يعيش السودانيون في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية، وأحياء أم درمان والخرطوم، تحت وطأة أزمة كهرباء غير مسبوقة، وسط برمجة قاسية تصل أحياناً إلى 14 و15 ساعة يومياً، وفوضى كاملة في توزيع التيار الكهربائي.
يصف المواطنون الوضع بأنه "كارثة يومية"، حيث تأتي الكهرباء لساعات معدودة قبل أن تعاود الانقطاع، في عز موجة حر لافح تضرب البلاد، مما يزيد من معاناتهم ويجعل الحياة اليومية شبه مستحيلة.
وفي نهر النيل، أكد أحد السكان لـ"العربية.نت" أن الكهرباء مقطوعة منذ ثلاثة أيام متتالية، وتعود لفترات قصيرة لا تتجاوز الأربع ساعات قبل أن تقطع مجدداً، ما يضاعف معاناة الأسر ويعطل حياتهم اليومية. وأضاف أن الولاية، رغم ثروتها بالذهب والأسمنت والفواكه والماشية، لا تشهد أية صيانة أو مشاريع تنموية، بينما الأموال تتدفق من شركات التعدين وتصدير الفواكه والماشية دون أثر على واقع الكهرباء.
وفي أم درمان، شهد المواطنون نفس الفوضى، حيث تنقطع الكهرباء وتعود لساعات محدودة قبل أن تنقطع مجدداً، مما يؤدي إلى تعطيل الأعمال والمنازل في أوج شهر رمضان. وتشير إفادات ميدانية لـ"العربية.نت" إلى أن انقطاع الكهرباء في بعض المناطق يتجاوز 15 ساعة يومياً، وأحياناً تصل الانقطاعات إلى 20 ساعة مقابل أربع ساعات فقط من التيار الكهربائي.
وتوقفت عشرات المخابز والورش والمطاحن الصغيرة عن العمل، واضطر أصحابها إما لشراء الوقود لتشغيل المولدات أو الانتظار لساعات محدودة لإتمام أعمالهم.
ولا تقتصر تداعيات أزمة الكهرباء على المنازل والمخابز فقط، بل تصل إلى المستشفيات والصيدليات والعيادات، حيث تُعطل العمليات الجراحية والإجراءات الطبية الحيوية، ويواجه المرضى خطراً مباشراً نتيجة توقف أجهزة التنفس، ومبردات حفظ الأدوية، والمحاليل الطبية.
الأدوية الحساسة، مثل الأنسولين والمحاليل الوريدية، معرضة للتلف بسبب الانقطاع الطويل للكهرباء، فيما يُجبر القائمون على المشافي والمستوصفات على الاعتماد على المولدات الخاصة وسط ندرة شديدة في الوقود وارتفاع أسعارها في السوق السوداء إلى مستويات جنونية، ما يجعل تشغيل المولدات تكاليف باهظة على المرضى والمستشفيات على حد سواء.
حتى استخدامات الطاقة الشمسية، التي قد توفر حلاً جزئياً، محدودة وغير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، تاركةً المواطنين والمرضى في مواجهة يومية مع الظلام والحر والمرض، في ظل غياب أية خطة حكومية واضحة لتخفيف هذه المعاناة.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تحوّلت الأزمة إلى قضية الساعة حيث طالب المتفاعلون السلطات بالتدخل الفوري لضمان استقرار التيار الكهربائي، والإفصاح عن خطة واضحة لمعالجة العجز، مؤكدين أن استمرار الوضع على هذا النحو يمثل "أزمة يومية" لهم، وسط صمت رسمي مريب.
وفي منشور غاضب على فيسبوك، وصفت الصحفية البارزة شمائل النور، ما يحدث بالفشل الذريع، قائلة: "قطاع الكهرباء في السودان من أفشل القطاعات، وأكثرها تجاهلاً للجمهور، وكأن ذلك مقصود لذاته. التيار منقطع طول اليوم ويأتي لساعات معدودة ثم يختفي مجدداً. إعلام الجمهور لا يحتاج لميزانية، لكن لا أحد يكترث".
ما يزيد الطين بلة، أن تأتي الأزمة في ظل إعلان الهيئة العامة للأرصاد الجوية عن موجة حر شديدة مستمرة ثلاثة أيام، مع درجات حرارة مرتفعة نهاراً واعتدال نسبي ليلاً، داعية المواطنين إلى توخي الحذر، وشرب المياه بكثرة، والابتعاد عن التعرض المباشر للشمس، خاصة الأطفال وكبار السن.
في المقابل أكدت شركة كهرباء السودان، يوم الجمعة، أن العطل الفني وقع في الخط الناقل بين مروي وعطبرة، وأدى إلى خروج أحد المحولات عن الخدمة، ما استدعى تطبيق برمجة طارئة. فرق الصيانة تواصل العمل بوتيرة متسارعة لإصلاح العطل، لكن المواطنين يؤكدون أن الحلول مؤقتة وأن الأزمة أعمق من مجرد عطل فني.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الطلب على الكهرباء في السودان يصل إلى نحو 3,454 ميغاواط، في حين لا تتجاوز القدرة الفعلية للتوليد 2,744 ميغاواط، ما يخلق فجوة تقدر بحوالي 710 ميغاواط، أي نحو 20‑25% من الطلب الكلي. وتفاقمت الأزمة نتيجة تدمير جزء كبير من البنية التحتية خلال النزاعات الأخيرة، حيث فقدت البلاد نحو 70% من قدرتها الإنتاجية بسبب الأضرار التي لحقت بالمحطات والشبكات الكهربائية.
أما التقارير التحليلية فتؤكد أن أكثر من 60‑70% من السكان يعانون من انقطاع الكهرباء بشكل متكرر، مع تفاوت حاد في مستوى الوصول بين الولايات، إذ تصل نسبة الوصول في بعض المناطق في السودان، إلى أقل من 10%.
هذا الوضع يضع المواطنين في مواجهة يومية مع الحر والظلام، في ظل غياب إدارة فعالة أو خطة واضحة لمعالجة العجز المتفاقم في قطاع الكهرباء، ويكشف الحاجة الملحة لخطة شاملة لإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة وتحسين التوزيع وتوسيع نطاق الوصول للكهرباء لضمان استقرار الخدمة وحياة أفضل للمواطنين.
المصدر:
العربيّة