آخر الأخبار

درس إيران لترامب: لماذا لا تسقط الأنظمة من الجو؟

شارك

"لماذا تُهاجم النحل، بينما يُمكنك تدمير الخلية؟".

يناقش منظرو القوة الجوية الإجابة عن هذا السؤال، وبالأخص مع التطور الهائل في تقنيات الطائرات وظهور الطائرات المقاتلة الأكثر كفاءة من الجيلين الرابع والخامس. فعلى مدى أكثر من قرن تطورت مواصفات الطائرات جذريا من حيث السرعة والمدى والارتفاع والحمولة، وظهرت تقنيات التخفي والذخائر الدقيقة وأنظمة الاستشعار المتقدمة، وأصبح بالإمكان ضرب أهداف متعددة في عمق أراضي الخصم خلال فترات زمنية قصيرة، وبدقة متناهية، ضمن تطورات متراكمة دفعت إلى الحديث عن تحولات نوعية في طبيعة الحرب نفسها لصالح الحملات الجوية.

هذا التطور في إمكانات الطائرات يغري بجعل "تدمير الخلية" من الجو هدفا متاحا، بل وأقل عبئا وتكلفة مقارنة بـ"مطاردة النحل" على الأرض. وعلى مدار العقود الفائتة صممت العديد من الحملات الجوية بهدف إحداث تغيير سياسي من الجو دون الاضطرار لإرسال قوات على الأرض لعل آخرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية ضد إيران، التي صاحبها اهتمام واسع بأعداد الطائرات التي شاركت في الغارات أو حجم الخسائر التي خلفتها أو نوعية الأهداف المقصوفة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 اغتيال خامنئي وصمت "بريكس".. هل انتهى حلم الجنوب العالمي؟
* list 2 of 2 أشد من حرب العراق.. كيف تحكي صور الأقمار الصناعية قصة الساعات الأولى لحرب إيران؟ end of list

غير أن هذه التفاصيل الظاهرة للحملة الجوية تخفي وراءها طبقة من التفكير الاستراتيجي الذي تشكل عبر عقود، ودار حول مستويين متداخلين؛ أحدهما تقني يتعلق بتطور الطائرات نفسها الذي قدم إغراءات لمنظري وأنصار الحروب الجوية، والآخر فكري يتعلق بالطريقة التي يمكن بها استخدام هذه القدرات الجوية لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية تتعلق بكيفية إخضاع الخصم وإجباره على تغيير سلوكه، وهذا لم يصب في صالح الحملات الجوية بحال.

فالتفوق التقني للطائرات رغم أهميته في تحقيق الهيمنة بساحة القتال، فإنه أحيانا يفقد جزءا كبيرا من قيمته إن فشل توظيفه في إطار تصور واضح لإدارة الحرب. ومن هذا المنظور تعد الحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية على إيران حلقة مهمة في مسار اختبار الفكر المتعلق بالقوة الجوية ودورها في الحروب والهندسة السياسية المرتبطة بها. ومن أجل فهم طبيعة تلك الحملة بوضوح، علينا أن نعرج أولا على نظريات استخدام القوة الجوية وتطورها تاريخيا.

مصدر الصورة التفوق التقني للطائرات يفقد جزءا كبيرا من قيمته في حال الفشل بتوظيفه في إطار تصور واضح لإدارة الحرب (رويترز)

"القصف الاستراتيجي".. ميلاد نظرية القوة الجوية

يشير بيتر فابر في فصل بعنوان "النموذج المفقود: نظرية القوة الجوية وصراعاتها التاريخية" ضمن كتاب "الميلاد الجديد للقوة الجوية"، إلى أنه منذ عشرينيات القرن الماضي بدأ عدد من رواد الفكر العسكري في تطوير تصورات جديدة حول دور الطائرات في الحروب الحديثة. وقد تمحورت هذه التصورات حول مفهوم "القصف الاستراتيجي"، الذي يقوم على توجيه ضربات جوية إلى مراكز القوة الحيوية داخل الدولة المعادية، وهي المراكز التي تقع عادة بعيدا عن خطوط المواجهة البرية وعن المجال الذي تتقاتل فيه القوى البحرية.

إعلان

وقد اعتبر أنصار هذا التوجه أن القدرة على ضرب العمق الاستراتيجي للخصم تمثل مساهمة فريدة للقوة الجوية في إدارة الحرب، لأنها تتيح التأثير في قدرة الدولة المعادية على مواصلة القتال دون الحاجة إلى اختراق دفاعاتها البرية، وذلك عبر شل قدرتها على إدارة مواردها العسكرية والاقتصادية وإلحاق أضرار فادحة بها.

"السؤال الذي شغل منظري القوة الجوية هو: ما الذي ينبغي أن تستهدفه حملات القصف الجوي لإحداث أكبر قدر من التأثير السياسي؟".

ومع توسع هذا النقاش ظهر سؤال شغل مُنظِّري القوة الجوية آنذاك: كيف يمكن إقناع الخصم بالتخلي عن أهدافه السياسية الأساسية في زمن الحرب؟ بمعنى آخر، ما الذي ينبغي أن تستهدفه حملات القصف الجوي لإحداث أكبر قدر من التأثير السياسي؟ وقد أدى هذا السؤال إلى ظهور ثلاث مدارس فكرية رئيسية للإجابة عنه.

المدرسة الأولى تدعو إلى "استراتيجية العقاب" التي تقوم على استخدام القصف الجوي لإرهاب السكان المدنيين. ومن أبرز رواد هذه المدرسة المنظر والجنرال الإيطالي جوليو دوهيه (Giulio Douhet)، الذي اعتقد أن القصف الجوي المكثف للمدن يمكن أن يؤدي إلى ثورة شعبية داخل الدولة المعادية باعتبار أن السكان الذين يتعرضون لغارات جوية مستمرة قد يمارسون ضغطا على حكوماتهم لإنهاء الحرب، ما قد يؤدي في النهاية إلى تغيير السياسات التي دفعت الدولة إلى خوض الصراع.

وتحدثت مدرسة أخرى عن "استراتيجية المخاطرة" التي تركز على استهداف البنية الصناعية والاقتصادية للدولة المعادية بهدف تقليص قدرتها على إنتاج الموارد اللازمة لمواصلة الحرب. وفي المقابل ظهرت مدرسة ثالثة دعت إلى تركيز الجهد الجوي على تدمير القوات العسكرية للعدو في الميدان، وهو الاتجاه الذي تبنته هيئتا الأركان العامة الألمانية والروسية في النصف الأول من القرن العشرين، حيث رأتا في القوة الجوية أداة داعمة للحرب البرية.

كشفت النقاشات الطويلة والممتدة زمنيا حول هذه التصورات عن اختلافات بين المنظرين العسكريين حول اختيار الأهداف المناسبة داخل الدولة المعادية، وفي تحديد المرافق التي يمكن أن يؤدي تدميرها إلى إضعاف قدرة الخصم على مواصلة الحرب. وبقيت العلاقة بين تدمير الأهداف الجوية والتغيرات السياسية داخل الدولة المعادية مسألة يشوبها الغموض. وقد فرضت محدودية التكنولوجيا في تلك الفترة قيودا على طبيعة العمليات الجوية، الأمر الذي جعل الهجمات الجوية تُنفَّذ غالبا بشكل متسلسل دون تزامن، وعلى نطاق محدود.

ولكن مع مرور الوقت بدأ الحديث عن أن اختيار الأهداف الجوية لا ينبغي أن يعتمد على المعرفة العسكرية وحدها، إنما يتطلب أيضا فهما للبيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الدولة المعادية، ما يستدعي الاهتمام بعلوم مثل الاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع والأديان المقارنة وغيرها من المجالات ذات الصلة.

مصدر الصورة حريق هائل خلفه قصف أمريكي إسرائيلي على منشآت نفطية في طهران (الفرنسية)

تأثير القصف الجوي على المجتمعات

مع توسع النقاش حول "القصف الاستراتيجي" برزت مجموعة تحديات واجهت النظريات التي دعت إلى استخدام الإرهاب الجوي ضد السكان المدنيين. ومن أبرزها أن الافتراضات حول ردود فعل المجتمعات تحت القصف لم تكن مدعومة بتجارب عملية.

إعلان

ففي كثير من الحالات يؤدي الخوف والدمار الناتج عن القصف الجوي إلى حالة من الانكفاء العاطفي والانشغال بمحاولات النجاة اليومية. كما أن السكان الذين يعتقدون أن حكوماتهم تبذل جهودا حقيقية لحمايتهم من الغارات الجوية يميلون إلى توجيه غضبهم نحو الطرف المهاجم بدلا من تحميل المسؤولية للقيادة السياسية في بلادهم.

"الأنظمة السياسية السلطوية غالبًا ما تكون أقل حساسية للضغوط الشعبية الناتجة عن القصف، وهو ما يحد من قدرة الإرهاب الجوي على تحقيق نتائج سياسية مباشرة".

وتشير التجارب التاريخية أيضًا إلى أن الأنظمة السياسية السلطوية -مثل ألمانيا في الحرب العالمية الثانية- غالبًا ما تكون أقل حساسية للضغوط الشعبية الناتجة عن القصف، وهو ما يحد من قدرة "الإرهاب الجوي" على تحقيق نتائج سياسية مباشرة. كما أن التأثيرات النفسية الناتجة عن الغارات الجوية قد تكون مؤقتة في كثير من الحالات، إذ يستطيع السكان مع مرور الوقت التكيف مع ظروف الحرب بإنشاء ملاجئ وتطوير وسائل دفاع مدني مختلفة.

ونظرًا لهذا الجدل، أجرت مؤسسة راند، ذات الصلات الوثيقة بوزارة الحرب الأمريكية (Pentagon)، عام 1951 دراسة مهمة حول الآثار النفسية للقصف الجوي على المجتمعات التي تعرضت له خلال الحرب العالمية الثانية بعنوان "الحرب الجوية والضغط النفسي: دراسات نفسية عن القصف والدفاع المدني". وقد قاد هذه الدراسة الباحث إيرفينغ جانيس الذي حاول تحليل ردود الفعل النفسية والسلوكية لدى المدنيين البريطانيين والألمان واليابانيين الذين عاشوا تجربة القصف الجوي المكثف.

توصلت الدراسة إلى عدد من الملاحظات المهمة؛ فقد تبين أن حجم الدمار المادي الناتج عن الغارات الجوية كان له تأثير نفسي قوي في الأفراد الذين عايشوه بشكل مباشر. كما أن الغارات الجوية المفاجئة وغير المنتظمة كانت أقدر على إحداث اضطراب نفسي لدى السكان لأنها حرمتهم من فرصة التكيف مع نمط ثابت من الهجمات. وخلص جانيس إلى أن الهجمات الجوية غير المنتظمة من شأنها أن تعمل على تثبيط عزيمة الخصم، وذلك من خلال تعطيل الأنماط الاجتماعية والسياسية المألوفة. ومع ذلك فإن هذه الحالة النفسية لا تتحول دائمًا إلى ضغط سياسي منظم على الحكومة.

وأظهرت الدراسة أن المدنيين الذين يعيشون تحت القصف لفترات طويلة يميلون غالبًا إلى التركيز على البقاء الشخصي، ويصابون بما يسمى "الجمود الذهني"، حيث ينشغل الأفراد بتأمين احتياجاتهم الأساسية ويتجنبون المخاطرة بالمشاركة في أعمال سياسية قد تعرضهم لمزيد من الخطر.

كذلك واجهت النظريات التي دعت إلى استهداف الاقتصاد الصناعي للدولة المعادية صعوبات أخرى؛ فالمخططون العسكريون يميلون أحيانًا إلى إسقاط تصوراتهم عن اقتصادهم الوطني على اقتصاد الخصم، مما يؤدي إلى تقدير خاطئ لنقاط الضعف الحقيقية داخل النظام الاقتصادي للدولة المستهدفة. كما أن الاقتصادات الحديثة تتمتع بدرجة كبيرة من المرونة، ما يجعلها قادرة على التكيف مع الضربات وإيجاد بدائل للإنتاج والخدمات المتضررة.

مصدر الصورة المدنيين الذين يعيشون تحت القصف لفترات طويلة يميلون غالبًا إلى التركيز على البقاء الشخصي، ويصابون بما يسمى "الجمود الذهني (الفرنسية)

في ضوء هذه النتائج طُرح سؤال آخر يتعلق بمدى قدرة القصف الجوي على التأثير في الجيوش نفسها بدلاً من السكان المدنيين. وخلص ستيفن هوسمر في الكتاب الذي نشره عام 1996 عبر مركز راند بعنوان "التأثيرات النفسية للعمليات الجوية الأمريكية في أربع حروب 1941–1991" إلى أن الجيوش قابلة للإكراه النفسي إذا تعرضت لقصف كثيف ومتكرر بشكل متزايد يفوق توقعاتها، أو كانت محاصرة ومعزولة، أو إذا شعرت بأقصى درجات الإرهاق، أو عندما تشعر بالعجز واليأس لعدم قدرتها على الرد، أو إذا عرض عليها العدو مخرجًا سياسيًا أو عسكريًا من مأزقها.

إعلان

نظرية توماس شيلينغ وإكراه الخصم

في حقبة الحرب الباردة بدأ التفكير في القوة الجوية يتخذ اتجاها جديدا. فقد تحولت نظرية "القصف الاستراتيجي" تدريجيا إلى جزء من نظرية الردع التي ارتبطت بالصراع النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. وفي هذا السياق لعب عدد من الاستراتيجيين المدنيين دورا مهما في تطوير التفكير النظري حول استخدام القوة العسكرية في إدارة الأزمات الدولية. ومن أبرز هؤلاء المفكرين توماس شيلينغ الذي تناول في كتابه "الأسلحة والتأثير" الصادر عام 1966 فكرة استخدام القوة العسكرية بوصفها وسيلة لإكراه الخصم وإعادة تشكيل حساباته السياسية.

رأى شيلينغ أن القوة الجوية تجسد القدرة على إيذاء السكان بهدف دفعهم للضغط على حكومتهم أو حتى الثورة ضدها. ووفق هذا التصور يصبح التهديد باستخدام القوة أكثر أهمية في بعض الأحيان من استخدامها الفعلي، وذلك باعتبار أن الهدف من الضربات الجوية هو دفع الخصم إلى تعديل سلوكه عبر إعادة تقييم المخاطر التي يواجهها إذا استمر في سياساته الحالية.

"رأى شيلينغ أن القوة الجوية تجسد القدرة على إيذاء السكان بهدف دفعهم للضغط على حكومتهم أو حتى الثورة ضدها".

وقد أكد شيلينغ أن نجاح هذا النوع من الإكراه يعتمد على قدرة الطرفين على فهم الإشارات التي يرسلها كل منهما للآخر لتجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى كارثة، ما يتطلب معرفة من يتولى القيادة في الجانب الآخر، وكيف يفكر ويزن الأمور ويتخذ قراراته، وكم من الوقت سيستغرقه ذلك.

ومع ذلك، واجه تطبيق أفكار شيلينغ على يد وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنمارا في حرب فيتنام مجموعة من الصعوبات. فالرسائل التي ترسلها العمليات العسكرية قد لا تُستقبل بوضوح وبالفهم المرجو، وقد تُفسَّر بطرق مختلفة من قبل الأطراف المعنية. كما أن الاستراتيجيات التدريجية قد تمنح الخصم الوقت الكافي للتكيف مع الضغوط العسكرية وإيجاد حلول بديلة للتحديات التي يواجهها، كما قد تُقرَأ على أنها ضعف من المُرسِل.

مصدر الصورة شيلينغ رأى أن القوة الجوية تجسد القدرة على إيذاء السكان بهدف دفعهم للضغط على حكومتهم أو حتى الثورة ضدها (الفرنسية)

نظرية إرنست ماي

في عام 1973 قدَّم المؤرخ الأمريكي إرنست ماي قراءة مختلفة لتأثير القصف الجوي على القرارات السياسية للدول. ففي كتابه "دروس الماضي: استخدام التاريخ وإساءة استخدامه في السياسة الخارجية الأمريكية" تناول الحالات التي حاولت فيها الحكومات استخدام القصف الجوي لإكراه خصومها على تغيير سياساتهم. ومن خلال مراجعته عددا من التجارب التاريخية قبل عام 1945 توصل ماي إلى ملاحظة لافتة، وهي أن القوة الجوية لم تحقق دائما النتائج السياسية التي توقعها أنصار "القصف الاستراتيجي".

يشير ماي إلى ثلاث حالات لم ينجح فيها القصف في تحقيق أهداف سياسية واضحة. أولها في إثيوبيا خلال ثلاثينيات القرن العشرين حين حاول نظام موسوليني الإيطالي استخدام القصف الجوي لدفع الإثيوبيين إلى القبول بالمفاوضات. وثانيها في الصين حيث شنَّ اليابانيون حملة قصف مكثفة خلال الحرب الصينية اليابانية، وتعرضت المدن الصينية لعدة غارات يوميا بهدف إثارة الذعر وإضعاف الإرادة السياسية. وأخيرا في الحرب الأهلية الإسبانية التي شهدت استخداما واسعا للقصف الجوي من قبل القوات الفاشية. ومع ذلك لم تؤد هذه الحملات في الحالات الثلاث إلى تحقيق نتائج سياسية حاسمة، ما دفع ماي إلى اعتبار القوة الجوية أداة محدودة الفعالية عندما تُستخدم وحدها للإكراه السياسي.

ومع ذلك يشير ماي إلى حالتين مختلفتين، هما إيطاليا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية. ففي هاتين الحالتين ساهم القصف الجوي في حدوث تغييرات سياسية مهمة داخل الدولة المستهدفة. ففي إيطاليا جاءت الضربات الجوية على روما في لحظة عانت فيها النخبة الحاكمة من انقسامات متزايدة نتيجة الهزائم العسكرية وتراجع الثقة الشعبية في النظام الفاشي. وقد ساهم القصف، إلى جانب الخوف من استمرار الهجمات، في تعميق هذه الانقسامات داخل القيادة الإيطالية. وبعد فترة قصيرة أُقيل موسوليني بتدخل من الملك فيكتور عمانويل، وشُكِّلَت حكومة جديدة، الأمر الذي مهَّد الطريق لانفصال إيطاليا عن التحالف مع ألمانيا.

" يطرح ماي فكرة أساسية مفادها أن تأثير القصف الجوي يتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة النظام السياسي داخل الدولة المستهدفة".

ويجد ماي نمطًا مشابهًا في الحالة اليابانية. فقد تشكلت النخبة الحاكمة في طوكيو من شبكة معقدة من الوزارات المدنية والقيادات العسكرية والمجموعات السياسية المتنافسة. ومع استمرار الحرب وتزايد الضربات الجوية على المدن اليابانية بدأت بعض الفصائل داخل النظام تدرك خطورة استمرار الصراع. وفي هذا السياق لعب الإمبراطور هيروهيتو دورًا محوريًا في تغيير مسار السياسة، إذ وافق على إقالة رئيس الوزراء هيديكي توجو عام 1944 ثم أعلن الاستسلام عام 1945. ويرى ماي أن القصف الجوي، إلى جانب الخوف من المزيد من الهجمات، ساهم في خلق مناخ سياسي دفع بعض النخب إلى المطالبة بتغيير المسار.

إعلان

ومن خلال هذه المقارنات يطرح ماي فكرة أساسية مفادها أن تأثير القصف الجوي بجوار اعتماده على حجم الدمار الذي يسببه، يتوقف بدرجة كبيرة على طبيعة النظام السياسي داخل الدولة المستهدفة. فالدول التي تعاني نخبها الحاكمة انقسامات داخلية تكون أكثر عرضة للتأثر بالضربات الجوية، لأن القصف قد يعزز الشكوك القائمة داخل مؤسسات الدولة ويشجع بعض الأجنحة على السعي إلى تغيير القيادة أو تعديل السياسات.

ويشير ماي أيضا إلى أن الفصائل الأكثر قابلية للاستجابة لهذا النوع من الضغوط غالبًا ما توجد داخل المؤسسات التي تمتلك معلومات وافية عن الوضع الاستراتيجي للدولة. ويشمل ذلك الدبلوماسيين في وزارات الخارجية، ومسؤولي أجهزة الاستخبارات، والقيادات العسكرية التي بدأت تفقد الثقة في السياسات القائمة، إضافة إلى بعض المسؤولين الاقتصاديين الذين يدركون كلفة استمرار الحرب. ويصف ماي هذه الفئات أحيانًا بـ"المتشائمين"، لأنهم يكونون أكثر حساسية لمخاطر السياسات القائمة وأكثر استعدادًا لدعم تغييرها.

ومع ذلك يؤكد ماي أن القصف الجوي لا يعمل بمعزل عن العوامل الأخرى التي تؤثر في مسار الحروب. فالتغيرات السياسية داخل الدولة المعادية تنشأ نتيجة تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، من بينها الهزائم العسكرية والضغوط الاقتصادية والانقسامات داخل النخب الحاكمة. وفي هذا السياق يمكن للقوة الجوية أن تلعب دورًا في تسريع هذه التحولات أو تعميقها، لكن تأثيرها يظل مرتبطًا بالظروف السياسية والمؤسسية الخاصة بكل حالة.

مصدر الصورة شارع في شنغهاي دمره القصف خلال الحرب الصينية اليابانية الثانية من عام 1937 إلى عام 1945 (شترستوك)

نظرية شل القرار

مع نهاية الحرب الباردة بدأت مرحلة جديدة في تطور نظريات استخدام القوة الجوية. فقد ظهرت أفكار حاولت تجاوز النقاشات القديمة حول "القصف الاستراتيجي"، والانتقال إلى فهم أعمق لدور الطائرات في التأثير على مسار الحروب. وفي هذا السياق برز ضابطان في سلاح الجو الأمريكي تركا أثرًا كبيرًا في هذا المجال، هما جون بويد وجون واردن. وارتبطت هذه المرحلة بظهور تصور مفاده أن التكنولوجيا عامل قادر على تغيير طبيعة الحرب نفسها. فقد أدى التطور السريع في قدرات الطائرات وأنظمة الاستشعار والاتصالات إلى توسيع إمكانات العمليات الجوية.

جمع جون بويد في مسيرته بين خبرته طيارا مقاتلا في الحرب الكورية واهتمامه المتزايد بالتفكير الاستراتيجي. فقد شارك في تطوير عدد من الطائرات المقاتلة الأمريكية الشهيرة مثل "إف-15″ (F-15) و"إف-16″ (F-16) و"إف-18" (F-18) مما أتاح له الجمع بين المعرفة التقنية بالطائرات والخبرة العملية في القتال الجوي. وإلى جانب عمله في تصميم الطائرات درس بويد التاريخ العسكري والنظريات الاستراتيجية، مما قاده إلى تطوير نموذج تحليلي أصبح معروفا باسم "حلقة أودا" (OODA).

ويشير نموذج "حلقة أودا" إلى دورة اتخاذ القرار التي تمر بأربع مراحل: الملاحظة، والتوجيه، والقرار، والفعل. وقد رأى بويد أن الطرف الذي يستطيع المرور بهذه الدورة بسرعة أكبر من خصمه يتمتع بميزة استراتيجية، لأنه يفرض إيقاع العمليات ويجعل خصمه عاجزا عن التكيف مع سرعة الأحداث. وقد تجاوز تأثير هذا المفهوم المجال العسكري، لينتقل إلى الأدبيات التي تناولت الحرب الشبكية وحرب المعلومات والعمليات السيبرانية وأنظمة القيادة والسيطرة.

وقد جاءت أفكار بويد في سياق نقاش داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية حول طبيعة العقيدة القتالية. فقد كشفت حرب فيتنام عن جمود في التفكير الاستراتيجي، كما أظهرت حدود الاعتماد المفرط على الردع النووي بوصفه الأساس الرئيسي للاستراتيجية العسكرية الأمريكية. وفي الوقت نفسه كشفت حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 عن قدرات المعدات السوفيتية الحديثة عندما اقترنت بعقيدة عملياتية مبتكرة، الأمر الذي دفع الجانب الأمريكي إلى إعادة التفكير في طبيعة الحروب المستقبلية.

بويد (يسار) انتقد بشدة نماذج الحرب القائمة على الاستنزاف التدريجي للقوات ورأى أن المعارك الخطية المتوقعة تمنح الخصم فرصة للتكيف والاستجابة (الفرنسية)

في هذا السياق انتقد بويد بشدة نماذج الحرب القائمة على الاستنزاف التدريجي للقوات. وقد رأى أن المعارك الخطية المتوقعة تمنح الخصم فرصة للتكيف والاستجابة. ولذلك ركز في تحليله على المبادرة والمرونة وسرعة الحركة والوعي بالموقف والتماسك المعنوي للقوات. واعتبر أن هذه العناصر تلعب دورا حاسما في تحديد نتائج الصراع، لأنها تؤثر مباشرة في قدرة الأطراف المتحاربة على اتخاذ القرارات والتكيف مع تغير الظروف.

وفي الوقت نفسه ظهرت أفكار جون واردن الذي قدم تصورا مختلفا لتوظيف القوة الجوية في العمليات العسكرية. فقد طرح واردن نموذجا يرى الدولة نظاما يتكون من حلقات مترابطة تشمل القيادة والبنية الحيوية والبنية التحتية والسكان والقوات المسلحة. ويقوم هذا النموذج على فكرة أن ضرب العُقَد الحيوية داخل هذا النظام قد يؤدي إلى تعطيل قدرة الدولة المعادية على إدارة الحرب.

عبَّر واردن عن هذه الأفكار في كتابه " الحملة الجوية: التخطيط للقتال" الصادر عام 1988، الذي حاول من خلاله تقديم إطار عملي لاستخدام القوة الجوية في تحقيق أهداف استراتيجية. وقد ركز في تحليله على إمكانية استخدام الضربات الجوية لاستهداف مراكز القيادة والقدرات الحيوية للخصم، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك عملية اتخاذ القرار داخل الدولة المعادية، وصولا إلى شلها بكلفة أقل في الأرواح والموارد من الانخراط في استنزاف طويل في معارك برية معها.

وقد جاءت هذه التصورات في مواجهة رؤية تقليدية ركزت على الدور المحوري للقوات البرية في الحروب، واعتبرت أن السيطرة على الأرض تمثل العنصر الحاسم في تحقيق النصر العسكري، وأن العمليات البرية ستظل محور الحرب مهما تطورت الوسائل التكنولوجية، مع التشكيك في قدرة القوة الجوية على تحقيق نتائج حاسمة من دون دعم بري فعال.

"هناك حدود واضحة للعمل الجوي، فالطائرات لا تستطيع أن تستولي على الأرض أو أن تُدير استسلام الخصم أو أن تفرض ترتيبات الحكم بعد انتهاء القتال".

ومع ذلك لم ينهِ التطور في نظريات استخدام القوة الجوية الجدل حول حدودها. فالطائرات تمنح الدول أداة سريعة الحركة ومرنة وذات قدرة عالية على الوصول إلى أهداف بعيدة وضربها، وتستطيع أن تُحدث اضطرابا كبيرا في بنية الخصم، وأن تمنع قواته من الحركة المريحة على الأرض في ميادين مفتوحة، وأن ترفع كلفة تحركاته العسكرية واللوجستية، لكنها لا تستطيع أن تستولي على الأرض أو أن تُدير استسلام الخصم أو أن تفرض ترتيبات الحكم بعد انتهاء القتال. ولهذا ظل كثير من المنظرين يؤكدون أن القوة الجوية أداة استراتيجية بالغة الأهمية، لكنها تبقى جزءا من منظومة تحتاجها الاستراتيجية الأكبر للحرب.

وهنا تأتي أهمية قراءة الحملة الجوية على إيران باعتبارها اختبارا آنيا لنظريات القوة الجوية التي تطورت عبر قرن من النقاش العسكري. فقد بدأت هذه الحملة بضربة افتتاحية استهدفت المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إلى جانب عدد كبير من القادة العسكريين، في تطبيق لفكرة ضرب مركز الثقل القيادي وتعطيل منظومة صنع القرار منذ اللحظة الأولى للحرب.

وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن لن تقبل سوى الاستسلام غير المشروط من إيران، ردَّ الحرس الثوري والجيش الإيراني بتأكيد أن القتال سيستمر حتى النهاية وأن الحملة الأمريكية الإسرائيلية ستفشل في تحقيق أهدافها. وبين هذين الموقفين المتعارضين تتجدد الأسئلة التي رافقت تاريخ القوة الجوية: هل تستطيع الضربات الجوية المكثفة أن تشل نظام الخصم وتفرض تغييرا سياسيا؟ أم أن قدرة الدول على التكيف وإعادة تنظيم مراكز القرار ستحد من أثرها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال سيحددها مسار هذه الحرب التي يتطاير شررها ليطال الإقليم والاقتصاد العالمي.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا