في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
هناك مفارقة مركزية في الحرب الدائرة مع إيران، فبينما تهدف الضربات العسكرية والضغط السياسي من إسرائيل والولايات المتحدة إلى منع طهران من تطوير سلاح نووي، فإن بعض التحليلات ترى أن هذه الحرب قد تُفضي إلى النتيجة المعاكسة تماما.
تناولت مجلة ناشونال إنترست وصحيفة نيويورك تايمز هذا الموضوع وخلصتا إلى أن هذه الحرب ستؤدي إلى تسريع اندفاع إيران نحو امتلاك السلاح النووي بدل التخلي عنه.
وفي حين تركز ناشونال إنترست على الحسابات الإستراتيجية والردع النووي، تكشف نيويورك تايمز عن تعقيدات التقدير الاستخباراتي الأمريكي وحدود مبررات التصعيد.
في ناشونال إنترست، يوضح أستاذ العلاقات الدولية محمد أيوب أن الحرب الجارية على إيران ربما لا تُضعف برنامجها النووي، بل قد تُسرّعه، مشيرا إلى أن الدرس الأساسي الذي قد تخرج به طهران من هذه المواجهة هو أن غياب السلاح النووي يجعلها أكثر عرضة للهجوم، حتى إن التزمت بسياسة الغموض النووي وعدم تجاوز عتبة ما قبل إنتاج القنبلة النووية.
يضيف أيوب أن هذا الاستنتاج يعزز منطق الردع النووي في التفكير الإيراني، حيث تصبح القنبلة النووية -لا ضبط النفس- هي الضمان الحقيقي للأمن.
وينقل أيوب عن دراسات في العلاقات الدولية، خاصة أطروحات كينيث والتز، أن امتلاك السلاح النووي يخلق استقرارا نسبيا، لأنه يرفع كلفة الحرب إلى مستويات كارثية.
ويستشهد بتجارب دول مثل ليبيا والعراق، حيث أدى غياب الردع النووي إلى تدخلات عسكرية، مقابل كوريا الشمالية التي استطاعت حماية نظامها بفضل ترسانتها النووية. ويؤكد أيوب أن هذه الأمثلة تُرسّخ داخل الذهنية الإستراتيجية الإيرانية فكرة أن البقاء السياسي قد يتطلب امتلاك السلاح النووي وليس تجنبه.
فحسب تحليله، أثبتت الضربات العسكرية أن عدم امتلاك سلاح نووي فعلي لم يمنع الاستهداف، مما يضعف قيمة البقاء في المنطقة الرمادية. ومن ثم، يرى أيوب أن هذه الحرب قد تدفع صناع القرار في طهران إلى الاعتقاد بأن تجاوز العتبة النووية هو الخيار الوحيد الكفيل بمنع تكرار الهجمات مستقبلا.
ويضيف أيوب أن التحول لا يرتبط فقط بالحسابات الإستراتيجية، بل أيضا بالبيئة السياسية الداخلية في إيران، إذ يشير إلى أن التغيرات القيادية وصعود التيارات الأكثر تشددا، خصوصا داخل الحرس الثوري، قد يقلل من القيود الأيديولوجية التي كانت تحدّ من السعي نحو السلاح النووي، مثل الفتاوى الدينية التي أصدرها المرشد الراحل علي خامنئي بتحريم هذا السلاح.
ويخلص أيوب إلى أن الحرب قد تعيد تشكيل البنية الفكرية التي تُتخذ داخلها القرارات النووية، لصالح اتجاه أكثر براغماتية وأقل التزاما بالقيود العقائدية.
وفي نيويورك تايمز، ينقل مراسلها روبرت جيمبسون عن مسؤولين استخباراتيين أمريكيين قولهم إن التقييمات الرسمية لا تشير إلى أن إيران باتت قريبة من امتلاك صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة، وهو ما يتناقض مع بعض المبررات السياسية التي طُرحت لتسويغ التصعيد العسكري.
ونسب جيمبسون إلى مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، بحسب ما ورد في شهادتيهما أمام الكونغرس، القول إن إيران قد تحتاج سنوات طويلة لتطوير قدرة صاروخية عابرة للقارات.
ويشير جيمبسون إلى أن مسؤولي الاستخبارات يميزون بين التهديد الإقليمي والتهديد المباشر للأراضي الأمريكية. فبينما تمتلك إيران قدرات صاروخية متوسطة المدى قادرة على تهديد القواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة وأجزاء من أوروبا، فإنها لا تزال بعيدة عن امتلاك منظومات قادرة على الوصول إلى العمق الأمريكي.
ويضيف جيمبسون أن هذا التقييم يضعف بعض السرديات التي تربط الحرب بوجود تهديد وشيك مباشر.
وينقل جيمبسون عن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية أيضا أن إيران، إلى جانب دول أخرى مثل روسيا والصين وكوريا الشمالية وباكستان، تواصل تطوير أنظمة صاروخية متقدمة، لكن ذلك لا يعني أن جميع هذه الدول وصلت إلى مستوى تهديد مباشر للولايات المتحدة.
ويشير هؤلاء إلى أن الخطر الإيراني، في صورته الحالية، يتمثل في تهديد الإقليم بالدرجة الأولى، وليس في تهديد إستراتيجي فوري لأمريكا نفسها.
ويخلص التحليل الاستخباراتي -الذي تنقله نيويورك تايمز- إلى أن أي تقييم دقيق لنتائج الحرب يجب أن يأخذ في الاعتبار حجم الضرر الفعلي الذي لحق بالبنية العسكرية الإيرانية، وهو ما لم يتضح بالكامل بعد.
ومن ثم، فإن السؤال عما إذا كانت الحرب تضعف البرنامج النووي الإيراني أو تُسرّعه يظل مفتوحا، في ظل فجوة بين الأهداف السياسية المعلنة والتقديرات الاستخباراتية الفعلية.
ويخلص تحليل ناشونال إنترست إلى أن الحرب قد تدفع إيران نحو تسريع التسلح النووي باعتباره أداة ردع ضرورية، بينما تكشف نيويورك تايمز عن أن مبررات التصعيد الأمريكي الإسرائيلي تستند جزئيا إلى تقديرات استخباراتية لا تؤكد وجود تهديد وشيك مباشر.
وبين هذين المنظورين، تتشكل معضلة إستراتيجية أوسع: الحرب لن تؤدي إلى كبح البرنامج النووي الإيراني، بل إلى تسريع اللحظة التي تصبح فيها إيران قوة نووية بالفعل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة