مشروع استيطاني إحلالي.
هؤلاء "المنشقون" عن الرواية الرسمية الإسرائيلية لم يكتفوا بالاعتراض النظري بل خاضوا تجارب وجودية قادتهم إلى تفكيك الأساطير التي بُنيت عليها إسرائيل، معتبرين أن الصهيونية ليست قدرا تاريخيا بل ظاهرة سياسية لها بداية ولها نهاية حتمية.
ومن بين هذه الأصوات، يبرز المؤرخ والفيلسوف اليهودي الروسي البروفيسور أرتيوم كيربيتشونوك، الذي يحمل سيرة ذاتية فريدة تمزج بين النشأة في بيئة اشتراكية علمانية بالاتحاد السوفيتي، والهجرة إلى إسرائيل والخدمة في جيشها بقلب قطاع غزة في منتصف التسعينيات.
كيربيتشونوك، الذي قرر لاحقا الهجرة العكسية ومغادرة إسرائيل، يرى في تجربته رحلة من "الأيديولوجيا المضللة" إلى "الواقع الأخلاقي"، إذ بات يؤمن بأن الصراع ليس مجرد نزاع حدود بل هو اختبار للضمير الإنساني والعدالة الكونية.
يتحدث كيربيتشونوك في هذا اللقاء مع الجزيرة نت عن ذكرياته في معسكرات الجيش، وأسباب كره المهاجرين بعضهم بعضا داخل إسرائيل، وكيف يمكن لليهود أن يجدوا طريقا للنجاة بعيدا عن الصهيونية.
وهذا نص الحوار:
عشنا سنتنا الأولى في القدس في ما يُسمى "مركز الاستيعاب" المخصص للمهاجرين، كان عبارة عن فندق قديم، حيث تقيم كل عائلة في غرفة واحدة فقط.
كان والداي مُسنَّين ويعيشان على المساعدات الاجتماعية، في حين ذهبتُ أنا للعمل في أحد المصانع بمهنة "عامل تنظيف"، وفي الوقت نفسه كنت أستعد للالتحاق بالجامعة.
كنا نرغب في البقاء بالقدس، لكنها كانت باهظة الثمن، لذا بعد عام واحد حصلنا على قرض واشترينا شقة في مدينة عسقلان القريبة من قطاع غزة.
في البداية، كنا نشعر كأننا لاجئون يفرون من انهيار الاتحاد السوفيتي، في السنة الأولى لا تكون مدركا للعالم من حولك، ويكون لديك الكثير من الأمل والنشوة.
لقد بهرني جمال القدس ومناظر فلسطين، ولكنْ كان هناك تباين صارخ مع المدن الإسرائيلية الجديدة على الساحل، التي كانت قذرة وقبيحة بمنازلها النمطية.
كنتُ أرغب حقا في التواصل مع الإسرائيليين، فقبل الهجرة كنت أذهب إلى مدرسة في الكنيس حيث كانت تمارَس هناك "البروباغندا" الصهيونية.
لكنْ في الواقع، كان الإسرائيليون يعاملون اليهود الوافدين كمنافسين، وكانوا يكرهونهم ويحتقرونهم، لم أكن معتادا على مثل هذه المعاملة ورهاب الأجانب في الاتحاد السوفيتي، لذا بدأت تدريجيا بحصر تواصلي مع الإسرائيليين في نطاق العمل فقط، وأصبح من الواضح لي شيئا فشيئا أن إسرائيل كانت بلدا غريبا بالنسبة لي، بلغة وعقلية وثقافة مختلفة تماما.
خدمتُ في مستودع بإحدى قواعد جيش الدفاع الإسرائيلي في شمال قطاع غزة في منتصف التسعينيات.
كنت مندهشا باستمرار من الانضباط الضعيف للإسرائيليين، كان بإمكانهم النوم أثناء الخدمة، وعدم اتباع الأوامر، ولم يعتنوا جيدا بأسلحتهم أو زيّهم العسكري.
لهذا السبب، لا أومن بنظريات المؤامرة حول 7 أكتوبر، أنا مندهش أن ذلك لم يحدث في وقت سابق. أيضا، في روسيا، علَّمتنا الدعاية الغربية أن جيش التجنيد الإجباري سيئ، وأنه يحد من الحرية، وأنه يجب أن يكون هناك جيش تعاقدي (احترافي).
في إسرائيل، ادعت الدعاية عكس ذلك تماما، لم أفهم لماذا يجب أن أجلس في مستودع مدة ثلاث سنوات، وأقوم بعمل وضيع بعد تخرُّجي في الجامعة.
نحن نتحدث عن مزيج من عوامل عدة، لقد توصلت إلى قراري تدريجيا، جئت إلى إسرائيل في سن 16 عاما صهيونيا مقتنعا، ثم اصطدمت الأيديولوجيا بالواقع.
بعد بضع سنوات، أدركتُ أنني لن أكون أبدا واحدا من الإسرائيليين، وأننا شعوب مختلفة. وبعد بضع سنوات أخرى، أصبح من الواضح لي أنني لن أتمكن من تحقيق ذاتي مهنيا في هذا البلد.
في روسيا و الولايات المتحدة وأوروبا، لدى اليهود فرص أكثر بكثير أثناء الدراسة في الجامعة، ومن الكتب والمحاضرات بدأتُ أتلقى معلومات تتعارض مع الدعاية الصهيونية.
على سبيل المثال، قيل لنا إن الصهاينة جلبوا الازدهار إلى فلسطين، وفي المحاضرات تعلمتُ أن المستعمرين غير المعتادين على المناخ المحلي والزراعة بالكاد نجوا، ولم يكن بإمكانهم النجاة لولا مساعدة الفلسطينيين والمستعمرين الألمان الذين عاشوا في مكان قريب.
عشتُ أيضا في عسقلان في منطقة يسكنها يهود من المغرب واليمن والعراق، لم يحبونا نحن اليهود القادمين من روسيا، وأخبروني كيف سخر منهم اليهود الأوروبيون في الخمسينيات والستينيات.
أدركت أن المجتمع الإسرائيلي هو مكان يكره فيه الجميع بعضهم بعضا، وفقط الحرب مع الفلسطينيين هي ما توحدهم، وفكرت: إذا كان الإسرائيليون يفعلون هذا بعضهم ببعض، فماذا يفعلون بالفلسطينيين؟ بدأت التواصل مع الناشطين اليساريين، وأعضاء الحزب الشيوعي، ومع نهاية دراستي في الجامعة أدركت أنني لا أريد العيش في هذا البلد.
كان أجدادي ضد المغادرة إلى إسرائيل، قالوا إن اليهود يجب أن يعيشوا في وطنهم، في روسيا، لكنَّ أشخاصا آخرين تفهَّموا أيضا قراري بمغادرة إسرائيل.
كثير من الإسرائيليين يعيشون في إسرائيل فقط لأنهم لا يستطيعون المغادرة إلى مكان آخر بسبب الديون أو العائلة، كثيرون يفعلون كل شيء حتى يتمكن أطفالهم على الأقل من الهجرة إلى كندا أو أمريكا أو ألمانيا، هناك فرق كبير بين ما يكتبه الإسرائيليون على الإنترنت وما يقولونه في منازلهم.
أعتقد أن الفكر واللاهوت اليهودي يمتلكان الأدوات الكافية لتفكيك الصهيونية، لكنَّ كشف زيف الأيديولوجيا لا يعني سقوطها فورا، فالنازية كُشفت فكريا في العشرينيات ولم تسقط فعليا إلا عام 1945.
بالنسبة لي، الانفصال عن الصهيونية هو سلسلة من الاختيارات الأخلاقية التي تجعل الفرد ينحاز إلى جانب دون الآخر، تماما كما نرى في الروايات الكلاسيكية عن الحروب الأهلية، حيث يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى اتخاذ موقف أخلاقي يحدد المعسكر الذي ينتمي إليه.
هناك ثلاثة أسباب رئيسية من وجهة نظري:
أخشى أننا نتحدث عن الاستشراق والقوالب النمطية والعنصرية، لدى أنطوان دي سانت إكزوبيري قصة عن عالم تركي تحدَّث عن كوكب مكتشَف، ولكنْ لأنه كان يرتدي ملابس تركية لم يصدّقه أحد.
في العام التالي، تحدَّث عن المذنَّب نفسه وهو يرتدي بدلة أوروبية، ولم يشك أحد في كلماته.
العالم يرى الصراع بعيون الإسرائيليين، حتى الفلسطينيون يضطرون إلى الاستشهاد بأعمال أساتذة إسرائيليين منشقين، مثل إيلان بابيه وآفي شلايم وشلومو ساند وغيرهم. في الغرب، ليس من المعتاد الرجوع إلى أعمال العلماء العرب والفلسطينيين. لذلك، فإن كلمة اليهودي أو الإسرائيلي من أجل فلسطين لها -إذا جاز التعبير- وزن مضاعَف. لكنَّ العالم أصبح أقل فأقل مركزية أوروبية، وأعتقد أن كل شيء سيتغير عاجلا أم آجلا.
بصفتي مؤرخا، أؤكد أن الصهيونية ظاهرة تاريخية، ولكل ظاهرة نهاية. سيتعين على اليهود مستقبلا مواجهة "التروما" التي خلفتها هذه الأيديولوجيا، تماما كما حدث بعد انهيار حركات سابقة في القرن السابع عشر.
أشعر بالخجل الشديد لأنني كنت يوما جزءا من هذا المشروع، وقد دفعت ثمن ذلك وسأظل أدفع. واليوم، نصيحتي للإسرائيليين هي البدء بتعلم اللغة العربية، والتحول تدريجيا ليكونوا "فلسطينيين جيدين".
وفي المقابل، على الفلسطينيين والدول الإسلامية دراسة المجتمع الإسرائيلي بعمق، فالولايات المتحدة لم تنتصر في الحرب الباردة إلا حين أنشأت مدارس أكاديمية تفهم نقاط قوة وضعف خصمها السوفيتي، فالنصر الحقيقي يبدأ من فهم العدو لمواجهته بفاعلية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة