كشفت التطورات الأخيرة المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران عن نمط دبلوماسي لافت؛ إذ تبدو واشنطن، مدفوعة بضغوط إسرائيلية، أكثر ميلا إلى تصعيد الضغوط، والانخراط في مواجهة عسكرية، في حين تجنبت الدول الأوروبية إلى حد كبير الاصطفاف الكامل مع هذا النهج.
هذا التباين كان له مردود على أكثر من صعيد فبجانب إحداثه تصدعات أعمق في بنية التحالف الغربي، فقد أسهم أيضا في:
أولا: تنامي الإحساس بالعزلة الإستراتيجية
فقد أعرب قادة أوروبيون مرارا عن قلقهم من المسار الذي يتخذه الصراع؛ فقد شددت القيادة الألمانية، على سبيل المثال، على ضرورة تجنب التصعيد، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي بدلا من الانخراط في حرب طويلة الأمد.
ويخشى صانعو القرار في أوروبا أن يؤدي اتساع نطاق المواجهة مع إيران إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بشكل أوسع، وتعطيل أسواق الطاقة العالمية، وإطلاق موجات جديدة من الهجرة نحو القارة الأوروبية.
وتتفاقم هذه المخاوف في ظل التداعيات الاقتصادية والسياسية المستمرة للنزاعات السابقة في المنطقة، ولا سيما الحربين في العراق، وسوريا.
وفي المقابل، تواجه أوروبا صعوبة في ممارسة نفوذ فعلي على مسار الأزمة؛ فعلى الرغم من الدور المحوري الذي لعبته في التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، جرى إلى حد كبير تهميش القوى الأوروبية، وخاصة المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، في القرارات الإستراتيجية المتعلقة بالمواجهة مع طهران.
وترافق تراجع الدور الدبلوماسي الأوروبي مع انقسامات واضحة داخل القارة نفسها، إذ تكتفي بعض الحكومات بتقديم دعم خطابـي حذر لأهداف واشنطن، بينما تؤكد حكومات أخرى ضرورة استئناف المفاوضات وخفض التصعيد.
وقد وضع هذا الموقف واشنطن أمام مفارقة واضحة؛ فمن جهة، لا تزال الولايات المتحدة القوة العسكرية المهيمنة داخل التحالف الغربي والقادرة على التحرك منفردة. ومن جهة أخرى، فإن غياب مشاركة أوروبية فاعلة يضعف الشرعية السياسية والاستدامة الإستراتيجية لأي مواجهة مع إيران.
وبالنسبة للإدارة الأمريكية، يعزز هذا الواقع شعورا بالوقوف إلى حد كبير بمفردها، إذ تحظى بدعم لفظي من الحلفاء، لكنها تفتقر إلى التحالف الواسع الذي ميز الحملات العسكرية الغربية السابقة في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا.
ويطرح هذا الشعور المتنامي بالعزلة تساؤلات مهمة حول مستقبل عملية صنع القرار في واشنطن، وإمكانية تغير موازين القوة داخل التحالف الغربي.
ثانيا: التفسيرات الواقعية
ومن منظور نظرية الواقعية في العلاقات الدولية، لا يبدو الوضع الراهن مفاجئا أو غير مسبوق؛ فقد جادل عالم السياسة جون ميرشايمر منذ سنوات بأن القوى الكبرى تسعى في نهاية المطاف إلى تحقيق مصالحها الوطنية، لا إلى تنفيذ مشاريع أيديولوجية مشتركة، وهو ما يجعل التحالفات بطبيعتها هشة ومرهونة بالظروف.
وتشير نظرية الواقعية الهجومية لدى ميرشايمر إلى أن الدول تعمل ضمن نظام دولي فوضوي يكون فيه البقاء الهدف الأساسي.
ولذلك لا يتشكل التعاون بين الحلفاء إلا عندما يخدم مصالح وطنية واضحة، بينما تميل الدول إلى الابتعاد عن شركائها عندما تتجاوز تكاليف الاصطفاف المنافع المتوقعة، حتى وإن كانوا من شركائها التقليديين.
وعند إسقاط هذا المنطق على المواجهة مع إيران، يصبح التردد الأوروبي أكثر قابلية للفهم؛ فبالنسبة إلى العديد من الحكومات الأوروبية، تفوق مخاطر اندلاع حرب إقليمية، بما في ذلك الاضطرابات الاقتصادية وتدفقات اللاجئين وتصاعد الإرهاب وصدمات الطاقة، الفوائد الإستراتيجية لمواجهة مباشرة مع طهران.
لذلك تميل العواصم الأوروبية إلى تفضيل الاحتواء الدبلوماسي، وخفض التصعيد بدلا من الانخراط في مواجهة عسكرية.
ويرى ميرشايمر أيضا- في مقابلات وتعليقات عامة- أن الحروب في الشرق الأوسط كثيرا ما تنتج عواقب غير مقصودة تعزز الأنظمة التي يُراد إضعافها.
فالتصعيد، خاصة عندما يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين أو إثارة ردود فعل قومية قد يسهم في تعزيز الدعم الداخلي للحكومات المستهدفة. ومن هذا المنطلق، فإن السعي إلى تغيير الأنظمة أو ممارسة ضغط عسكري قسري قد يفضي في كثير من الأحيان إلى نتائج إستراتيجية معاكسة لما هو مقصود.
وبناء على هذه القراءة الواقعية، قد يعكس تردد أوروبا في الانضمام الكامل إلى الولايات المتحدة قدرا من الحذر الإستراتيجي أكثر مما يعكس ضعفا سياسيا.
فالحكومات الأوروبية تدرك أن توازن القوى المعقد في الشرق الأوسط يجعل تحقيق نصر عسكري حاسم أمرا غير مرجح، بينما يزيد احتمال الانزلاق إلى صراع طويل الأمد.
أما في واشنطن، وخاصة في ظل إدارة ترمب، فقد يُفسر هذا الحذر الأوروبي على أنه نوع من التخلي؛ حيث إن صناع القرار الأمريكيين المعتادين على تضامن حلف شمال الأطلسي، قد يرون في الموقف الأوروبي نقصا في الالتزام بالأهداف الأمنية المشتركة. غير أن هذا التباين، وفق المنظور الواقعي، يعكس ببساطة اختلاف حسابات المخاطر الوطنية.
ثالثا: الجدل الأمريكي
داخل الولايات المتحدة نفسها، بدأ محللون ومعلقون في تفسير المواجهة مع إيران من خلال سرديات إستراتيجية متباينة.
وقد رأى صحفيون ومحللو سياسات، مثل مايكل هيرش، أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تزال تتشكل بدرجة كبيرة تحت تأثير الضغوط السياسية الداخلية، والالتزامات الأيديولوجية.
ووفق هذا الطرح، فإن الدفع نحو المواجهة مع إيران لا يعكس حسابات إستراتيجية فحسب، بل يعكس أيضا ديناميات السياسة الداخلية داخل مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن، حيث تستمر النقاشات بين أنصار التدخل العسكري، ودعاة ضبط النفس في التأثير على خيارات السياسة.
وبالمثل، ركزت تعليقات في منصات مثل مجلة فورين بوليسي، بما في ذلك تحليلات كتاب مثل دييغو أريا، على أن أزمة إيران تعكس تحولا أوسع في بنية النظام الدولي.
فبدلا من الكتلة الغربية الموحدة التي طبعت مرحلة الحرب الباردة وما بعدها مباشرة، يبدو المشهد الجيوسياسي اليوم أكثر تشرذما؛ إذ تسعى الدول الأوروبية إلى الانخراط الدبلوماسي، بينما تتبع القوى الإقليمية أجنداتها الأمنية الخاصة، في حين تستفيد قوى عالمية مثل الصين، وروسيا من الانقسامات بين الحلفاء الغربيين.
ويقدم ويلين دينغ وبرنارد هيكل قراءة متصلة بهذا الطرح في تحليلهما المنشور في فورين بوليسي بعنوان: "هل تستطيع بكين المساعدة في احتواء حرب واشنطن؟".
ويرى الكاتبان أن المواجهة المتصاعدة مع إيران قد تعزز الدور الدبلوماسي للصين في إدارة الأزمة؛ فبحكم علاقاتها الاقتصادية مع طهران ونفوذها المتزايد في الشرق الأوسط، قد تكون بكين من بين الجهات القليلة القادرة على تهدئة التصعيد بين واشنطن وإيران.
وفي هذا السياق؛ لا تظهر الصين كحليف عسكري للولايات المتحدة، بل كوسيط محتمل يستند نفوذه إلى التجارة والتعاون في مجال الطاقة والانخراط السياسي مع إيران.
ويشير الكاتبان إلى أن الإستراتيجية الأمريكية قد تؤدي، من دون قصد، إلى تعزيز الأهمية الجيوسياسية لبكين، إذ قد تجد واشنطن نفسها في نهاية المطاف بحاجة إلى القنوات الدبلوماسية الصينية لمنع توسع الصراع على مستوى المنطقة.
وبهذا المعنى، تكشف الأزمة عن تحول أوسع في ديناميكيات القوة العالمية؛ فبينما لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوقها العسكري، باتت إدارة الصراعات الإقليمية تتطلب على نحو متزايد الانخراط مع قوى كبرى أخرى، وفي مقدمتها الصين التي يتيح نفوذها الاقتصادي والسياسي مسارات بديلة لخفض التصعيد.
ويُعد الاقتصادي جيفري ساكس من أبرز المنتقدين للمنطق الإستراتيجي الكامن وراء تصعيد المواجهة مع إيران.
ففي مقابلاته وتعليقاته العلنية؛ حذر ساكس من أن الحروب التي تخاض من دون أطر دبلوماسية واضحة قد تؤدي إلى تعميق حالة عدم الاستقرار، وتقويض القانون الدولي.
ويرى أن اللجوء إلى العمل العسكري الأحادي من جانب الولايات المتحدة غالبا ما يضعف المؤسسات الدولية، ويسرع من تآكل منظومة الحوكمة متعددة الأطراف.
ومن وجهة نظر ساكس؛ تمثل المواجهة مع إيران إخفاقا دبلوماسيا أكثر مما تمثل ضرورة إستراتيجية حتمية. فالتصعيد- بحسب تقديره- قد يحول التوترات الإقليمية إلى صراع جيوسياسي أوسع، في وقت تتراجع فيه مصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها وشركائها.
وقد عكست التعليقات الإعلامية هذه المخاوف؛ فقد وصف كتاب في منصات مثل ذا ديلي بيست الأزمة بأنها تعبير عن انقسامات أعمق داخل الخطاب السياسي الأمريكي نفسه، حيث تتجادل تيارات متنافسة من أنصار التدخل العسكري والواقعيين إلى منتقدي الحروب، حول تكاليف المواجهة مع إيران وتداعياتها.
وتشير هذه القراءات مجتمعة إلى أن الشعور بالعزلة الذي تواجهه الإدارة الأمريكية لا يقتصر على الساحة الدولية فحسب، بل يمتد أيضا إلى الداخل. فغياب التوافق بين الحلفاء يقابله انقسام واضح داخل مجتمع صنع السياسات في الولايات المتحدة.
رابعا: مستقبل العزلة وتداعياتها الإستراتيجية
يطرح التصعيد الراهن سؤالا محوريا: هل تمثل العزلة التي تواجهها الولايات المتحدة وضعا مؤقتا، أم إنها تعكس تحولا أعمق في بنية النظام الدولي؟
وفي هذا السياق، تبرز عدة سيناريوهات محتملة:
فقد أظهرت تجارب سابقة أن القوى الأوروبية غالبا ما تلتحق بالولايات المتحدة بعد فترة من التردد الأولي. وتُعد تدخلات حلف شمال الأطلسي في البلقان، وأفغانستان مثالا واضحا على ذلك، إذ تحول التردد الأوروبي تدريجيا إلى تضامن تحالفي مع تصاعد الصراع.
ففي السنوات الأخيرة، شدد صانعو السياسات الأوروبيون بشكل متزايد على ضرورة امتلاك أدوات مستقلة في السياسة الخارجية، وتقليل الاعتماد على القيادة العسكرية الأمريكية. وقد تسهم أزمة إيران في تسريع هذا الاتجاه، إذ تعزز الانطباع بأن المصالح الأوروبية لا تتطابق دائما مع الإستراتيجيات العسكرية الأمريكية.
ففي مثل هذا النظام ستظل الولايات المتحدة قوة كبرى، لكنها لن تتمكن بعد الآن من ضمان اصطفاف تلقائي من حلفائها.
وبدلا من ذلك، ستسعى القوى الإقليمية ومن بينها أوروبا، والصين، وروسيا، إلى جانب فاعلين مثل إسرائيل إلى اتباع سياسات أكثر استقلالية، وممارسة نفوذ أكبر في إدارة الأزمات الإقليمية.
وفي ظل هذه المعطيات، قد تواجه الولايات المتحدة خيارات إستراتيجية صعبة. وأحد هذه الخيارات يتمثل في تعزيز نهج القيادة الأحادية، بالاعتماد على التفوق العسكري والشراكات الإقليمية بدلا من التحالفات الواسعة.
أما الخيار الآخر فيتمثل في العودة إلى الدبلوماسية متعددة الأطراف؛ بهدف إعادة بناء دعم التحالفات الدولية.
ويرجح باحثون واقعيون، مثل جون ميرشايمر، أن تتجه الولايات المتحدة نحو تبني إستراتيجية أقرب إلى "الموازنة من الخارج"، تقوم على تقليص الانخراط العسكري المباشر وإتاحة المجال للقوى الإقليمية لموازنة طموحات بعضها ببعض. وقد يسهم مثل هذا النهج في الحد من مخاطر التمدد المفرط، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قدر من النفوذ الأمريكي.
غير أن تبني مثل هذه الإستراتيجية سيمثل تحولا كبيرا عن نموذج الأممية الليبرالية الذي وجه السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة.
وخلاصة القول إن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران كشفت عن مشهد جيوسياسي أكثر تعقيدا، لم تعد فيه القيادة الأمريكية تقود تلقائيا إلى اصطفاف الحلفاء. ويعكس الموقف الأوروبي الحذر مزيجا من الحسابات الإستراتيجية وتنامي الشكوك حيال جدوى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
وتلفت هذه القراءات أيضا إلى أن الشعور بالعزلة الذي تواجهه الإدارة الأمريكية لا يمثل مجرد تحدٍ دبلوماسي عابر، بل يعكس تحولا أعمق في طبيعة التحالفات الغربية، ويبرز اتساع الفجوة عبر الأطلسي، فضلا عن التغيرات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي.
وفي جميع الأحوال، كشفت أزمة إيران عن مجموعة من الحقائق التحولية. ومن أبرز ما يلفت الانتباه تراجع الثقة في قدرة الولايات المتحدة على حماية الدول الأخرى، أو تقديم الدعم لها، باستثناء إسرائيل.
وفي ظل هذه المعطيات، قد تصبح العزلة التي كان من الصعب تصورها في السابق بالنسبة لواشنطن سمة أكثر حضورا في السياسة الخارجية الأمريكية، حتى في الوقت الذي تعيد فيه إسرائيل رسم تصور صهيوني للشرق الأوسط.
ومع ذلك؛ يبرز في الأفق عالم تتراجع فيه قدرة المؤسسات متعددة الأطراف على ضمان السلام أو التوسط فيه، لتجد الدول الأكثر قوة نفسها مضطرة إلى إدارة حدود نفوذها والتعامل مع القيود المتزايدة على قدرتها على التأثير.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة