في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بينما تنشغل المنطقة بضجيج التصريحات، تتحرك في الخفاء قطع الشطرنج العسكرية لترسم واقعا جديدا في الشرق الأوسط، إذ لم يعد الهدف الأمريكي مجرد ردع إيران، بل يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بدأت فعليا في تنفيذ إستراتيجية الاستيلاء والسيطرة على مراكز الثقل النفطي والجغرافي بعد تنفيذ ضربات عسكرية أمريكية لجزيرة خارك الإيرانية.
ومن دفع قوات المارينز نحو المنطقة، إلى إقحام مسيرات الذكاء الاصطناعي في المواجهة، تبرز ملامح خطة أمريكية متكاملة تهدف لنقل المعركة إلى الداخل الإيراني البحري.
في هذا التقرير، نكشف بـ5 أسئلة كيف تخطط واشنطن لتحويل الجزر الإيرانية من أوراق ضغط لطهران إلى حصون أمريكية تؤمن تدفق النفط العالمي.
تُشير المعطيات الميدانية والتحركات العسكرية الأخيرة إلى أن إدارة ترمب تضع خيار الاستيلاء على خارك ضمن قائمة الخيارات العملياتية.
هذا التحول الجذري يتجاوز فكرة "التعطيل المؤقت" عبر القصف الجوي، ليسعى إلى إخضاع الجزيرة لسيادة عسكرية أمريكية مباشرة، مما يعني خنق الشريان الاقتصادي الإيراني من المنبع وتحويل "خارك" إلى ورقة ضغط سيادية غير مسبوقة.
وتعززت هذه الفرضية بمعلومات أوردها موقع "أكسيوس" في السابع من مارس/آذار، كشفت عن نقاشات داخل الإدارة الأمريكية حول جدوى السيطرة على الجزيرة التي تعالج 90% من صادرات إيران النفطية.
دفاعيا، يرى العقيد المتقاعد في المارينز، مارك كانسيان، أن نشر وحدة الاستكشاف البحرية في الشرق الأوسط يمنح واشنطن لأول مرة قوات قتالية برية قادرة على حسم الأمور ميدانيا.
ويؤكد كانسيان أن القدرات البرمائية لهذه الوحدات، التي تتدرب باستمرار على "الاستيلاء على الجزر" في المحيط الهادي، تجعل سيناريو السيطرة على خارك خيارا متاحا لترمب، ليعلن بعدها انتهاء المهمة وفرضه للواقع الجديد.
وعن التحديات اللوجستية للاستيلاء يقول كانسيان إن الجزيرة تقع في الطرف الشمالي من الخليج العربي، إلى جانب امتلاك إيران ترسانة من صواريخ كروز للدفاع الساحلي، وطائرات مسيرة، وزوارق سريعة مسلحة يمكن أن تستخدمها لتهديد القوات الأمريكية.
رغم الجاذبية الإستراتيجية لخارك، فإن السيطرة البرية عليها تندرج عسكريا ضمن العمليات العسكرية الأكثر خطورة إذ تكمن المعضلة في أن عزل الجزيرة جغرافيا يجعل القوات البرية الأمريكية هدفا سهلا للجانب الإيراني، حيث تتحول الجزيرة من "مكسب" إلى "فخ" يضع الجنود الأمريكيين مباشرة تحت رحمة الشبكات الصاروخية والمسيرات الانتحارية الإيرانية المتمركزة في البر الرئيسي.
ورغم تحفظ المسؤولين الأمريكيين عن تأكيد التحضير لعملية برية، فإن المؤكد أن مهمة كهذه ستجعل القوات الأمريكية عرضة لهجمات الطائرات المسيرة الإيرانية والصواريخ الأخرى، بالإضافة إلى احتمال وجود عبوات ناسفة مرتجلة أو دفاعات أخرى مخبأة في الجزيرة.
ومع ذلك، تتزايد المؤشرات حول حشد عسكري أمريكي بري، وخاصة بعد تصريحات مسؤولين أمريكيين الجمعة أن قوة مهام جوية برية تابعة لمشاة البحرية (المارينز) ستنتقل على متن سفن تابعة للبحرية من أوكيناوا باليابان إلى الشرق الأوسط، جالبة معها مركبات إنزال برمائية، ومروحيات، وطائرات مقاتلة من طراز "إف-35″، وكتيبة مشاة تضم نحو 800 جندي مارينز.
وتضم قوة المهام هذه، المعروفة باسم "وحدة الاستكشاف البحرية"، أكثر من 2200 جندي مارينز، يساندهم أكثر من 2000 فرد إضافي من البحرية موزعين على متن السفينة "يو إس إس تريبولي" وسفينتين حربيتين أخريين.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور علم صالح، المختص في الشأن الإيراني، أن طهران قد تنظر إلى الحشود الأمريكية القريبة من سواحلها ليس كتهديد فحسب، بل كـ "فرصة إستراتيجية"؛ حيث يرحب الجانب الإيراني تكتيكيا باقتراب السفن والجنود الأمريكيين من مياهه الإقليمية.
كما يشير صالح في حديثه للجزيرة، إلى وجود تناقض في خطاب إدارة ترمب، فبينما يدعي الرئيس أن السفن النفطية "تظهر شجاعة" في العبور، فإن الواقع الميداني يشير إلى إغلاق عملي لمضيق هرمز وصعوبة توفير مرافقة عسكرية فعلية لهذه السفن في ظل التهديدات الحالية، مما يجعل أي تقارب أمريكي مستقبلي في هذه المنطقة وقوعا اختياريا في شرك الدفاعات الإيرانية المكثفة.
ثمة تقاطع إستراتيجي بين استخدام الطائرات المسيرة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وبين تحركات قوة الاستكشاف البحرية الأمريكية (MEU)، هذا التقاطع يصفه الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبو زيد بأنه تحول رسمي ومعلن لشكل القتال من "النمط التقليدي" إلى "النمط غير التقليدي"، وهو ما يمكن تسميته بالانتقال نحو المرحلة الثالثة من العمليات العسكرية.
ويوضح أبو زيد، في حديثه للجزيرة، أن دخول عنصر البر (المارينز) بالتزامن مع وصول مسيرات من نوع "ملوبس" (M-LOPS) المتجهة حاليا عبر مضيق الفلبين، يهدف إلى خلق معادلة عملياتية جديدة، تكمن أهميتها القصوى بدمج هذه المسيرات في قدرتها على اعتراض المسيرات الإيرانية ذاتيا وبدقة عالية، مما يحقق هدفين إستراتيجيين:
تشير القراءة الجيوسياسية للجانب العسكري إلى أن خارك ربما ليست سوى البداية في خطة أوسع تهدف لتأمين السيطرة المطلقة على مضيق هرمز، يقول أبو زيد إن الحسابات والعيون الاستخباراتية الأمريكية تتطلع الآن إلى أهداف ذات وزن إستراتيجي أعلى من الناحية الجغرافية، وعلى رأسها "جزيرة كيش" و" ميناء بندر عباس".
وتكمن أهمية بندر عباس بكونها "مركز الثقل" والمقر الحقيقي للقوات البحرية الإيرانية؛ والسيطرة عليه أو تحييده عسكريا يعني إنهاء أي تهديد إيراني مباشر لتدفقات النفط العالمية، وهو ما يعزز قبضة الجانب الأمريكي على الملاحة الدولية.
أما جزيرة جزيرة كيش فتعد النقطة الأقرب والأنسب لمراقبة مضيق هرمز وتأمينه، والسيطرة عليها تعني شل قدرة الزوارق السريعة الإيرانية على المناورة في الممر الدولي، وفقا لأبو زيد.
إن كل ما سبق ذكره من تحركات ليس عشوائيا، بل يندرج تحت مفهوم عسكري يعرف بالعمليات المتقدمة الاستكشافية، وهذه الإستراتيجية صُممت خصيصا للمناطق الساحلية، حيث تقوم قوات المارينز بنشر "قواعد مصغرة ومؤقتة" على الجزر ليس فقط لدعم البحرية، بل للدفاع عنها والسيطرة على المجال البحري المحيط.
وفي السياق الإيراني، يمثل نشر وحدات الاستطلاع البحرية الأمريكية قرب جزيرة خارك أو مضيق هرمز جزءا من هذه العقيدة، حيث تتيح لهم تقييم التهديدات الإيرانية والتحكم في نقاط حيوية، تمهيدا لأي عملية أكبر أو اختبار لتقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة المعترضة بالذكاء الاصطناعي.
وتعد هذه العقيدة شكلا من أشكال الحروب الاستكشافية التي تتضمن توظيف قوى بحرية متنقلة، ذات بصمة منخفضة (يصعب رصدها)، وذات صلة عملياتية، وسهلة الصيانة والاستدامة نسبيا.
يتم نشر هذه القوات انطلاقا من سلسلة من المواقع البرية أو الساحلية المتقشفة والمؤقتة، داخل منطقة بحرية متنازع عليها أو يحتمل التنازع عليها، وذلك بهدف تنفيذ عمليات حظر بحري، أو لدعم السيطرة البحرية.
خلاصة المشهد أن المنطقة لم تعد أمام مناوشات عابرة، بل أمام تحول جذري في عقيدة المواجهة، ويقول المحللون العسكريون إن واشنطن اليوم تراهن على التفوق التكنولوجي والسرعة الميدانية لإنهاء زمن التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز، ورسالة واضحة أن واشنطن تضع إيران أمام خيارين: إما القبول بواقع سيادي جديد تقوده واشنطن، وإما الغرق في مواجهة مباشرة تتجاوز الحروب التقليدية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة