في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- عشية عيد الفطر الثالث على قطاع غزة في زمن الحرب، يجلس الطفل يزن أبو شنب (10 أعوام) على بساطٍ خشن مفروش فوق الرصيف بجوار شادرٍ (مسكن بسيط مؤقت) صنعته عائلته من ألواح خشبية وأقمشة بالية.
لا يشبه المكان خيمة حقيقية كباقي الخيام الموجودة في منطقة المواصي بمدينة خان يونس، إنه أقرب إلى "عشة" صغيرة بالكاد تستر أفراد الأسرة. وعلى البساط نفسه تلهو شقيقة يزن مع أخيها بعلبة بلاستيكية (خُردة)، يقلبانها بين أيديهم كأنها لعبة حقيقية.
يسير المارّة بين حين وآخر في الشارع الضيق، بينما يظل الطفلان جالسين على الرصيف. لا توجد ألعاب حولهما، ولا كرات، ولا دراجات صغيرة كما اعتاد الأطفال في مثل هذه الأيام من كل عام.
يفتح يزن العلبة البلاستيكية ويغلقها مرارا، ثم يدفعها نحو أخته لتعيد الحركة نفسها. تبدو اللعبة بسيطة للغاية، لكنها بالنسبة لهما أفضل ما يمكن إيجاده في مكانٍ فقد معظم ملامح الحياة الطبيعية.
يقول يزن وهو ينظر إلى العلبة بين يديه: "في العيد كنت أشتري لعبة جديدة". يتوقف قليلا، ثم يضيف بنبرة خافتة للجزيرة نت: "لكن هذا العام لم نشترِ شيئا".
يشرح الطفل أن عائلته فقدت مصدر رزقها بعد حرب الإبادة، وأن والده لم يعد قادرا على شراء الألعاب أو الملابس كما كان يفعل في الأعياد السابقة للحرب، وبالكاد يكفي المال للطعام.
ورغم بساطة المشهد، تكشف جلسة يزن على الرصيف عن قصة أكبر من مجرد لعبة مفقودة. فالطفل الذي كان ينتظر العيد ليذهب إلى الأسواق ويختار لعبته بنفسه، أصبح اليوم يجلس أمام محل مغلق يلعب بعلبة بلاستيكية فارغة.
وبينما يقترب العيد من غزة مرة أخرى، يبدو أن يزن -مثل آلاف الأطفال- يتعلم مبكرا كيف يستبدل ألعاب العيد بأشياء صغيرة يجدها مصادفة على الرصيف.
يحل عيد الفطر هذا العام على قطاع غزة مثقلا بنحو عامين و5 أشهر من الحرب والحصار والتجويع والانهيار الاقتصادي والبنيوي. فبينما كانت الأيام الأخيرة من شهر رمضان في السابق تتحول إلى موسم شراء وزيارات عائلية، تبدو المخيمات اليوم غارقة في حالة من الحزن والشرود الذهني، الذي لا يقطعه سوى ضجيج الحياة اليومية في الخيام المكتظة.
في الأزقة الرملية بين الخيام، يكتفي الأطفال بالألعاب الحركية بعد أن نسوا شكل "الكرة، مسدس الخرز، والعرائس". لا أحد يتحدث عن ملابس العيد أو عن الأراجيح أو حتى عن العيدية التي كانت تشكل أكثر لحظات العيد انتظارا بالنسبة لهم. فالكثير من العائلات فقدت مصادر دخلها بالكامل، بينما ارتفعت أسعار السلع إلى مستويات غير مسبوقة.
وتؤكد عائلات نازحة أن فكرة شراء ملابس جديدة للأطفال باتت "رفاهية بعيدة المنال". فالأولوية أصبحت لتأمين الطعام والماء وبعض الاحتياجات الأساسية.
يوضح بلال بدرية (45 عامًا) أنه لا يستطيع شراء كيلو بندورة (طماطم) ثمنه 30 شيكلا (نحو 10 دولارات)، متسائلا "من وين نجيبها؟!"، وبينما يحاول الآباء إخفاء قلقهم، يدرك الأطفال جيدا أن العيد هذا العام لن يشبه ما سبق.
بعيدا عن خيمة يزن، تقف الطفلة لينا الدحدوح (9 أعوام) قرب مجموعة من الجِرار البلاستيكية المصطفة على الأرض أمام خيمة نزوح بيضاء، في أحد المخيمات المؤقتة جنوب قطاع غزة.
تمسك لينا بيدها دلوا صغيرا وتراقب والدها وهو ينحني لملء أحد الأوعية بالماء، بينما يقف حولهما أطفال آخرون ينتظرون دورهم بصبر متعب. يبدو المشهد أشبه بطابور طويل من الأوعية الفارغة التي تنتظر أن تمتلئ، مثلما ينتظر أصحابها أياما أقل قسوة.
لم تكن الطفلة الغزيّة تتخيل أن أيام ما قبل العيد يمكن أن تمر بهذه الطريقة، ففي مثل هذا الوقت من كل عام، كانت ترافق والدتها إلى الأسواق لشراء فستان العيد، وتعود إلى البيت وهي تعد الأيام المتبقية حتى صبيحة العيد. أما الآن، فتنشغل بالوقوف في طوابير المياه مع أفراد عائلتها، بعدما تحولت الخيمة إلى منزلٍ مؤقت لا يصل إليه الماء إلا عبر تعبئة الجِرار من نقاط بعيدة.
تقول لينا وهي تنظر إلى الأوعية المصطفة: "نأتي إلى هنا كل يوم لنحضر الماء". تتوقف قليلا ثم تضيف متحدثة للجزيرة نت: "كنت أظن أننا سنشتري ملابس العيد هذه الأيام". لكن الظروف التي فرضتها الحرب جعلت فكرة الملابس الجديدة بعيدة عن تفكير العائلة. فمعظم دخل الأسرة اختفى، وأصبح تأمين الماء والطعام أولوية يومية تتقدم على كل شيء آخر.
وبينما ينشغل الكبار بملء الجِرار وحملها إلى الخيام، تقف لينا إلى جوار الأطفال الآخرين تتبادل معهم الحديث والانتظار. لا أحد منهم يتحدث كثيرا عن العيد، لكن نظراتهم تكشف أنهم يعرفون جيدا أن الأيام القادمة لن تشبه أعيادهم السابقة. ففي هذا المكان الذي تحيط به الخيام والركام، يبدو أن فرحة العيد تأجلت مرة أخرى، بانتظار زمن تعود فيه حياة الأطفال إلى طبيعتها.
أما الطفل آدم السالمي (11 عاما)، فيقضي معظم وقته في التجول بين الخيام مع مجموعة من أصدقائه. حين يُسأل عن العيد، يجيب سريعا: "لم يعد هناك عيد".
كان آدم يقضي أيام العيد في أحد المتنزهات الشعبية في مدينة غزة، حيث تتوزع الأراجيح والألعاب الكهربائية التي يقصدها الأطفال من مختلف الأحياء. لكن تلك المتنزهات لم تعد موجودة اليوم "كل الأراجيح التي كنا نلعب عليها تحطمت". يشير بيده إلى ملعب اليرموك، ويضيف للجزيرة نت: "حتى الملاعب الصغيرة لم تعد موجودة".
بالنسبة له، لا يكمن فقدان العيد في الملابس الجديدة أو الحلوى فحسب، بل في غياب الأماكن التي كانت تمنح الأطفال مساحة للضحك والركض "كنا نخرج منذ الصباح ونعود في المساء"، يوضح آدم "أما الآن فنحن نبقى قرب الخيمة".
في أسواق غزة القليلة التي ما زالت تعمل، تبدو الاستعدادات للعيد مختلفة تماما عما اعتاده السكان في السنوات الماضية. فالأزقة التي كانت تمتلئ قبل العيد بأصوات الباعة وزينة المحال التجارية تبدو هذه الأيام أقل ازدحاما، فيما تغيب معظم مظاهر الاحتفال.
تتركز حركة البيع أساسا حول السلع الغذائية الأساسية، مثل الطحين والأرز وبعض الخضروات، بينما تختفي تقريبا البضائع المرتبطة بموسم العيد مثل الملابس الجديدة والحلوى التقليدية. وحتى عندما تتوفر هذه السلع، فإن أسعارها تفوق قدرة معظم العائلات.
يقول أحد التجار -للجزيرة نت- مفضلا عدم ذكر اسمه إن كثيرا من الزبائن يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغادرون دون شراء. فالمشهد العام للأسواق يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي يعيشها القطاع بعد سنوات من الحرب والتدمير.
حتى بين الخيام لا يجد أطفال غزة مساحة للمرح (الجزيرة)حتى الطقوس المنزلية المرتبطة بالعيد لم تعد كما كانت. ففي كثير من العائلات، اختفى إعداد الكعك والمعمول الذي كان يشكل تقليدا راسخا في أيام ما قبل العيد، والسبب أن أسعار الطحين والسكر والزيت ارتفعت بشكل كبير، فيما أصبحت هذه المكونات نفسها صعبة التوفر أحيانا، لذلك تكتفي بعض الأسر بإعداد كميات صغيرة جدا، أو تستغني عن هذه الطقوس بالكامل، وفق مشاهدات مراسل الجزيرة نت.
بالنسبة للأطفال، يمثل هذا التغيير جزءا آخر من الفقدان الذي يحيط بموسم العيد. فالكعك الذي كان يملأ البيوت برائحته المميزة بات اليوم ذكرى من زمن مختلف.
في ظل هذه الظروف، يواجه أطفال غزة واقعا معقدا يجمع بين الفقر والنزوح وفقدان المساحات الآمنة للعب. فالحرب لم تدمّر المنازل والبنية التحتية فحسب، بل تركت أيضا آثارا عميقة على حياة الأطفال اليومية.
يقول أمجد الشوا، مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، إنه العيد الثالث الذي يأتي على أطفال غزة في ظل أوضاع إنسانية قاسية غير مسبوقة.
ويوضح في حديثه -للجزيرة نت- أن معظم العائلات في القطاع فقدت مصادر دخلها نتيجة الدمار الواسع الذي أصاب الاقتصاد والبنية التحتية، مما جعلها عاجزة عن توفير أبسط مظاهر الفرح لأطفالها خلال العيد.
ويضيف أن الأطفال في غزة لا يعانون فقط من الحرمان المادي "بل أيضا من فقدان البيئة الاجتماعية الطبيعية التي يحتاجونها للنمو السليم. فالملاعب دُمرت، والمنتزهات اختفت، والمدارس تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين".
ويشير إلى أن العيد، الذي يفترض أن يكون مناسبة للفرح والتواصل الاجتماعي، يتحول في ظل هذه الظروف إلى تذكير إضافي بالخسائر التي عاشتها العائلات خلال الحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة