في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- يقف رجل سبعيني قرب كومة من الركام في منطقة الباشورة وسط بيروت، يحدق طويلا في المكان الذي كان حتى أمسِ منزلا، يرفع يده مشيرا إلى الحجارة والحديد المتناثر قبل أن يقول إن المشهد وحده كفيل بشرح ما حدث، يضيف بصوت خافت في حديثه للجزيرة نت أن الكلمات تعجز عن نقل حجم الخسارة، فـ"الصورة تحكي وحدها".
المبنى الذي كان يقطنه تضرر بشدة بعد الغارة التي استهدفت مبنى مجاورا مساء الخميس في الحي، ويقول الرجل إن الخطر كان كبيرا لحظة القصف، وإنّ كل ما يملكه ضاع في لحظات. أما اليوم فيجد نفسه وعائلته بلا مأوى، ينتقلون بين بيوت الآخرين بانتظار أن تتضح الخطوة التالية.
تتكرر في أرجاء الحي المشاهد نفسها، حيث يروي السكان تفاصيل الساعات التي سبقت الضربة، أحدهم يقول إنهم تلقوا إنذارا يطالبهم بإخلاء المبنى، فسارع إلى إخراج أطفاله والنزول إلى الشارع مع بقية السكان، ويضيف أن أكثر ما كان يقلقه في تلك اللحظات هو كيفية إبعاد الأطفال عن الخطر وسط حالة من الارتباك والخوف.
يشير المتحدث من سكان الباشورة في حديثه للجزيرة نت إلى أن كثيرا من العائلات كانت تستعد للإفطار عندما وصل التحذير، فاضطر الجميع إلى مغادرة منازلهم على عجل، ورغم أن الغارة استهدفت مبنى واحدا في الحي، فإن قوة الانفجار تسببت في أضرار في الأبنية المجاورة، حيث تحطم الزجاج وتضررت السيارات.
ولا يزال القلق حاضرا بين سكان المنطقة، إذ يتساءل كثيرون عما قد يحدث إذا تكررت الإنذارات أو الضربات، فيما يتردد سؤال بين الأهالي اليوم عن وجهتهم إن اضطروا لمغادرة منازلهم مرة أخرى.
ويروي أبو علي بحر تجربة مشابهة عاشها مع عائلته مساء أمس، حين استُهدف مبنى آخر في المنطقة، يقول للجزيرة نت إن العائلة كانت تستعد للإفطار بعد يوم طويل من الصيام عندما سمعوا نداءات في الحي تطالب السكان بإخلاء المكان فورا.
يضيف أن الناس خرجوا مسرعين إلى الشارع وهم يحاولون جمع ما أمكنهم من أغراض، قبل أن يقضوا نحو ساعتين في الخارج بانتظار ما سيحدث، وبعد وقوع الغارة عادوا إلى منازلهم ليتفقدوها، فوجدوا الأضرار قد طالت أجزاء منها بفعل قوة الانفجار.
في حي زقاق البلاط القريب، تختصر آمنة عبد الله تجربتها مع الحروب بعبارة تقول فيها إن "عمرها مضى بين حرب وأخرى"، تستعيد تفاصيل اللحظات التي سبقت الغارة في زقاق البلاط، حين كانت العائلة تستعد للإفطار في أجواء رمضانية هادئة، بينما كان الأطفال ينتظرون موعد الأذان.
تقول إن تلك اللحظات تبدلت فجأة بعد وصول خبر الإنذار بالإخلاء، لتغادر المنزل مع أولادها على عجل، فيما كان الأطفال يبكون من شدة الخوف. وتقف العائلة بعدها في الشارع بانتظار ما سيحدث وسط حالة من الترقب والقلق.
لكنّ الخسارة بالنسبة إليها لم تقتصر على الأضرار أو الخوف الذي عاشوه، تشير إلى أن المبنى المستهدف في الحي يضم مؤسسة القرض الحسن، حيث كانت تحتفظ بمدخراتها التي جمعتها خلال سنوات عملها في التعليم، مضيفة أن تلك الأموال كانت تعب سنوات طويلة من العمل.
ويقول أحد سكان منطقة زقاق البلاط إن حالة الذعر التي شهدها الحي كانت طبيعية في ظل وجود النساء والأطفال لحظة الإخلاء، ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن المنطقة مدنية بالكامل، وأن المبنى المستهدف يضم مؤسسة القرض الحسن التي يلجأ إليها كثير من السكان لحفظ مدخراتهم أو الحصول على قروض تساعدهم في تدبير شؤونهم المعيشية.
وجاءت الغارتان اللتان استهدفتا مبنيين في منطقتي الباشورة وزقاق البلاط في بيروت مساء الخميس، في ظل التصعيد العسكري المستمر بين إسرائيل وحزب الله، في خطوة تعكس اتساع رقعة الضربات الإسرائيلية خارج نطاق الضاحية الجنوبية للعاصمة.
ففي الآونة الأخيرة، باتت الضربات الجوية الإسرائيلية تطول مناطق متفرقة من لبنان بشكل شبه يومي، في نمط عملياتي يوحي بمحاولة توسيع دائرة الاستهداف جغرافيا.
ومع تواصل التطورات العسكرية والسياسية في المنطقة، يطرح هذا التصعيد تساؤلات حول ما إذا كان لبنان يدخل مرحلة جديدة من اتساع نطاق الضربات الإسرائيلية داخل أراضيه.
يرى المحلل السياسي يوسف دياب، في حديثه للجزيرة نت، أن استهداف بيروت يندرج ضمن سياسة إسرائيلية قائمة على انتقاء أهداف محددة داخل العاصمة، إذ يجري اختيار مواقع بعينها وضربها بدقة، وغالبا ما تكون مرتبطة بعمليات اغتيال أو باستهداف مكاتب ومنشآت يُعتقد أنها تابعة لحزب الله.
ويضيف أن هذه السياسة تقوم على مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في ملاحقة قيادات في حزب الله والحرس الثوري الإيراني، حيث تُنفَّذ عمليات الاغتيال داخل العاصمة نفسها، سواء في فنادق أو شقق سكنية، بل وحتى في أماكن يوجد فيها نازحون، أما المسار الثاني فيرتبط بمحاولة زيادة الضغط على البيئة الحاضنة لحزب الله وعلى الدولة اللبنانية، بهدف تأليبها عليه.
ويحذّر دياب من أن تصاعد وتيرة الاستهدافات في بيروت الإدارية، أي في مناطق يُفترض أنها بعيدة عن بيئة حزب الله وأكثر أمانا، قد يفضي مع مرور الوقت إلى احتكاكات بين النازحين والمجتمعات المضيفة، ويقول إن مؤشرات على ذلك بدأت تظهر في بعض المناطق، حيث جرى طرد نازحين أو مطالبتهم بالمغادرة، نتيجة اعتقاد بعض السكان بوجود مطلوبين أو مسؤولين في حزب الله أو في الحرس الثوري الإيراني بين هؤلاء النازحين، ما يجعل تلك المناطق عرضة للاستهداف.
ويرى أن استمرار هذا النمط من العمليات قد يؤدي إلى تصاعد التوتر بين المجتمعين النازح والمضيف، وهو وضع قد تجد الدولة اللبنانية صعوبة في احتوائه إذا اتسع نطاقه، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام إشكالات وتوترات داخلية لا يحتمل لبنان تبعاتها في ظل الظروف الحالية.
ويعتقد دياب أن ما يجري قد يكون بداية مرحلة أطول من التصعيد، مشيرا إلى أن الحرب لا تزال في أسابيعها الأولى، وأن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن توسيع نطاق الاستهدافات قد يقود إلى مستويات أكثر خطورة، وربما يشمل في مراحل لاحقة البنى التحتية التابعة للدولة اللبنانية، ما قد يضع البلاد أمام دوامة طويلة من العنف يصعب التنبؤ بمدى اتساعها.
يؤكد الخبير العسكري حسن جوني في حديثه للجزيرة نت أن العدوان الإسرائيلي على لبنان تصاعد إلى مرحلة جديدة، ويصف جوني الغارات الإسرائيلية بـ"الهمجية التدميرية"، مشيرا إلى سقوط مبان كاملة على ساكنيها، بما فيها أطفال ونساء، دون مراعاة القوانين الدولية، ما يعكس مستوى متصاعدا من العنف العسكري.
أما بالنسبة لبيروت، فيؤكد جوني أن المشهد الحالي مختلف، فالاستهداف المتزايد للعاصمة، مع اختيار أهداف محددة وشن غارات عنيفة يشير إلى محاولة لزيادة الضغط على أكثر من محور:
ويحذر جوني من أن هذه الضغوط، في حال استمرارها، قد تسهم في توسيع الانقسامات بين اللبنانيين، لاسيما مع معارضة واسعة لتدخل حزب الله في الحرب دعما لإيران، ويضيف أن من بين الأهداف المحتملة لإسرائيل، وفق تحليله، تعميق الانقسام الداخلي لإضعاف حزب الله، بما يحقق هدفها المعلن بالقضاء على تأثيره العسكري والسياسي في لبنان.
الغارات الإسرائيلية تسببت في أضرار بالمباني مع تحطم الزجاج وتضرر السيارات (الجزيرة)المبنى المستهدف في زقاق البلاط يضم مؤسسة القرض الحسن (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة