في خطوة تعكس عمق التوتر الإقليمي الذي تشهده منطقة الخليج، أصدر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ووزيرة الخارجية البريطانية الأحد الماضي بيانا مشتركا عقب اجتماع استثنائي خُصص لبحث تطورات الأوضاع الأمنية في المنطقة، في ظل التصعيد المتواصل منذ انطلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
وأكد البيان "الحق الأصيل" لدول مجلس التعاون في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإيرانية، مع الترحيب بقرار المملكة المتحدة تعزيز قدراتها الدفاعية في المنطقة.
ويرى محللون سياسيون وعسكريون -في تصريحات مختلفة للجزيرة نت- أن هذا البيان يكتسب أهمية خاصة في سياق تصعيد الحرب على إيران، حيث يعكس رغبة بريطانية في الحفاظ على دور إقليمي مستقل بعيدا عن الارتباط الأمريكي، بينما تسعى دول الخليج إلى تأمين شراكات دفاعية فعالة في مواجهة التهديدات الإيرانية المتصاعدة التي طالت عواصمها بصواريخ وطائرات مسيرة.
غير أن تساؤلات الخبراء تبقى مفتوحة بشأن قدرة هذا الإطار العام على التحول إلى آلية ردع حقيقية، ومدى فاعلية الدور البريطاني في ظل محدودية إمكاناتها مقارنة بالقوة الأمريكية، لا سيما أن البيان لم يتضمن خطوات عملية ملموسة حتى الآن.
ويشير المحللون إلى أن بريطانيا تحاول استثمار إرثها التاريخي في حماية الممرات البحرية، لكن دون العودة إلى أساليب النفوذ الاستعماري القديم، وأن دول الخليج تبحث عن شراكات دفاعية متعددة لا تقتصر على الحليف الأمريكي في ظل حرب إقليمية شديدة التعقيد.
التاريخ البريطاني في منطقة الخليج يلقي بظلاله على أي تحرك من لندن في المنطقة، فالممرات البحرية التي كانت تحميها البحرية الملكية بالقوة العسكرية المباشرة في القرن العشرين، تحاول بريطانيا اليوم حمايتها عبر الدبلوماسية والتنسيق الدولي.
لكنه يشير إلى تحول جذري في الأدوات: "هذا الدور لم يعد كما كان في الماضي، حيث كان التدخل العسكري المباشر أداة رئيسية للنفوذ البريطاني. أما اليوم، فيظهر الالتزام عبر الشراكات الدبلوماسية والتنسيق الدولي"، مما يطرح تساؤلا حول مدى قدرة هذا النهج على مواجهة تهديدات عسكرية حقيقية؟
وليس بعيدا عن ذلك ما يراه الأكاديمي والخبير في سياسة الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري من أن بريطانيا تحاول البناء على علاقاتها التاريخية مع دول المنطقة التي تعود إلى القرن العشرين، وأن البيان يعكس موقفها الداعم للقرار الأممي رقم 2817 الذي أدان الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون.
وفي الوقت نفسه، يستبعد الزويري محاولة العودة من بوابة النفوذ القديم، موضحا أن الوضع الدولي لا يساعد بريطانيا، وإمكاناتها الاقتصادية والسياسية ليست على أفضل حال، إضافة إلى مشكلات على مستوى النخبة تؤثر على أدائها في السياسة الخارجية. لذا، فإن "أقصى ما يمكن أن تفعله بريطانيا هو دعم يركز على إحياء نوع من الشراكات مع دول الخليج، والحفاظ على خطوط التواصل والتنسيق المشترك".
وفي المقابل، يذهب الخبير العسكري واللواء السابق في الجيش العراقي ماجد القيسي إلى أن البيان "يعكس استمرار الإرث التاريخي لكنه في صيغة حديثة ومتساوية"، واستبعد إحياء اتفاقيات الانتداب القديمة، ومتوقعا أن نشهد توقيع اتفاقيات دفاع مشتركة بين بريطانيا ودول خليجية أو تفعيل الموجود منها.
وفي وقت تواجه فيه الولايات المتحدة انتقادات دولية واسعة بسبب حربها على إيران، تحاول بريطانيا تقديم نفسها كشريك مستقل، فهي لم تنخرط في الحرب، ولم تشارك في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإرسال قوات بحرية إلى مضيق هرمز، وتسعى للوقوف في موقف مساند لدول الخليج من دون الارتباط بالنهج الأمريكي.
ويوضح الزويري أن بريطانيا تسعى إلى تقديم نفسها كطرف مستقل، بعيدا عن ارتباطها الوثيق بالولايات المتحدة. "فهي غير منخرطة في هذه الحرب ولا تريد أن تنخرط فيها، كما أنها لم تشارك في خطة ترمب لإرسال قوات بحرية إلى مضيق هرمز"، مشيرا إلى أن بريطانيا تحاول الوقوف في موقف مساند لدول الخليج عبر الحديث عن دعمها دفاعيا في هذا الظرف الحساس.
لكن هذا الموقف يثير إشكالية مركزية يطرحها الجابر: اعتماد بريطانيا على نهج مستقل عن الولايات المتحدة يمكن تفسيره كحرص على الاستقلالية الإستراتيجية، لكنه في الوقت نفسه قد يقلل من مصداقية القدرة على حماية المصالح في سياق حرب إقليمية شديدة التعقيد.
ويوضح المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط وجهة نظره في تصريحاته للجزيرة نت بأن "التباين بين السياسة البريطانية والنهج الأمريكي يثير جدلا حول ما إذا كانت بريطانيا تستطيع الحفاظ على دور مؤثر في الأزمة من دون أن تعتمد على الدعم العسكري الأمريكي المباشر".
ويقرأ اللواء السابق في الجيش العراقي هذ الموقف من زاوية مختلفة، مشيرا إلى أن بريطانيا "تحاول الدخول المباشر والمستقل بعيدا عن أمريكا لأسباب إستراتيجية وسياسية"، وتبحث عن دور مستقل ومباشر مع دول الخليج، وتفضل تنسيقا خليجيا-أوروبيا مباشرا، وهو ما يتماهى مع الموقف الأوروبي الأوسع الذي يسعى أيضا إلى تنسيق مع دول الخليج.
يرى المحللون أن الفجوة بين البيان السياسي والواقع العملياتي تمثل التحدي الأكبر؛ فإيران تواصل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على عواصم دول الخليج، ومضيق هرمز مغلق إلى حد ما، وأسعار النفط العالمية في ارتفاع حاد. وفي هذا السياق، يبدو التنسيق السياسي وحده غير كافٍ لضمان حماية الملاحة.
لذلك، يعتقد الجابر أنه يمكن اعتبار البيان بمثابة خطوة أولية نحو بناء إطار مشترك للردع الإقليمي، إلا أن فعاليته تبقى محل شك ما لم تتحول إلى إجراءات عملية ملموسة على الأرض. "فالتهديدات الحالية، مثل استهداف إيران بصواريخ وطائرات مسيرة على عواصم دول الخليج، ردا على العمليات العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل، تُظهر أن التنسيق السياسي والدبلوماسي وحده غير كافٍ لضمان حماية الملاحة أو صد الاعتداءات العسكرية المباشرة".
والنتيجة التي يثيرها الموقف تطرح تساؤلات جدية -كما يقول الجابر- حول حدود وقدرة هذه الشراكة على توفير ردع فعلي في المواقف الحرجة، ومدى التوازن بين الإشارات الرمزية والقوة العملية.
في المقابل، يرى القيسي -في تصريحاته للجزيرة نت- إمكانية تحول التنسيق الخليجي-البريطاني إلى آلية ردع حقيقية ضد تهديدات الملاحة، لكنه يشدد على أنها ستكون "ردعا عملياتيا محدودا وليس بشكل شامل بالنظر للإمكانات الحالية".
ويستند في تقديره إلى القاعدة البحرية في البحرين الدائمة ومشاركة طائرات تايفون البريطانية في عمليات دفاعية، إضافة إلى قدرة بريطانيا على إرسال سفن وطائرات مسيرة لكشف الألغام ودعم الملاحة.
التصور العملياتي -حسب ما يراه اللواء القيسي- يتضمن إمكانية تشكيل قوافل محمية أو دوريات مشتركة مع بحريات دول الخليج مثل السعودية وعُمان والبحرين في هرمز وباب المندب. "وسوف يعتمد الردع على التواجد المستمر وعلى التنسيق الاستخباراتي والقدرة السريعة للرد من دون التورط في حرب أوسع. لذا سوف يكون التركيز على تهديدات غير تقليدية (مسيّرات، ألغام، وكلاء) وليس مواجهة مباشرة مع إيران".
ووراء البيان الخليجي البريطاني تكمن شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية التي تمثل حافزا قويا للحفاظ على الاستقرار، مثل الاستثمارات الضخمة التي لبريطانيا في دول الخليج والعكس، ومئات آلاف البريطانيين المقيمين في المنطقة، والاستثمارات الخليجية الكبرى في بريطانيا، كلها -كما يوضح الزويري للجزيرة نت- تجعل من استقرار منطقة الخليج أولوية بريطانية، ليس فقط من منظور أمني، بل أيضا لحماية المصالح التجارية والاستثمارية المتشابكة بين الطرفين.
هذه الاعتبارات الاقتصادية قد تدفع نحو توسيع التعاون في الدفاع الجوي والأمن البحري والأمن السيبراني، لكن التحديات التقنية والسياسية تبقى قائمة. ويرى الجابر أن إمكانية توسيع التعاون في هذه المجالات تبدو واعدة، لكن هذا التوسع يواجه تحديات متعددة، أبرزها التفاوت في القدرات والتقنيات بين الطرفين، بالإضافة إلى حساسية بعض المجالات مثل الأمن السيبراني.
و"هذا يطرح جدلية حول مدى قدرة التعاون المستقبلي على أن يكون متكاملا وفعّالا، أو إذا كان سيقتصر على تبادل الخبرات والمعلومات دون إحداث تحول حقيقي على الأرض".
القيسي كان أكثر تفاؤلا، وتوقع أن يتحول التنسيق إلى تعاون دفاعي أعمق خلال الأشهر القادمة، مشيرا إلى أن بريطانيا تشارك حاليا في عمليات دفاعية باستخدام طائرات "تايفون" وبإمكانها إرسال سفن وطائرات مسيرة لدعم إعادة فتح هرمز وتطوير قاعدة البحرين. كما يلفت إلى إمكانية تطوير الجانب السيبراني الذي يتناسب مع خبرة بريطانيا لحماية البنية التحتية الحيوية من كابلات بحرية ومنشآت نفطية.
أما على صعيد الأطر القانونية، فيشير الجابر إلى أن توقيع اتفاقيات دفاعية جديدة أو تفعيل الأطر القديمة خيار منطقي لتعزيز الشراكة، إلا أن الإشكالية تكمن في جدوى هذه الاتفاقيات في مواجهة تهديدات إيران، "خاصة إذا كانت العلاقات تعتمد على أطر قانونية وإدارية قديمة لم تعد تتلاءم مع التطورات الإقليمية المعقدة".
لذا يظل السؤال حول ما إذا كانت هذه الاتفاقيات ستكون فعالة أم مجرد رمزية سياسية"، حسب ما قاله المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة