في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قُصرة (نابلس)- بالزغاريد والدموع، ودّعت بلدة قُصرة جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية شهيدا آخر لبى نداء واستغاثة النساء والأطفال الذين استصرخوه لينقذهم من بطش المستوطنين مساء السبت 26 رمضان، الموافق 14 مارس/آذار الحالي، فروى بدمائه ثرى منطقة رأس العين وارتقى صائما.
لم يكن أمير معتصم عودة (26 عاما) وحده من لبّى هذا النداء. فعند انتشار خبر اقتحام المستوطنين للمنطقة الغربية من البلدة، كانت نساء قُصرة يطلقن نداءات استغاثة بعد أن اقتحم المستوطنون المنازل وشرعوا في تكسير الممتلكات والاعتداء على السكان، سارع عدد من شبان البلدة للنجدة متوجهين إلى منطقة "رأس العين"، تاركين أعمالهم في محاولة لحماية الأهالي والمنازل.
ترصد الجزيرة نت ظروف ما جرى ساعة الإفطار ذلك اليوم، والظروف القاسية التي تعيشها بلدة قصرة منذ سنوات والتي ازدادت حدتها بالتزامن مع بدء حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
الشاب إسلام عودة أحد الذين أصيبوا برصاص المستوطنين خلال الاعتداء، يروي للجزيرة نت مشاهداته، قائلا "فور سماعي بالهجوم، تركت عملي وتوجهت مباشرة إلى المكان مع آخرين ولم يتجاوز عددنا 7 إلى 10 أشخاص".
ذلك العدد القليل من الشبان العزّل وجد نفسه في مواجهة مجموعة من المستوطنين يتراوح عددهم بين 20 و30 مستوطنًا، مجهزين بالأسلحة والعصي والسكاكين، بعد أن اعتدوا بالفعل على عدد من المنازل، من بينها منزل الفلسطيني مرمر محمود عودة، عمّ الشهيد أمير، إلى جانب آخر مجاور.
لم يكتفِ المستوطنون بإطلاق الرصاص على أمير في مقتل، بل انهالوا بالعصي على رأسه بطريقة وبوحشية، تاركين آثار جروح وضربات واضحة.
يستذكر عودة تلك اللحظات، قائلا إن الشبان تفاجؤوا بحجم القوة التي استخدموها، خاصة أن أحدهم كان يحمل سلاحا رشاشا من طراز "إم 16" وأطلق النار بكثافة في المنطقة، مما جعل النجاة أقرب إلى المعجزة. ويرى أن قلة عدد الشبان حالت دون وقوع مجزرة أكبر في المكان.
المشهد الأكثر قسوة بالنسبة للشاب كان الاعتداء على معتصم عودة، وأضاف "والد الشهيد أمير لم يُصب بالرصاص في البداية، بل تعرض للطعن بالسكاكين والضرب بالعصي بعنف شديد، حيث هاجمه 4 أو 5 مستوطنين دفعة واحدة ثم أصيب بالرصاص".
وحين حاول إسلام عودة التدخل لإبعادهم عن أمير وحمايته، أطلق المستوطنون 4 رصاصات تجاهه؛ مرت اثنتان بجانبه، بينما أصيب بأخريين في ركبتيه.
أصبحت الحياة في ظل هذه الاعتداءات أكثر قسوة، إذ يخرج الناس يوميا وهم يودّعون أبناءهم وإخوتهم، دون أن يعرفوا ما قد يحمله اليوم التالي، وفق عودة الذي رغم إصابته والرعب الذي عاشه خلال تلك اللحظات لم يغير موقفه، وأكد "الصراع بات واضحا وصريحا: إما نحن أو هم، المستوطنون يعتقدون أنهم يمتلكون القوة بسبب السلاح، لكن الفلسطينيين يستندون إلى إيمانهم وصمودهم، وطالما أن الله معنا فنحن لا نخاف من أحد".
وأضاف أنه سيعود إلى الصفوف الأولى بعد شفائه، مشددا على أن "الرسالة التي يوجهها للاحتلال والمستوطنين هي أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بالاستسلام أو التعايش تحت الاحتلال".
بدوره، كشف عبد العظيم الوادي أحد نشطاء البلدة للجزيرة نت تفاصيل الاعتداء، وكان شاهدا عليه، موضحا أن الهجوم وقع على مرحلتين:
وأضاف الوادي "أطلق المستوطنون النار باتجاه الشبان مما أدى إلى إصابة أمير عودة إصابة مباشرة أودت بحياته. وخلال محاولة والد الشهيد التدخل لإنقاذ ابنه والدفاع عنه، هاجمه المستوطنون واعتدوا عليه، متسببين له بعدة طعنات في جسده. وقد نُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج، كما أسفر الاعتداء عن إصابة شابين آخرين".
يعيش أهالي قرية قصرة منذ سنوات طويلة تحت وطأة اعتداءات متواصلة من قبل المستوطنين، في ظل واقع استيطاني لا يقتصر عليها وحدها، بل يمتد إلى معظم قرى جنوب نابلس، لكن عُرفت قصرة بصمودها في مواجهة التوسع الاستيطاني منذ عام 2011، ودفع سكانها ثمنا باهظا من شهداء وأراضٍ مهدرة.
وتفاقمت هذه الاعتداءات بعد بدء حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث فرض على القرية حصار وإغلاق مستمر، فضلا عن إحاطتها بثلاث مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة ومصادرة مساحات واسعة من أراضيها.
ويستحضر الوادي أسماء عدد من الشهداء الذين سقطوا في القرية خلال السنوات الماضية وهم "عصام بدران، ومحمود زعل عودة، وعبادة أبو سرور، وقسام صايل، وإبراهيم الوادي، وأحمد الوادي، ومهند أبو سرور، ومصعب أبو ريدة، والشهيد الأخير أمير معتصم عودة".
يتوقف عبد العظيم الوادي عند أهمية المنطقة التي وقع فيها الاعتداء، وهي رأس العين الواقعة في محيط القرية، موضحا أن جبلها يرتفع نحو 930 مترا فوق سطح البحر، ويعد من أعلى القمم في محافظة نابلس بعد جبلي جرزيم وعيبال، وي حتضن نبع رأس العين، الذي شكّل عبر التاريخ المصدر الرئيسي، بل الوحيد، للمياه لأهالي قصرة منذ عصور قديمة، مما جعله موقعا حيويًا ومركزيا في حياة سكان القرية.
كما تمثل المنطقة متنفسا طبيعيا للأهالي، وتتميز بإطلالات واسعة تمتد نحو البحر الأبيض المتوسط، وتل العاصور، وجبلي جرزيم وعيبال في نابلس، وصولا إلى غور الأردن.
ويحظى جبل رأس العين -وفق الوادي- بمكانة خاصة لدى أهالي قصرة، ليس فقط لقيمته الطبيعية والجغرافية، بل لما يمثله من رمزية وارتباط تاريخي للأهالي بأرضهم. ويحيط به كذلك مساحات واسعة من أشجار الزيتون الرومية القديمة، التي تُقدَّر بالآلاف وتشكل جزءا أصيلا من الإرث الزراعي للقرية.
وحسب ما أوضح هاني عودة رئيس مجلس قروي قُصرة للجزيرة نت، فقد باتت الاعتداءات على القرية شبه يومية منذ سنوات طويلة رافقها مواجهة دفعت خلالها القرية ثمنا باهظا من الشهداء، إلى جانب مساحات واسعة من الأراضي التي جُرفت أو صودرت.
وتعيش القرية حالة حصار متواصلة منذ أكثر من عامين بعد إغلاق الطرق المؤدية إليها من الجهات الشرقية والجنوبية والشمالية. وأدى هذا الواقع إلى حرمان الأهالي من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم الزراعية، ويتعرضون للاعتداء وفق عودة.
وأوضح أن المنطقة الغربية من القرية هي المتنفس الوحيد المتبقي للأهالي وتعد المساحة العمرانية الأخيرة المتاحة للتوسع، إضافة إلى كونها خزان المياه الأساسي للسكان، لكن في الفترة الأخيرة استهدفتها المستوطنات بشكل مباشر بـ" الاستيطان الرعوي ".
وأضاف أن الزيارات العائلية في بلدة قصرة محفوفة بالمخاطر نتيجة الإغلاقات والحصار المفروض عليها، حيث أغلق الاحتلال البوابات في مداخل عدة وأقام سواتر ترابية في طرق أخرى، مما صعّب حركة الأهالي بين مناطقها والقرى المجاورة بشكل كبير.
بلدة قصرة تتعرض لهجمات شبه يومية من قبل المستوطنين (الجزيرة)ويرى هاني عودة رئيس المجلس القروي أن السياسات الإسرائيلية الحالية تهدف إلى الضغط على الفلسطينيين لمغادرة أراضيهم عبر تكثيف الاعتداءات والتضييق على حياتهم اليومية، بما في ذلك حرمانهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو العمل فيها.
ووفق معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، استشهد 8 فلسطينيين برصاص المستوطنين منذ بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، ليرتفع الإجمال إلى 44 شهيدا منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة.
بينما تفيد معطيات وزارة الصحة باستشهاد 1122 فلسطينيا منذ بدء العدوان على القطاع حتى 7 مارس/آذار الماضي، في حين نفذ مستوطنون 91 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاهم بين 9 و15 من الشهر الجاري، وفق تقرير حكومي نشر أمس الإثنين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة