في تصريحات وُصفت بأنها "صريحة بشكل غير معتاد"، أعرب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أمام البرلمان -أمس الأربعاء- عن شكوكه تجاه مبررات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
ورغم موافقته على ضرورة منع طهران من تهديد جيرانها، أكد ميرتس غياب أي خطة مقنعة للعملية، كاشفا أن واشنطن لم تستشر حلفاءها الأوروبيين ولم تطلب مساندتهم.
ووجه رسالة قائلا: "طالما استمرت هذه الحرب، فلن نشارك في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز بالوسائل العسكرية".
موقف ميرتس يتماهى مع تصريحات وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس الذي أكد أن "هذه ليست حربنا"، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي شدد على أن بلاده "ليست طرفاً في الصراع".
تأتي هذه المواقف الأوروبية الموحدة بمثابة رد على طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تشكيل جهد عالمي لنشر سفن في مضيق هرمز، حيث فضل القادة الأوروبيون البقاء على خطوط التماس خوفا من الانجرار إلى صراع غير واضح الأهداف ولا يحظى بشعبية لدى مواطنيهم.
ورغم عدم إبداء أي إشارة من ترمب توحي بأنه يخطط لمعاقبة حلفاء الأطلسي، فإنه قال إنهم ارتكبوا "خطأ غبيا للغاية" بعدم انضمامهم إلى الولايات المتحدة في عملياتها العسكرية في إيران.
ووجه ترمب انتقادات -بشكل خاص- لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الذي قال إنه "ليس وينستون تشرشل" زعيم بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وهي مقارنة تصطدم برأي عام بريطاني يعارض الهجمات بنسبة 49% مقابل 28%، وفقا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة يوغوف .
وقد أجبر ذلك حزب الإصلاح البريطاني الشعبوي بقيادة نايجل فاراج والمعارضة المحافظة على التخفيف من دعمهم الأولي للضربات الأمريكية الإسرائيلية.
ووصفت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوك حرب الكلمات الصادرة عن البيت الأبيض بأنها "صبيانية"، وقالت: "أنا أكبر منتقدي كير ستارمر".
وبدوره، قال روبرت جينريك من حزب إصلاح المملكة المتحدة: "لا أحب أن أرى رئيس وزرائنا يتعرض للتوبيخ من قادة أجانب".
يتجنب الأوروبيون غضب ترمب خوفا من أن يتخلى عنهم في أوكرانيا، أو يحاول إجبار كييف على قبول اتفاق يصب في مصلحة موسكو.
وحتى وجود حلف شمال الأطلسي نفسه أصبح موضع تساؤل، حيث انزعجت دوله -مطلع العام الجاري- من مخططات ترمب للاستيلاء على جزيرة غرينلاند من الدانمارك التي هي عضو في الحلف.
وفي إسبانيا، سارع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى إدانة الهجمات على إيران ووصفها بأنها متهورة وغير قانونية، متجاهلا تهديدات ترمب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا إذا لم تسمح باستخدام القواعد التي تدار بشكل مشترك في الحرب.
وقالت ماريا خوسيه مونتيرو نائبة رئيس الوزراء في وقت سابق من مارس/ آذار الجاري: "لن نكون بالتأكيد تابعين لأحد، ولن نتسامح مع أي تهديدات، وسندافع عن قيمنا".
ويتواءم موقف الإسبانيين مع حكومتهم، إذ أبدى 68% منهم معارضتهم للحرب، حسب استطلاع رأي أجرته شركة "40 دي بي" الإسبانية.
وأظهر استطلاع آخر أجرته خدمة دراسات "أيه .آر. دي دويتشلاند تريند" أن 58% من الألمان يعارضون الحرب بينما يؤيدها 25%.
لم تقتصر الانتقادات على الحكومات، بل أتت حتى من حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، وهو حزب يسعى لكسب ود إدارة ترمب، إذ قال تينو شروبالا وهو زعيم مشارك في الحزب: "بدأ دونالد ترمب كرئيس سلام، وسينهي حياته كرئيس حرب".
نقلت رويترز عن مسؤول أوروبي -طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع- أن أهداف الحرب الأمريكية على إيران غير محددة أو واضحة، وربما تختلف عن أهداف الحرب الإسرائيلية، ولاسيما فيما يتعلق بتغيير النظام.
وفي مؤشر آخر على تصاعد التوترات، انتقد ميرتس وآخرون ترمب لتخفيفه العقوبات النفطية على روسيا في محاولة لتهدئة الأسعار العالمية المرتفعة، مما يشير إلى أن الولايات المتحدة قد فاجأت حلفاءها.
واستجابت قوى أوروبية للحرب في إيران ولكن بشروطها الخاصة، إذ قال ستارمر إن بريطانيا تعمل مع حلفائها على خطة لإعادة فتح مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي.
وبدورها، تسعى فرنسا إلى تشكيل تحالف لتأمين المضيق بمجرد استقرار الوضع الأمني، ودون دور للولايات المتحدة.
وأجرت باريس -خلال الأسبوع الماضي- مشاورات مع دول أوروبية وآسيوية -بما في ذلك الهند ودول الخليج العربية- بشأن خطة تهدف إلى مرافقة سفن حربية لناقلات النفط والسفن التجارية.
وقال ماكرون إن مثل هذه الخطة ستتضمن محادثات سياسية وفنية، بما في ذلك مع قطاع النقل البحري وشركات التأمين وغيرها، موضحا أن هذا العمل "سيتطلب إجراء مناقشات وتخفيف التوتر مع إيران".
وفي محاولة لإمساك العصا من المنتصف، يسعى القادة الأوروبيون إلى إظهار الوحدة قبل كل شيء محاولين التعامل مع ما يعتبرونه قيادة متقلبة من جانب ترمب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة