مع ظهور مؤشرات على ميل أمريكا لإنهاء الحرب مع إيران، يبرز سؤال ملح حول مستقبل لبنان في أي تسوية سياسية مرتقبة. فبينما تتجه الأنظار إلى المفاوضات المحتملة بين الدولتين، تثار مخاوف جدية من أن تكون بيروت خارج المشهد، لتظل ساحة مفتوحة للصراع حتى بعد توقف المعارك في جبهات أخرى.
وتخشى الأوساط اللبنانية والعربية من أن يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، الذي يزعم أنه "دمر قدرات النظام الإيراني مئة بالمئة"، إلى الانسحاب من المواجهة العسكرية مع طهران تحت ضغوط اقتصادية داخلية معلنًا "تحقيق أهدافه". فالتخبط في الأسواق الأمريكية وتصاعد أسعار النفط إلى مستويات قياسية قد يدفعان الزعيم الجمهوري باتجاه التوقيع على هدنة، بشكل منفرد، كما فعل سابقاً مع جماعة "أنصار الله" الحوثيين في اليمن.
ومثل هذا السيناريو سيضع إسرائيل وحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يطلّ على جمهوره بمقاطع مصورة مؤخرُا، في مأزق حقيقي: إما مواصلة الحرب وحدها ضد إيران، أو الانكفاء دون تحقيق هدفها المعلن بإسقاط النظام.
وما يزيد الموقف الإسرائيلي تعقيداً هو الأداء القتالي المتطور لحزب الله ، والذي أثبت أنه لا يزال يشكل تهديداً حقيقياً لسكان شمال إسرائيل، خلافاً لكل التصريحات السياسية التي تحدثت عن القضاء على قدراته طيلة 18 شهرًا.
فمنذ بداية الحرب، أطلق الحزب ما يزيد عن مئة صاروخ تجاه إسرائيل، وأعلن للمرة الأولى في تاريخه عن تنفيذ عمليات مشتركة مع الحرس الثوري الإيراني، في تجربة عملية لما كان يسمّيه "وحدة الساحات".
وقد أعاد الحزب تموضع جنوده في خطوط القرى الثانية والثالثة بجنوب لبنان، متبنياً استراتيجية "حرب العصابات" والغارات النقطية، التي اتسم بها في الثمانينات لمواجهة تقدم قوات الجيش الإسرائيلي.
ومع أن تل أبيب تعاملت حتى الآن مع لبنان باعتباره "جبهة ثانوية"، إلا أن هذا الموقف قد يتبدل في أي لحظة، إذ قد تتحول الأنظار الإسرائيلية بالكامل نحو الشمال، لا سيما في ظل الأنباء عن استدعاء نصف مليون جندي من قوات الاحتياط تمهيدًا لما تخاف بيروت أن يكون اجتياحًا بريًا.
في هذا السياق، أطلق السفير المصري في لبنان علاء موسى تصريحات مثيرة للقلق خلال مقابلة مع قناة "الغد". إذ أكد أن وقف الحرب بين إيران وإسرائيل "لا يعني بالضرورة أن الحرب في لبنان ستتوقف".
وعندما سُئل عما إذا كان لبنان سيكون "جائزة ترضية" يقدمها ترامب لنتنياهو لمواصلة الحرب حتى تحقيق أهدافه، أجاب السفير: "تقديري أن إسرائيل لديها هدف في لبنان وتعمل على تنفيذه، ولا أعتقد أن هذا مرتبط بإيران"، مشدداً على أن "المفاوضات هي السبيل الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة" ومحذرًا من أن "إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه فإن تداعياتها ستكون أسوأ بالنسبة للبنان" خاصة وأن الدولة العبرية تريد أن تقضي على تهديد حزب الله "بشكل كامل".
من جهته، يؤكد الكاتب والصحافي السياسي حسن الدر في مقابلة مع "يورونيوز" أن "لبنان كان دائماً ضحية السياسات الأمريكية والإسرائيلية وتخاذل السلطة"، مشيراً إلى أن الحديث عن استعمال لبنان كورقة لنتنياهو "لإعلان النصر" لجمهوره يعكس "الذهنية الأمريكية في لبنان، الذي يتغنى البعض فيه بأن واشنطن هي الوصية".
لكن الدر يستبعد نجاح "هذا المخطط"، مؤكداً أن "جبهة المقاومة لا تزال ثابتة، والإيرانيون كانوا واضحين بأن الجبهتين اللبنانية والإيرانية مرتبطتان في أي مفاوضات أو تسوية محتملة" ومشددًا على أن "الحرب لن تتوقف في إيران دون لبنان"، وفق تعبيره.
في هذا السياق، يرى مراقبون أن البيانات المشتركة التي يصدرها حزب الله مع الحرس الثوري الإيراني تتجاوز مجرد الإعلان عن وجود غرفة عمليات موحدة في الميدان. إذ تحمل هذه البيانات أبعاداً سياسية أوسع، تهدف إلى إظهار الترابط الاستراتيجي بين الطرفين، وبالتالي تقاسم نتائج المعركة معاً.
ويُفسَّر هذا التنسيق العلني بأن الحزب يعوِّل على أن أي نصر تحققه طهران في مواجهتها مع إسرائيل سينعكس إيجاباً على وضعه الداخلي والخارجي، ويمنحه أوراق قوة إضافية عند التفاوض على أي تسوية مستقبلية. فإذا انتهت الحرب لمصلحة إيران، يمكن للحزب أن "يحسّن" موقعه، ويعيد ترتيب شروطه لوقف إطلاق النار بشكل أفضل.
وهذا ما يفسر اللهجة المرتفعة التي اعتمدها الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم مؤخراً، حين طرح شروطاً تصعيدية لوقف الحرب، أبرزها: الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، الوقف الشامل "للعدوان"، والسماح بعملية إعادة إعمار واسعة، وغيرها من المطالب التي تعكس ثقة الحزب، الذي توعد بالقتال حتى "الاستماتة" بأن المعادلات الإقليمية قد تسير في صالحه.
على النقيض من ذلك، ترى تحليلات أخرى أن حزب الله في هذه المرحلة ليس مجرد شريك يتقاسم "الغنيمة" مع إيران، بل هو طرف أساسي في "صيدها". فدوره الحالي يتركّز في التصدي للتوغل الإسرائيلي جنوب لبنان، عبر فرض تكلفة بشرية وعسكرية مرتفعة على إسرائيل، قد تدفعها إلى التراجع.
وإذا ما تحقق هذا الهدف العسكري، سينتقل الحزب إلى معركته الثانية، وهي المواجهة السياسية الداخلية، حيث يسعى إلى إفشال أي مفاوضات مباشرة، وإحباط المساعي الأمريكية والغربية الرامية إلى دفع حكومة نواف سلام لتصنيفه "منظمة إرهابية" وصولًا إلى إجهاض مساعي التطبيع.
وفي حال نجاحه، قد يتمكن من إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل السابع من أكتوبر، مستعيدًا أوراق قوته الداخلية والإقليمية. ولكن، لهذا السبب تحديدًا، من المرجح أن يبذل بنيامين نتنياهو كل ما في وسعه لمنع هذا السيناريو.
المصدر:
يورو نيوز