قبل أكثر من 1086 عاما، دخل الإمام الثاني عشر لدى المسلمين الشيعة الاثني عشرية، محمد بن الحسن العسكري، ما يُعرف بـ”الغيبة الكبرى” وفق المعتقد الشيعي السائد. ومنذ ذلك الحين، عاشت الجماعة حالة انتظار طويلة للإمام الغائب، الذي يُفترض أن يظهر في نهاية الزمان ليقيم العدل.
وعلى مرّ القرون، برزت محاولات متعددة لمنح الفقهاء دورا أوسع في إدارة أحوال الناس، ليس فقط في الشؤون الدينية، بل في الشؤون السياسية كذلك. لكن أيا من تلك المحاولات لم يفض إلى قيام سلطة مطلقة، دينية – سياسية، تماثل من حيث الصلاحيات، سلطة الإمام الغائب.
هذا التحول تحقق مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حين نجح روح الله الخميني في إرساء صيغة مؤسسية لهذه الفكرة تحت مسمى “ولاية الفقيه”. وتقوم هذه النظرية، في الفقه السياسي الشيعي الإمامي، على أن الفقيه الجامع للشرائط ينوب عن الإمام المنتظر في إدارة شؤون الأمة وقيادتها، لتصبح بذلك الركيزة الأساسية لنظام الحكم في إيران اليوم.
قبل إرساء “ولاية الفقيه”، كمؤسسة، كان هناك “اتفاق كبير جد بين الفقهاء الشيعة على أن الفقيه له ولاية في عصر الغيبة”، كما يشرح لـ “الحرة” الباحث زاهر موسى، الذي أعدّ بحثاً معمّقاً عن مرجعية النجف في مرحلة ما بعد المرجع الأعلى علي السيستاني (95 عاما) في حال وفاته.
تقصى زاهر في بحثه سيناريوهات ما قد يحدث في حال غياب المرجع الأعلى اليوم عند الشيعة. وقد نُشر البحث قبل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الذي كان يعتبر الشخصية الثانية التي يتبعها أو يقلدها شيعة العالم بعد السيستاني.
مع مقتل علي خامنئي وانتخاب ابنه وريثا له، تزداد التساؤلات حول مستقبل المرجعية، وتتبدل الكثير من المعطيات في توقّع الآتي.
لا مجال لفهم ما يجري، وما يمكن أن يحصل في المستقبل، من دون استيعاب مفهوم ولاية الفقيه في عصر الغيبة عند الشيعة. فبعد غيبة المهدي الصغرى، تولى نوابه الأربعة “السفراء” إقامة حلقة تواصل سرية بين الإمام الغائب وأتباعه الشيعة. وبعد دخوله في “الغيبة الكبرى”، ثم ووفاة نائبه الرابع، دخل الشيعة في حيرة واختلف فقهاؤهم بشأن أمر الولاية، أي قيادة الأمة أثناء الغيبة.
وبحسب موسى، ينحصر الخلاف التاريخي الشيعي حول هذه المسألة في “مساحة هذه الولاية: “هل تتطابق صلاحيات الولي مع صلاحيات الإمام المعصوم (مثل إعلان الجهاد الابتدائي وإنفاذ الحدود والقتل) أم تقل عنها؟”. هذا هو جوهر الخلاف، كما يشرح موسى، ويضيف: “الغالبية مع إنفاذ الصلاحيات بمجملها، وهذا كلام فقهاء كبار مثل المحقق الحلي والشيخ المفيد وبعض الإخباريين”.
هذا المفهوم استمر، بحسب موسى، من الدولة الصفوية إلى المحقق النجفي والشيخ الأنصاري والمولى النراقي، وصولا إلى الأدوار السياسية التي لعبها الفقهاء في “انتفاضة التنباك” و”الثورة المشروطة” (الحركة الدستورية) في إيران، ودعم تأميم النفط بقيادة آية الله كاشاني، وصولا إلى آية الله طالقاني وليس انتهاء بآية الله الخميني. كل هذه التدخلات السياسية قامت على أساس أن رجال الدين هؤلاء هم “نواب الإمام” ولهم صلاحياته. وبعد الثورة الإيرانية، تم “مأسسة” هذا الفكر وتحويله إلى مؤسسة دستورية (مجلس الخبراء). والخلاف بين الحوزة التقليدية في النجف خصوصا، والنظام الإيراني هو حول هذه “المأسسة” وليس حول الفكر بحد ذاته، كما يؤكد موسى.
أرسى روح الله الخميني دعائم مؤسسة ولاية الفقيه، وتولى هو نفسه الولاية المطلقة، وله ما للإمام المنتظر عند الشيعة من صلاحيات، وسنّ دستورا بذلك في إيران ينقل الولاية بالانتخاب بعد وفاته، وكان يشترط بمن يتولى ولاية الفقيه أن يكون الأعلم. لكن بعد وفاة الخميني عقّد مبدأ “الأعلمية” عملية تولي علي خامنئي المنصب من بعده، فجرى تعديل الدستور، كما يشرح رجل الدين الشيعي، الشيخ عباس يزبك لـ”الحرة”.
“السيد خامنئي عندما تولى القيادة في عام 1989 لم يكن الأعلم، ولا حتى كان مدرسا لدروس ‘بحث الخارج’ التي هي شرط من شروط الفقاهة المهمة. خطة الإمام الخميني لم تكن بهذا المعنى، لكن في آخر لحظة تم تغيير هذا الشيء وإسقاط فكرة الأعلمية، وقد لعب الفريق السياسي المحيط بخامنئي وخصوصا الشيخ هاشمي رفسنجاني الدور الأكبر في تزكية السيد خامنئي، لأنه كان يُنظر إليه كشخص يمكن توجيهه سياسيا”.
يزبك يشرح ان هناك مجهوداً لبنانياً بامتياز، قاده “حزب الله”، و”ساهم في تصدير مرجعية السيد خامنئي خارج إيران وتثبيتها عبر شهادات فقهية مكتوبة”.
ومع ان ولاية الفقيه موجودة كمؤسسة منذ العام 1979، واستمرت مع خامنئي من العام 1989 حتى اغتياله في العام 2026، بقي انتشار ولاية الفقيه كمرجعية دينية قاصراً عن بلوغ قدرة مرجعية النجف ممثلة بالسيد علي السيستاني، الذي يعتبر المرجع الأكثر تقليداً داخل إيران وفي العراق ولبنان وحتى بين شيعة أفغانستان والهند ودول الخليج. ولهذا هو يستحق عن جدارة لقب “المرجع الأعلى” للشيعة، كما يؤكد الباحث زاهر موسى.
يختلف مفهوم السيستاني للولاية عن مفهوم قادة الثورة في إيران، فهو يتفق مع الدستور الإيراني في اشتراط “بسط اليد” (النفوذ والقدرة على إنفاذ القرار)، لكنه يختلف عنهم في مساحة الولاية وهوامشها، ومدى انخراطها في السياسة. والسيستاني، وإن يمارس صلاحيات تشبه صلاحيات المعصوم (مثل الدعوة لكتابة الدستور، المشاركة في الانتخابات، وفتوى الجهاد في 2014)، لكنه يرى أن صلاحيات الولي تتسع وتضيق مرونةً بحسب الوضع السياسي وقبول الناس، ولا تكون مطلقة بالكامل.
عندما سُئل السيستاني عن تعريفه لولاية الفقيه، أجاب: “الولاية فيما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد، وأما الولاية فيما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الإسلامي فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط إضافية ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين.
والمقصود بـ”الأمور الحسبية” هي القضايا والمصالح العامة التي تتطلب تدخلا مباشرا من الفقيه لحفظ نظام المجتمع، النفوس، الأموال، والأعراض. وتشمل حفظ أموال اليتامى، القاصرين، الوقف العام، وإدارة أموال الغائبين.
ومع اغتيال خامنئي، واحتجاب ابنه عن الظهور والحديث عن إصابته، واحتمالات اغتياله، أو حتى انهيار النظام الإيراني بفعل الحرب، تُطرح إشكاليات عديدة حول مستقبل ولاية الفقيه، وتنسحب إلى مستقبل المرجعية الشيعية عموما، ما بعد السيد علي السيستاني.
من وجهة نظر موسى، فإن مجتبى خامنئي “يمتلك سيرة علمية دينية ممتازة جدا، وهي بتقديري أفضل من السيرة العلمية التي كان يمتلكها والده إبان توليه منصب ‘ولاية الفقيه’ في أواخر الثمانينيات”. ويتيح تولي والده بعد تعديل الدستور كسابقة، توليه الولاية من دون أي إشكالية، ولا يشترط الأمر أن يكون في صحة مكتملة وأن يكون متاحا جسديا للناس. وبحسب موسى، يمكن لمجتبى أن يمارس دور الولي الفقيه بالكامل في الظل. وغيابه لا يعني أن حوزة قم في مأزق، إذ إن هناك فقهاء كبارا يمكن أن يقوموا بدور المرجعية لعامة الشيعة، ومنهم الوحيد الخراساني ومكارم الشيرازي وشبيري الزنجاني، وهؤلاء بايعوا مجتبى وليا فقيها، رغم أنهم أساتذته في الحوزة.
بالنسبة للشيخ عباس يزبك، فإن المأزق أعمق. فهو يرى أن ولاية الفقيه تواجه مأزقا منذ تعديل الدستور أول مرة لانتخاب علي خامنئي، وكسر الأعراف في المرة الثانية مع انتخاب ابنه مجتبى. إذ باتت السياسة هي التي تتحكم بشكل واضح بولاية الفقيه، والتي يُراد لها أن تعني كل الشيعة، وتمدّ نفوذها إلى أي مكان يتواجد فيه الشيعة في العالم، فيما من غير الممكن ان يتولى ولاية الفقيه أي شخصية غير إيرانية، بحسب الدستور الإيراني، وهذا يطرح سؤالا إشكاليا على الولي الفقيه، يصيغه يزبك: “كيف يولي نفسه على غير الإيرانيين ولا يحق لغيرهم التصدي لهذا المنصب؟”.
يذكر يزبك أن رجل الدين اللبناني، المرجع محمد حسين فضل الل،ه كانت لديه نية التصدي للمرجعية والولاية، “لكن الأمر اصطدم بحتمية أن يكون الولي الفقيه إيراني الجنسية”.
من هنا، تبدو ولاية الفقيه الإيرانية أقرب إلى مركز سياسي منها إلى المرجعية الدينية. فحتى داخل “حزب الله”، يحاجج يزبك، “كان هناك فصل بين الولاء السياسي والتقليد الديني، حيث كان هناك من يقلد السيد الخوئي دينيا بينما قائده السياسي هو الخميني”. وهذا الأمر نفسه موجود في إيران، فهناك إيرانيون يرون في مجتبى خامنئي قائداً سياسياً، بينما يقلدون السيستاني. وفي هذا المجال يستبعد الباحث زاهر موسى أن يتحول مقلدو علي الخامنئي بعد مقتله إلى تقليد السيد السيستاني لسبب وجيه وهو أن “من قلد الخامنئي فعل ذلك بصفته “ولياً فقيهاً” وقائداً سياسياً للأمة وليس بالضرورة لـ “أعلميته” الفقهية المجردة. هؤلاء مؤمنون بمشروع ولاية الفقيه السياسي، ومن الصعب انتقالهم لمرجعية النجف التي تمارس “الولاية الحسبية”، وبالتالي هؤلاء سيقلدون ابنه مجتبى”. وهؤلاء، يقول يزبك: “الإيرانيون الذين يتبعون ولاية الفقيه بالتقليد الديني هم يقلدون بالمعنى السياسي، وهم في خياراتهم الدينية مسيّرون وليسوا مخيّرين”.
يبقى السؤال مفتوحا عن المرجعية في حال وفاة المرجع علي السيستاني في النجف أو في حال اغتيال المرشد الجديد مجتبى خامنئي.
في حال وفاة السيستاني، ونجاة النظام الإيراني من تغييرات على مستوى ولاية الفقيه تفرضها الحرب، قد يبرز مجتبى خامنئي كمنافس قوي على موقع السيستاني من موقعيته كولي فقيه، بحسب تقديرات الباحث زاهر موسى، “خاصة مع رغبة الشيعة في وحدة السلطة لتجنب الفتن”. لكن هذا يبقى تكهنا. وهناك سيناريوهات أخرى في النجف، حيث يبرز اسم السيد محمد رضا السيستاني، ابن المرجع علي السيستاني، و”هو فقيه كبير وتلميذ لمدرستي الخوئي والسيستاني، وأدار مرجعية والده بحكمة واقتدار طوال 30 عاما، ويمتلك منجزات هائلة في إدارة الوكلاء وبناء المؤسسات والعتبات”.
وعلى الرغم من أن مفهوم “التوريث” غائب نظريا في الفكر الديني الشيعي، قد يفتح تولي مجتبى خامنئي موقع الولي في إيران مكان والده، الباب لابن علي السيستاني لتولي المرجعية في النجف، “خاصة وأن الناس يثقون بحكمته التي هي من حكمة والده”.
يدمج الفكر الشيعي بطبيعته، على اختلاف مراحله، بين الدين والسلطة. كانت للإمام علي بن أبي طالب إمامة روحية وولاية أمر سياسية إذ تولى منصب الخليفة الرابع بعد وفاة النبي محمد، وفي عصر عصر الغيبة، كما يوضح كل من موسى ويزبك، يبقى الفقيه نائبا للإمام الغائب في الجانبين الديني والسياسي. وبناء عليه، لا يتوقع موسى أن يتغير واقع الشيعة في العالم، “سيبقون مؤمنين بأن الفقيه هو إمام في الدين والدنيا، وإذا ما بسطت يده وامتلك النفوذ، فإنه يعلن نفسه وليا ويحكم باسم الإمام المهدي”. أما بالنسبة إلى الشيخ يزبك، فإن هناك اليوم “مأزق حقيقي في وضع المرجعية وولاية الفقيه، وهناك ضرورة ملحة لإعادة النظر في مفهوم المرجعية ذاتها وتوصيف دورها”.
في الحالين، نحن أمام مدرستين في المرجعية، واحدة تتقدم فيها السياسة كولاية الفقيه في إيران، وأخرى تتقدم فيها المصلحة العامة وترك أمور السياسة للسياسيين إلا في الحالات التي تتطلب تدخلا استثنائيا من المرجعية لتصويب الأمور كما هي الحال مع مرجعية النجف في العراق. في الحالين هناك دور للفقيه في السياسة، الفارق أن سلطته في إيران مطلقة، فيما تبقى في العراق محدودة ومرنة بحسب الوضع السياسي، وبحسب ما تقتضيه المصلحة العامة.
المصدر:
الحرة