تشير مصادر إيرانية معارضة مطلعة إلى تولى القائد الأسبق للحرس الثوري محسن رضائي قيادة المجلس الثلاثي لإدارة الحرب في ظل استمرار غياب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.
يعتبر المرشد أعلى هرم السلطة في إيران والقائد الأعلى الفعلي وهو من يدير الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويتمتع بصلاحيات لا حدود لها، حيث يعين كبار المسؤولين في الحرس الثوري والقضاء، ويجمع بين المرجعية الدينية وقيادة الدولة وفق نظام “ولي الفقيه”، الذي أعلنه روح الله الخميني نظاما لإدارة إيران بعد سيطرته على الحكم فيها عام 1979، وأصبح هو أول مرشد لإيران.
وتلفت ملامح المشهد الإيراني في ظل الحرب الحالية، إلى أن منصب المرشد الأعلى لم يعد مركزاً رئيسيا للثقل في النظام بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي وتعيين نجله مجتبى خامنئي خلفا له.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاثنين، إنه من غير الواضح ما إذا كان المرشد الايراني الجديد مجتبى خامنئي لا يزال على قيد الحياة، في ظل تقارير تفيد بإصابته في غارة جوية.
ونقلت رويترز عن الرئيس ترامب، قوله خلال فعالية بالبيت الأبيض “لا نعلم… إن كان قد مات أم لا. أقول إنه لم يره أحد، وهذا أمر غير معتاد”، مضيفا “يقول الكثيرون إنه تعرض لتشوهات شديدة، ويقولون إنه فقد ساقه… وإنه أصيب بجروح بالغة. بينما يقول آخرون إنه مات”.
وفي ظل الحرب الحالية وغياب المرشد الجديد، من يدير ويقود إيران؟
كشفت 7 قيادات من المعارضة الإيرانية من ضمنهم قياديين عسكريين كرديين لـ”الحرة”، عن مجلس ثلاثي يدير حاليا إيران ويقود الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفق هؤلاء، يترأس المجلس محسن رضائي، القائد الأسبق للحرس الثوري والمستشار الحالي للمرشد مجتبى خامنئي، إلى جانب قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، ورئيس البرلمان محمد باقر قليباف، في إشارة الى سيطرة التيار المتشدد في الحرس الثوري على السلطات في إيران.
وبحسب المصادر ذاتها، تركز القيادة الثلاثية على الحفاظ على الجبهة الداخلية من أي تدهور ومنع اندلاع أي انتفاضة او ثورة شعبية عبر اتخاذ تدابير امنية مشددة بالاعتماد على قوات الباسيج “قوات التعبئة الشعبية” في الحرس الثوري، التي نفذت خلال الأيام الماضية حملات اعتقال واسعة في صفوف الإيرانيين خاصة الشباب بتهمة التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، مع إصدار أحكام عرفية تمنح الصلاحية لعناصر الباسيج والقوات الخاصة في الحرس الثوري بإطلاق النار على كل تجمع أو تظاهرة أو أي اشخاص تعتبرهم مشتبه بهم في الشارع.
كما وتشمل إجراءات اللجنة الثلاثية، بحسب القيادات المعارضة، تفعيل فيلق القدس “جناح الحرس الثوري الخارجي” للأذرع الإيرانية المسلحة في العراق وحزب الله اللبناني للمشاركة مع القوة الجو فضائية للحرس الثوري، في شن هجمات سريعة ومكثفة صاروخية وأخرى بطائرات مسيرة ضد المصالح الأميركية وإسرائيل ودول الخليج، واعتماد سياسة خارجية خشنة ترفض الاستسلام مع الإبقاء على بعض القنوات الدبلوماسية لحالة الضرورة حفاظا على بقاء النظام.
وحل محسن رضائي محل علي لاريجاني، الذي كان يقود المجلس الثلاثي، وقتل لاريجاني، فجر الثلاثاء، في طهران مع مجموعة من المسؤولين الإيرانيين في غارة جوية إسرائيلية.
وأكد مجلس الأمن القومي الإيراني في بيان مقتله مع نجله وعدد من مرافقيه.
ويلفت الخبير في الشأن الإيراني علي الشمري إلى انتقال مركز الحكم والثقل والقرار من المرشد الى الحرس الثوري بعد مقتل علي خامنئي.
“الحرس الثوري أصبح اللاعب الأقوى فعلياً في النظام، خصوصاً في ظل الحرب والظروف الأمنية وأصبح نفوذ الحرس مركزياً في النظام، وصول مجتبى خامنئي للسلطة هي إشارة إلى أن التيار المتشدد والمؤسسة العسكرية الأمنية يهيمنان على النظام”، يضيف الشمري لـ”الحرة”.
ويشير الشمري إلى أن محسن رضائي وأحمد وحيدي وقاليباف، يمثلون نواة السلطة الأمنية والعسكرية ويشاركهم في إدارة إيران وقيادة الحرب الحالية مكتب المرشد الأعلى رغم غياب المرشد، لافتا إلى أن نفوذ الحرس الثوري وقادته يزداد ويصبح أكبر من نفوذ رجال الدين خلال الأزمات والحروب، لكنه لا يستبعد تحول نظام الحكم في إيران من نظام ديني إلى نظام عسكري أمني بقيادة الحرس الثوري.
وبحسب متابعات “الحرة” لملف اللجنة الثلاثية التي تقود إيران حاليا، يعتبر محسن رضائي من أبرز قادة التيار المتشدد في الحرس الثوري، وأصبح القائد الأعلى له خلال الفترة الممتدة من عام 1981- 1997، قاد خلالها الحرس في الحرب الإيرانية العراقية ولعب دورا بارزا في تطوير قدرات الحرس، خاصة برنامج الصواريخ البالستية.
وعمل رضائي خلال السنوات الماضية على ترسيخ وتوسيع نفوذ الحرس داخل إيران وخارجها وكان من المقربين للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي، ويعتبر من قادة الحرس الذين يرفضون الاستسلام ويشدد على مواصلة الحرب.
ويشارك رضائي في آرائه وتشدده ودوره الأمني والعسكري، محمد باقر قليباف رئيس البرلمان الحالي القادم هو الآخر من الحرس الثوري، كما ويمتلك خبرة كبيرة في الاشراف والتواصل مع شبكات اقتصادية تابعة للحرس الثوري، مهمتها التمويه لتوفير الأموال للحرس الثوري وإدارة عملياته الاقتصادية في ظل الحرب، وهو الآخر يعتبر ضمن التيار المحافظة.
أما العضو الثالث المتمثل بقائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، فهو أول قائد للحرس من خلفية استخباراتية وهو ضمن عدد قليل جدا من قادة الصف الأول من الحرس الناجين من القتل خلال حرب الاثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي والحرب الحالية حتى الآن.
يمتلك وحيدي علاقات كبيرة مع قادة الصف الثالث من الحرس الذين يقودون عمليات الحرس حاليا، ويمثل التيار المتشدد في الحرس الذي يشدد على الحلول الحربية بدلا من السلام في معالجة المشاكل التي تواجه إيران، وقد عينه علي خامنئي نائبا لقائد الحرس في ديسمبر الماضي، وتولى قيادة الحرس بعد مقتل قائد الحرس السابق في هجوم صاروخي اميركي إسرائيلي مشترك مطلع مارس الحالي.
ويرى الباحث المختص بالشأن الإيراني سوران بالاني أن توسع سلطات الحرس مرتبط بتعيين مجتبى خامنئي مرشدا جديدا للنظام في إيران.
“مجتبى خامنئي، هو الأقرب من الحرس الثوري وأكثر تطرفا من والده خامنئي، وقد عمل طيلة السنوات الماضية على ترسيخ قوته وسلطته بين صفوف الحرس الثوري والأجهزة الأمنية الإيرانية، وكان بمثابة ظل والده داخل هذه المؤسسات، وخلال فترة والده هو المنفذ الفعلي لسلطات”، يوضح بالاني لـ”الحرة”.
ويشير بالاني إلى أن إيران ستتجه في ظل مجتبى خامنئي، فيما إذا لم يقتل خلال الحرب الحالية، إلى انغلاق أكبر وانهيار أضخم داخليا وخارجيا، وسيحاول اتخاذ سياسة الانتقام، وسيجر إيران إلى مأساة كبيرة، لكنه يعبر عن ثقته أن النظام الحالي سيستسلم في النهاية، لأنه يواجه الانهيار في غالبية مفاصله.
وقبل مقتل لاريجاني بساعات، أعلنت وسائل إعلام إيرانية، الاثنين، عن تعيين المرشد الإيراني لمحسن رضائي مستشارا عسكريا له، الأمر الذي يعتبره مراقبون ومختصون في الشأن الإيراني تحدثوا لـ”الحرة”، إشارة إلى نقل المرشد لغالبية صلاحياته العسكرية والأمنية وإصدار القرارات السريعة والمباشرة إلى رضائي والمجلس الثلاثي، الذي يمثل سيطرة كاملة للتيار المتشدد في الحرس الثوري على مفاصل الحكم والسلطات في ظل حالة الارتباك التي تعيشها إيران.
ويرى الخبير في الشأن الإيراني مسعود الفك أن اعتبار المرشد مجرد واجهة طرح مبالغ فيه، لافتا إلى أن النظام الإيراني، بحسب دستوره وبنيته السياسية، يجعل من المرشد القائد الأعلى للقوات المسلحة وصاحب الكلمة الفصل في القرارات الاستراتيجية.
“لكن مقتل علي خامنئي وصعود نجله مجتبى إلى موقع المرشد يفتح مرحلة مختلفة من توازنات القوة داخل النظام. فالمرشد الجديد وصل إلى السلطة في ظرف داخلي وإقليمي شديد التعقيد، ما يجعله يعتمد بدرجة أكبر على ما يعرف بالنواة الصلبة للسلطة، أي شبكة القادة الأمنيين والعسكريين المرتبطين بالحرس الثوري” يقول الفك لـ”الحرة”.
ويشير الفك إلى أن السيناريو الأقرب ليس أن يصبح المرشد واجهة للعسكر، بل أن يتشكل نمط من الشراكة أو التداخل بين السلطة الدينية التي يمثلها المرشد والقوة الصلبة التي يمثلها الحرس الثوري. وفي هذا الإطار سيبقى المرشد صاحب الشرعية العليا، بينما يتحول الحرس الثوري إلى ركيزة أساسية في إدارة السلطة.
ويعتبر الفك أن انتقال مركز الثقل من المرشد إلى الحرس الثوري لا يعني أن المرشد لن يستطيع التحكم بالحرس الثوري، بل يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد تقاربا أكبر بين المؤسسة الدينية التي يمثلها المرشد والمؤسسة العسكرية التي يمثلها الحرس الثوري.
ويتوقع الفك أن يعكس هذا الانتقال نهاية مرحلة التوازن النسبي بين التيارين المعروفين بالإصلاحيين والأصوليين، وصعود تيار أكثر ارتباطا بالنواة العقائدية والأمنية للنظام.
المصدر:
الحرة