آخر الأخبار

كيف نفهم الخامنئية الجديدة؟

شارك

في خطابه الأول الذي تم نشره مكتوبا عبر الإذاعة والتلفزيون الإيرانيين، وبعد ثلاثة أيام من اختياره من قبل مجلس خبراء القيادة، لم يتردد المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله مجتبى خامنئي، وعبر رسالته الأولى في إظهار التحدي للولايات المتحدة الأمريكية، متوعدا بالاستمرار في إغلاق مضيق هرمز، ورفع كلفة الحرب ضد إيران، إقليميا ودوليا. وهي رسالة لم تلبث أن انعكست في تجاوز سعر برميل النفط مئة دولار.

رسالته تلك لم تكن الوحيدة في خطابه، حيث كانت الرسالة الثانية موجهة للداخل الإيراني، بضرورة التوحد أمام العدو الخارجي الذي يستهدف المجتمع والجغرافيا الإيرانيين.

أما رسالته الثالثة، فقد أعادت تكرار الموقف الإيراني في تبرير اعتداءاتها على دول الخليج العربية، مستدعيا نفس السردية: أن الاستهداف هو للقواعد الأمريكية، وأنه سيستمر ما دامت الحرب.

مجتبئ خامنئي في الحيز العام

في التاسع من مارس/آذار 2026، أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران انتخاب السيد مجتبى خامنئي مرشدا أعلى ثالثا للجمهورية الإسلامية، خلفا لوالده علي خامنئي الذي اغتيل 28 فبراير/شباط، خلال الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

جاء هذا الاختيار في أجواء من الضغط الأمني الهائل، إذ كانت إسرائيل قد هددت صراحة بأن أي شخص يُختار مرشدا سيكون هدفا للتصفية، فيما طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن يكون له دور في تحديد هوية المرشد الجديد، حيث أعلن مسبقا عدم قبوله أن يصبح مجتبى خامنئي مرشدا ثالثا بعد اغتيال والده.

هذا السياق الاستثنائي ليس مجرد خلفية للحدث، بل هو جزء من بنيته؛ لأن الاختيار جرى تحت ضغط مزدوج:


* الخارج الذي يريد إسقاط النظام.
* والنظام الذي يبحث عن استمرارية تضمن التماسك.

وُلد مجتبى في الثامن من سبتمبر/أيلول 1969 في مشهد، وهو الابن الثاني لعلي خامنئي. تزامنت طفولته مع سنوات المعارضة التي خاضها والده ضد نظام الشاه، ثم مع انتصار الثورة وتأسيس الجمهورية الإسلامية، مما جعله ينشأ في قلب المشهد السياسي لا على هامشه.

إعلان

انخرط في الحرب الإيرانية العراقية ضمن كتيبة حبيب بن مظاهر النخبوية، وهي الكتيبة ذاتها التي صعد منها لاحقا عدد من القيادات الأمنية والاستخباراتية، مما يعني أن علاقاته داخل المؤسسة العسكرية تمتد إلى رفقة الحرب والسلاح، لا إلى ترتيبات المناصب فحسب.

التحق بالحوزة العلمية في مدينة قُم عام 1999، أي في سن الثلاثين، وهو توقيت متأخر نسبيا مقارنة بالمسار المعتاد لطلاب العلوم الدينية. وقد درس تحت إشراف آية الله تقي مصباح يزدي المعروف بتشدده الفقهي.

وفي مسيرته في التعليم الحوزوي كان يحمل رتبة حجة الإسلام والتي أصبحت آية الله بموجب إعلان اختياره الذي تم من خلال مجلس خبراء القيادة.

إذا كان هناك من وصف يميز شخصية المرشد الثالث قبل توليه منصبه الجديد فهو "الغموض"، وما يفسر ذلك هو أن طرح اسم مجتبى يختلف عن غيره من رجال الدين المرشّحين تقليديا لمنصب المرشد الذي يستند عادة إلى المكانة الدينية، في حين أن مجتبى يعتمد على شبكة علاقات أمنية وعسكرية واقتصادية متماسكة.

فحضوره في المشهد العام السياسي لم يكن قبل الانتخابات الرئاسية التاسعة التي فاز فيها الرئيس محمود أحمدي نجاد، على أجندة شعبوية واضحة، وعداء شديد للتيار الإصلاحي الإيراني الذي تم ربطه بالغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

وهناك من يرى أن مجتبى بكل رمزيته وثقله كان منحازا لفوز محمود أحمدي نجاد في الانتخابات التاسعة الرئاسية الإيرانية في العام 2005، والعاشرة في العام 2009.

ويعتقد داخل النظام السياسي أن معظم القادة المقرّبين منه، هم عائدون من الحرب العراقية الإيرانية، حيث كانوا يعملون في فرقة حبيب بن مظاهر- الذي كان أحد قادة الحسين بن علي، رضي الله عنه، في معركة كربلاء المشهورة- وهي فرقة تركز على قدامى المحاربين الذين شاركوا في تلك الحرب.

تجدر الإشارة إلى أن العديد من هؤلاء المحاربين القدامى تولّوا مناصب في الأجهزة الأمنية التابعة للحرس الثوري فيما بعد.

لقد استدعت جهود هندسة المشهد الانتخابي الإيراني – الذي بدأ بشكل منظم منذ العام 2005- اسم مجتبى خامنئي للنقاش في الحيز العام، وبدأ النقاش عن أدوار منسوبة له كان يلعبها في هذا السياق. ويعتقد أن تلك الهندسة التي كانت تتم من خلال استخبارات الحرس الثوري، أدت إلى صراع في أكثر من مرحلة مع مؤسسة الاستخبارات.

ويبدو جليا أن مجتبى كان ينظر إلى تلك المؤسسة الأمنية في الحرس الثوري بعين الأهمية، وضرورة ضبطها، وهذا ربما يفسر إقالة حسين طائب من رئاسة استخبارات الحرس الثوري في العام 2022 بعد حوالي 13 سنة في المنصب، وقيل حينها إن خامنئي الابن تخلص من حليف مقرب.

ومع تواتر الحديث عن حضور مجتبى في المشهد الأمني في الحرس الثوري، تزايدت الإشارات إلى دور آخر يلعبه في الميدان الاقتصادي.

تمثل هذا الدور في إدارته الأمور الاقتصادية المتعلقة بوالده الذي هو مرجع تقليد، ويفترض وفق أصول المذهب الجعفري "الاثنا عشري" أن يحصل على الخُمس من المقلدين كمرجع ديني ونائب لإمام الزمان.

بيد أن الولايات المتحدة فرضت عليه عقوبات اقتصادية في العام 2019.

إعلان

وفي إطار حضوره في الحيز العام الاقتصادي، فقد ارتبط اسمه بإدارة المؤسسة الاقتصادية الضخمة المعروفة باسم "ستاد اجرايى فرمان إمام"؛ أي "لجنة تنفيذ أمر الإمام "، وهي مجموعة اقتصادية ضخمة تأسست منذ العام 1989 لإدارة الأموال والعقارات التي تمت مصادرتها من النظام الملكي السابق، هذا الثنائي في الجمع بين الحضور في المؤسسة الأمنية والاقتصادي، مثّل عناصر قوة مضاعفة لمجتبى كرجل دين، لا سيما أنه أصبح الآن المرشد الثالث.

المرشد الثالث وخيار الضرورة

لم يكن مجتبى خامنئي بعيدا عن سلسلة المرشحين لخلافة والده، لكن إصراره على البقاء في الظل، وعدم الحضور في الحيز العام السياسي وغياب الظهور العلني وحتى الخطابات العامة، تركت انطباعا بأن الرجل ربما لم يكن يسعى لذلك، أو أن والده لم يكن يؤيد ذلك.

ما تبين بعد ذلك أن والده قد أظهر لمن حوله أنه لا يفضل مثل ذلك الخيار. لكن اسمه لم يغب عن قوائم الترشيح ليعود بقوة بعد اغتيال والده في الهجوم الإسرائيلي الأمريكي. وفي تفسير ذلك يمكن الحديث عن خمس مسائل أساسية:


* الأولى: وفاة معظم الأسماء القيادية التي كانت تتمتع بشرعية ثورية؛ أي إنهم كانوا إلى جانب المؤسس آية الله الخميني، ومن بقي على قيد الحياة فهم في أوضاع صحية صعبة. وهذا يفتح الباب لتدخل عوامل أخرى في الاختيار.
* الثانية: حالة الحرب المفروضة على إيران وفق المصطلح الإيراني، واغتيال المرشد، فاستمرار الفراغ القيادي قد يشي بانطباعات عن ضعف النظام، أو أنه منقسم، وهذا ما قد يعطي إشارات للولايات المتحدة وإسرائيل في التعامل بشكل مختلف مع المشهد العسكري.
* الثالثة: أولوية النظام في هذه المرحلة. يبدو جليا أنه استقر في عقل النظام الإيراني عن الحرب المفروضة عليه، أنها حرب وجودية، فإما تكون الجمهورية الإسلامية أو لا تكون، وعليه وجود مرشد قريب من المرشد السابق الذي أدار إيران 37 سنة، قد يشكل خيارا آمنا لتأمين انتقال النظام والبلاد بشكل أقل ضررا على بنية النظام ومؤسساته نحو مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي: بقاء النظام.
* الرابعة: العدائية الأمريكية والإسرائيلية نحو اختيار المرشد الثالث ومحاولات التأثير على عملية الاختيار، والحديث عن تدخل أمريكي في ذلك، والتهديد باغتياله، كلها كانت ترسل رسائل تفهمها المؤسسة السياسية على أنها إهانة، وتدفعها لاتخاذ قرارات ظرفية.

في هذا السياق، يظهر عدم فهم الإدارة الأمريكية للثقافة السياسية التي تحكم الجمهورية الإسلامية والتي تقوم على فكرة بسيطة: أن من تسانده أمريكا والغرب فهو بالتأكيد ضد الجمهورية الإسلامية، وأن من ترفضه فهو مهم للجمهورية الإسلامية.

وهذا هو التصور نفسه الذي ساهم في القضاء على التيار الإصلاحي في إيران بشكل شبه كامل. كما لا يمكن التقليل من تأثير الهجوم الإعلامي والتهديد الأمريكي والإسرائيلي في عملية اختيار مجتبى خامنئي مرشدا.


* الخامسة: وجود مرشد أعلى مثل آية الله مجتبى علي خامنئي قد يبدو ضرورة لاتخاذ القرارات الصعبة التي تحتاجها الجمهورية الإسلامية في لحظة تاريخية خسرت فيها أوراق قوتها الإقليمية، وتم استهداف برنامجها النووي، مع استهداف مستمر لبنية الدولة في حرب لا يبدو أنها ستنتهي قريبا.

إنها قرارات تتعلق بالبقاء والمحافظة على الجمهورية الإسلامية، وهذا يعني التحرك بين البعد الثوري لحماية النظام، وبين إعادة التموضع وتمرير العواصف؛ بهدف حماية النظام. كما أن شرعية الدم والتي خسر بموجبها والده وأمه، تمنحه أفضلية بين أركان النظام، بالإضافة إلى ما كان لديه من أوراق قوة.

خاتمة

لا شك أن عودة فكرة الوراثة في المنصب السياسي الأول في إيران، تطور مهم يستدعي معه تجربة الملكيات في إيران، وتزداد الأهمية في ظل وجود الدولة الدينية، التي تجنّبت هذا الخيار في الانتقال الأول من الخميني إلى خامنئي.

إعلان

يبدو أن هذا الخيار كان خيار الضرورة والظروف التي تحيط بالجمهورية الإسلامية. ولا شك أن ما يختزنه عقل النظام السياسي عن الجولة الثانية (فبراير/شباط 2026) من الحرب الإسرائيلية الأمريكية في إنهاء تجربة الجمهورية الإسلامية، يسيطر على معظم عملية اتخاذ القرار في هذه المرحلة.

ستكون الأولوية الأهم للمرشد الثالث، هي سلامة النظام والدولة، وهذا قد يفتح خيارات للتصعيد، وكذلك خيارات للتهدئة، لكن هذا لن يكون منوطا بإيران وحدها.

وبالنظر إلى تطور حالة الحرب، فالأقرب أن يسبق التصعيد أي خيار لإعادة التموضع سياسيا سواء تعلق ذلك بالحرب أو بعلاقة إيران مع المنطقة والعالم. وفي هذه السياقات سيبدأ المرشد الثالث في التأسيس للمسار الذي يراه للجمهورية الإسلامية، وستبدأ بصماته القيادية في الظهور.

فكرة النفوذ في المؤسسات التي أسس لها المرشد الثاني بعيدا عن النص الدستوري، ستكون حاضرة في عهد المرشد الثالث، وهذه قد تبدو ضرورة في ظل التهديدات المتزايدة، وهو الأمر الذي كان يقوم به مجتبى قبل أن يكون مرشدا. بعبارة أوضح إيران ستعود إلى مطلع عقد الثمانينيات من مركزية القوة والقرار.

يسعى المرشد الثالث الأعلى إلى تقديم نفسه للإيرانيين بوصفه شابا في مجتمع شاب يريد أن يمنح الشباب فرصا أفضل. لكنه في ميدان السياسة الخارجية سيعمد إلى الاستمرار في خطاب المواجهة والتحدي مع أمريكا وإسرائيل ومن يساندهما.

أما على الصعيد الإقليمي وتحديدا دول الخليج العربية، فإن إيران قد تعود إلى عقد الثمانينيات من القرن العشرين، حيث عدم الثقة وطغيان القراءة الأمنية في تقييم ما تفعله، مما سيلقي بظلاله سلبا على إمكانية تحقيق أي تقدم في مسار إعادة الثقة في علاقاتها مع جوارها.

أصبح مجتبى خامنئي مرشدا أعلى ثالثا في ظرف استثنائي للجمهورية الإسلامية، الأمر الذي قد يصبح مقبولا بالتدرج، لكنه لن يُغيّب أسئلة مهمة حول درجة اجتهاده، وستذكّر كيف تم اختيار والده من قبل؟ وسيبقى سؤال الوراثة الأهم: هل شرعية المرشد الأعلى الثالث تعود إلى شرعية العائلة والمطالبة بالدم، أم لشرعية الثورة؟

يبدو أن الخامنئية الجديدة تشق طريقها بصعوبة داخل عاصفة قاسية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا